كتب

حقيقة الخلافات الخليجية وتداعياتها العربية والإسلامية

كتاب المسفر يؤكد الدور المحوري لقناة "الجزيرة" في إعادة صياغة علاقات دول مجلس التعاون (صفحة مجلس التعاون)

الكتاب: العلاقات الخليجية ـ الخليجية معضلة الفراغ الاستراتيجي والتجزئة (1971-2018)
الكاتب: محمد صالح المسفر
الناشر: مركز الجزيرة للدراسات ـ الدوحة ـ قطر، نوفمير2018،
318 صفحة من القطع الكبير.


في ظل العولمة وثورة المعلومات والاتصالات تنامى الدور الإقليمي والدولي لدولة قطر، بفعل القوة الناعمة التي تعتمدها في سياستها الخارجية، كانت قناة "الجزيرة" إحدى أهم ـ إن لم تكن أهم ـ أدوات تلك القوة التي اعتمدت عليها السياسة الخارجية لقطر في تعزيز مكانتها إقليميا ودوليا، ولذلك فإنه يصعب فهم السياسة القطرية من دون النظر إلى أداء وتوجهات قناة "الجزيرة"، نظرا للعلاقة التعاضدية بينهما. فبينما دعمت قطر القناة وأمدتها بالتمويل، عززت الجزيرة دور الدولة القطرية، ومكنتها من اكتساب مكانة إقليمية وعالمية تفوق الوزن السياسي لدولة بحجمها.

الحزب السياسي الوحيد في قطر

تعتبر قناة "الجزيرة" الحزب السياسي الوحيد المعترف به في دولة قطر، فهو حزب السلطة القطرية، إذ كان الهدف من قناة "الجزيرة" كسر طوق العزلة الذي ضربته حول الإمارة دول الجيران، التي لم يقبل حكامها حركة 26 حزيران (يونيو) 1995 التي نقلت السلطة من الشيخ خليفة آل ثاني إلى الشيح حمد بن خليفة آل ثاني، لكن النتائج فاقت التوقعات ولم يمض وقت طويل حتى تمركزت قناة "الجزيرة" في قلب اهتمامات المشاهد العربي، ونتج عن ذلك أن ظهرت قطر للعيان بسرعة فائقة، وبدأت تحتل مكانا رئيسيا في المشهد السياسي الإقليمي العربي، وفهم الأمير أنه وضع يده على سلاح خطير سيمكّنه من إضفاء كامل الشرعية على حكمه للإمارة، وإنساء الانقلاب تحت غطاء التعاطف الذي بدأت تجلبه له ولبلاده هذه القناة بنوعية برامجها ومستوياتها المهنية العالية. 

 

تمركزت قناة "الجزيرة" في قلب اهتمامات المشاهد العربي ونتج عن ذلك أن ظهرت قطر للعيان بسرعة فائقة وبدأت تحتل مكانا رئيسيا في المشهد السياسي الإقليمي العربي


يقول الباحث المسفر في هذا الصدد: "لا بد من إعادة التذكير بأن المملكة العربية السعودية لم تتلق بارتياح نبأ انتقال السلطة سلميا من الأمير، الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني إلى الأمير، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عام 1995، ولم تكن راضية عن التوجه إلى محكمة العدل الدولية، عام 2001، بشأن الخلاف القطري ـ البحريني حول جزيرة حوار والفشوت المجاورة، ولم تكن سعيدة بأول وزيرة قطرية عام 2003، ولم تكن سعيدة بإعطاء دور المرأة القطرية في انتخابات المجالس البلدية عام 1999 وتعيين أول وزيرة قطرية عام 2003، ولم تكن سعيدة بدعوة قطر لتداول منصب الأمين العام لدول مجلس التعاون بين الدول الأعضاء. وقد عبرت السعودية غير مرة عن عدم الموافقة على السياسات القطرية الخارجية. 

وقد عبر عن هذا التراكم من سوء الفهم وعدم الرضا تصريح الأمير، بندر بن سلطان آل سعود، مدير المخابرات ورئيس مجلس الأمن الوطني السعودي في عام 2012، الذي سخر فيه من دولة قطر ومكانتها، ولم يكن موفقا فيه، إذ قال: "قطر ليست سوى 300 شخص وقناة فضائية لا غير"، وقد قوبل هذا التصريح بامتعاض على كل الصعد شعبيا ورسميا، ما دعا وزير خارجية دولة قطر، خالد العطية، إلى الرد قائلا: "إن موطنا قطريا يعادل شعبا... وشعب قطر عن أمة بأكملها" (ص 190 من الكتاب).

 

اقرأ أيضا: الإمارات تدفع مئات الآلاف لصحفي مصري رفع قضية ضد الجزيرة

لقد مكّن تفتح "الجزيرة" على المعارضين في البلاد العربية من إبراز قوة الاسلام السياسي "النائمة"، التي يمثلها تنظيم الاخوان المسلمين في الأردن ومصر وتونس أو "حماس" في فلسطين أو طالبان في أفغانستان، وأصبحت قطر الوسيط بين هذه القوة السياسية المنشقة عن الأنظمة الرسمية وبين المنظمات الدولية، معتمدة في ذلك على علاقاتها القريبة من الولايات المتحدة وتفتحها على الكيان الصهيوني.

وكرّست قناة "الجزيرة" في السنوات 2000 دور قطر الريادي، فيما أصبح يسمى بـ"الديبلوماسية الإعلامية" وصارت الدوحة ملتقى لكل اللاعبين السياسيين وأصحاب القضايا وفضاء مفتوحا للقاءات السرية والمعلنة، وحصدت قطر بذلك اعترافا واحتراما جعلاها عصيّة على مطامع جارتيها العملاقتين إيران والسعودية.

فبعد انسحاب مصر، عقب وفاة الرئيس جمال عبد الناصر في العام 1970، ثم العراق عقب اجتياح الكويت في العام 1990، سيطرت السعودية على القسم الأكبر من وسائل الإعلام العربية الشاملة. فجاء إطلاق قناة "الجزيرة" في منتصف التسعينيات على يد أمير قطرالسابق، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، ليوقف الاحتكار السعودي. 

 

صارت الدوحة ملتقى لكل اللاعبين السياسيين وأصحاب القضايا وفضاء مفتوحا للقاءات السرية والمعلنة،


فعبر اختيارها لمكان تمركزها، وانتقاء صحفييها وخياراتها الأيديولوجية، أدخلت "الجزيرة" قطيعة ثلاثية الأبعاد مقارنة مع الصيغة السعودية؛ فقبل ذلك، كانت الفكرة السائدة أن وسائل الإعلام العربية المتمركزة في الخارج، هي وحدها قادرة على التمتّع بحريّة نسبية، وقد عزّزت هذا الطرح هجرة جزءٍ من الصحافة اللبنانية نحو أوروبا بعد اندلاع الحرب الأهلية في العام 1975. هكذا كانت الإمبراطورية الإعلامية السعودية تتمركز في لندن أو في إيطاليا، وكانت تستفيد من الوجود الكثيف للصحفيين العرب، خصوصا اللبنانيين، الذين أصبحوا حلفاء للأمراء السعوديين، وقد أبطلت "الجزيرة" هذا الطرح المُسبق عبر إثباتها أنّه يمكن لوسيلة إعلامية عربية، متمركزة في دولة عربية، أن تتمتّع بحريّة كبيرة. من ثَمّ، بدأت وسائل الإعلام السعودية تعود تدريجيا إلى المنطقة، خصوصا إلى الإمارات العربية المتّحدة، لكن ليس إلى المملكة العربية السعودية.

وقد وجد أمير دولة قطر أن الإقليم يعيش حالة فراغ سياسي قيادي، إذ يفتقد إلى قادة وزعماء أقوياء ولديهم النفوذ والشعبية، فلا عبد الناصر، ولا بومدين، ولا الحسن الثاني، وصدام محاصر مع تراجع الأحزاب القومية واليسارية لصالح التيارات الإسلامية الصاعدة، ووجد أن لديه فوائض مالية ضخمة من عوائد الغاز والنفط وإعلام (جزيري) طاغ في المنطقة، ولكن ليس لديه تنظيما سياسيا أو دعويا، فاتجه إلى تبني جماعة "الإخوان المسلمين" واعتبارها حزبه الذي سيخوض به معركة النفوذ في الإقليم، وهذا ما حصل. وقد جاء تبنيه للإخوان المسلمين في وقت بدأت الولايات المتحدة فتح باب التواصل معهم، وفي الوقت نفسه وجد أن الولايات المتحدة هي من سَيُوَّفِرُ الحماية له من جاره القوي السعودية، فأقام في بلاده قاعدتين عسكريتين للولايات المتحدة على نفقة قطر، ولم يوقف علاقته بالكيان الصهيوني.

 

اقرأ أيضا: ما أسباب التوتر مع قطر.. وماذا تريد الرياض وأبوظبي من الدوحة؟

هنا التساؤل المطروح لماذا تقف السعودية التي كانت حاضنة لجماعة "الإخوان المسلمين" في عهود سابقة إلى تغيير موقفها والانقلاب على الجماعة؟ والجواب على ذلك هو أن سبب هذا الموقف هو وصول الجماعة إلى الحكم في مصر وقبلها في تونس (النهضة). فمصر الدولة (السنية) الأكبر في الإقليم، رغم كل الضعف البنيوي الذي تعيشه بوجود جماعة "الإخوان المسلمين" في الحكم، وهي أكبر وأعرق تنظيم إسلامي دعوي  سياسي ليس في الإقليم فحسب، ولكن على امتداد العالم الإسلامي، سيعني أنّ مصر هي من سيمسك بزعامة الإقليم، التي كانت تاريخيا موضع تنافس بين مصر والسعودية منذ عهد أسرة محمد علي في مصر، وتعززت في عهد جمال عبد الناصر. ولذلك مع تبيّن توجه "الإخوان المسلمين" إلى إدخال مصر في محور مع تركيا، فقد تم التآمر حيث أطاح جنرالات مصر بحكم "الإخوان المسلمين"، واعتقلوا قياداتهم، وشنوا حملة أمنية استئصالية لاجتثاثهم. 

 

عندما انفجرت "ثورات الربيع العربي"، لام َ الزعماء الوهابيّون في المملكة السعودية "الإخوان المسلمين" لأنّهم عملوا على إسقاط النظامين في كل من مصر وتونس، كما لاَمُوا الولايات المتحدة الأمريكية، لأنّها تخلّت عنهما.


من الصعب جدا فصل التحول في الموقف السياسي القطري عن موجة الاحتجاجات العارمة التي هزّت  أكثر من دولة عربية، والدور الذي أدته قناة الجزيرة "الذراع الدبلوماسي" لقطر. فهذه المحطة الإخبارية دعمت بلدان "الربيع العربي" منذ بداياتها، حتى إنها نظمت حملات دعائية شملت تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا. وكانت هذه الحملات قبل ذلك متركزة على الملف الفلسطيني بشكل شبه كامل، حسب ما قالته الباحثة الفرنسية كلير ـ غابريل تالون مؤلفة كتاب "الجزيرة. حرية التعبير والدول النفطية" في مقابلة مع مجلة "جون أفريك".

وكانت الجرأة القاسم المشترك بين الأمير وقناة "الجزيرة". بل إن كليهما يتبع عضويا للآخر رغم التأكيدات المتكررة والمتواصلة أن "الجزيرة" قناة خاصة ومستقلة. وبنفس الجرأة غامر صحفيو "الجزيرة" بأنفسهم لينقلوا الخبر من أخطر ساحات الحرب وبنقد ـ وانتقاد ـ كل الأنظمة العربية القائمة بلا استثناء أو باستثناء وحيد هو النظام القطري، ولكن دون تمجيده أو الإشادة به. وأصبح الأمير حمد مطلب كل الحكام العرب لا ينقطعون يطالبونه بالتدخل لإيقاف تحامل قناة "الجزيرة"، لكن الأمير كان يرد دائما: "أنا لا أتدخل لأن الإعلام حرّ".

تفاقم الأزمة السعودية ـ القطرية بعد "ثورات الربيع العربي"

لقد تبلورت ملامح التحالف الاستراتيجي بين قطر والإخوان المسلمين في ظل "ثورات الربيع العربي"، حيث دعمت قطر حركات الإسلام السياسي في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن، وسوريا. كما قامت "الجزيرة" بتوثيق وتغطية نشاط الحركات الاحتجاجية في بلدان "الربيع العربي". ولكن مقابل هذا الدعم المعنوي الذي قدمته قناة "الجزيرة" للاحتجاجات العربية، جاءت تغطيتها لأحداث البحرين في آذار/مارس 2011 ضعيفة إلي حدٍّ كبيرٍ، مِمَّا لفت النظر إلى أن السياسة القطرية تنطلق من منطلق عقائدي يتعلق بتعزيز مصالح الإسلام السني. ويُدَلِّلُ أصحاب هذا الرأي على ذلك بصمت "الجزيرة" عن الاضطرابات التي حدثت في الجزء الشرقي من السعودية (ذات التركيز الشيعي) وتغطيتها الهزيلة لتوترات البحرين، بينما سلطت الضوء على سوريا، وكذلك ما يثار حول تمويلها لجماعات الإسلام السياسي في مصر.

وعندما انفجرت "ثورات الربيع العربي"، لَام َ الزعماء الوهابيّون في المملكة السعودية "الإخوان المسلمين" لأنّهم عملوا على إسقاط النظامين في كل من مصر وتونس، كما لَامُوا الولايات المتحدة الأمريكية، لأنّها تخلّت عنهما. هكذا وقف النظام السعودي موقفا مركزيا في الثورة المضادّة، وسحق انتفاضة البحرين في آذار/مارس العام 2011. كما أنّ الرياض قدمت الدعم للملك عبد الله الثاني في مواجهة حركة الاحتجاج في الأردن التي شارك فيها "الإخوان المسلمين" بقوة.

 

الخلاف القطري ـ الخليجي

في 5 آذار (مارس) 2014، سحبت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين سفراءها من الدوحة. وقال بيان مشترك، إن من بين دوافع ذلك القرار "المحافظة على أمن واستقرار دول المجلس، الذي نصت الاتفاقية الأمنية الموقعة بين دول المجلس على أنه مسؤولية جماعية". والحق أن دولة قطر لم تُخل باتفاق الأمن والاستقرار لدول مجلس التعاون، وتكمن الخلفية الحقيقة، وراء ذلك القرار في أن الإعلام القطري كان أكثر تغطية لأحداث الربيع العربي عامة.

 

ترى دولة قطر أن الحكم القائم في مصر نتيجة انقلاب عسكري دبر ضد الرئيس محمد مرسي، المنتخب من قبل الشعب، في انتخابات نزيهة وشفافة


وقد ارتكز الخلاف على اعتقاد الدول الثلاث، بقصد أو من قصد، بأن قطر تقوم بتسليح حركات إسلامية متشددة في سوريا، ودعم الحوثيين في اليمن، والإخوان المسلمين في مصر ماليا وإعلاميا. وهي لم تنكر أنها تدعم حركات سياسية معارضة في سوريا، وتقر بأنه لا يوجد عداء بينها وبين جماعة الإخوان المسلمين كحركة سياسة معارضة، تعمل داخل مصر ممثلة بحزبها الحرية والعدالة الذي تأسس في 6 حزيران (يونيو) 2011.

وترى دولة قطر أن الحكم القائم في مصر نتيجة انقلاب عسكري دبر ضد الرئيس محمد مرسي، المنتخب من قبل الشعب، في انتخابات نزيهة وشفافة، بشهادة مختلف الأطراف المصرية والدولية، ولم يكن محمد مرسي قد أكمل عامه الأول في الرئاسة. ويذهب الرأي القطري إلى أن أسلوب الانقلابات العسكرية على الحكومات الشرعية يجب ألا يلقى تشجيعا في الوطن العربي. ويتماثل الموقف القطري في الشأن المصري مع مواقف كثيرة من الدول الديمقراطية الغربية والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الإفريقي، التي لم تعترف بالانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس المنتخب، محمد مرسي، على يد وزير الدفاع، عبد الفتاح السيسي. وقرر مجلس الاتحاد الإفريقي تعليق مشاركة مصر في أنشطة الاتحاد حتى استعادة النظام الدستوري (ص 191 من الكتاب).

 

اقرأ أيضا: إيكونوميست: لماذا لا يستطيع مجلس التعاون الخليجي التعاون؟

في الجانب الآخر، أيدت المملكة العربية السعودية في عهد الملك، عبد الله بن عبد العزيز، الانقلاب العسكري على شرعية الرئيس، محمد مرسي، وباركته منذ اللحظة الأولى. وطالبت دول مجلس التعاون بأن تنهج نهجها في دعم الانقلاب، وتصاعد الخلاف بين الدولتين، وراحت الحكومة السعودية ترفع سقف المطالب من دولة قطر، ومنها على سبيل المثال: الاعتراف بالنظام الجديد في مصر بقيادة العسكر، وإغلاق قناة "الجزيرة"، ومراكز أبحاث معتمدة في دولة قطر، وعدم تجنيس شخصيات محددة.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أصدرت وزارة الإعلام السعودية توجيهات إلى كتاب الأعمدة الصحفية بعدم الاستمرار في الكتابة في أية وسيلة إعلامية قطرية. وفي 23 كانون الثاني (يناير) 2015، أوفى الملك عبد الله بن عبد العزيز، ونصب ولي العهد، الأمير سلمان بن عبد العزيز، ملكا على البلاد.

ورغم أن قطر تنتمي مثل السعودية إلى المذهب الوهّابي، فإنّها تميزت في مواقفها عن المملكة السعودية، واختارت منذ  قيام "الربيع العربي"، المراهنة على انتصار حركات الإسلام السياسي من "الإخوان المسلمين". فدولة قطر تعتقد أنّها وجدت في "الإخوان المسلمين" امتدادا لسياساتها، لأنّها لا تملك لا جيشا ولا دبلوماسيين ولا عددا من الجواسيس كافِيا لتأدية دَوْر فَعَّال في المنطقة.

يقول الباحث المسفر في كتابه هذا، إن القيادة السعودية تنظر "إلى أي تغيير في أي نظام عربي، سواء عن طريق الثورة أو الإزاحة، نظرة سلبية؛ فهي تعتقد أن كل تغيير هو في الأصل "فتنة" ومدعاة للخراب والدمار، وتريد اتقاء شرها. لكن المساهمة في رفع الظلم عن الإخوة والأخوات في الدول العربية في حال وقع عليهم هو واجب لابد من القيام به. وبهذا فهي تعارض الثورة من خلال مفهوم الفتنة، وتدعمها في حالات أخرى من خلال مفهوم رفع الظلم"(ص250).

ويضيف الباحث المسفر في تحليله للموقف القطري، قائلا: "لم يكن "الربيع العربي" مثيرا للخوف لدى القيادة السياسية القطرية عبر إمكانية تسرب تفاعلاته الديناميكية إلى الداخل القطري أو التأثير في الجبهة الداخلية وتماسكها. ومن هنا كان الإعلام القطري ممثلا في فضائية الجزيرة الفاعل والمؤثر في سير حركة الربيع العربي وانتشارها، وكان حاضرا بقوة في الأحداث في عواصم الربيع العربي بدءا من تونس ثم مصر وليبيا وسوريا واليمن. وكانت الأحداث على مدار الساعة حاضرة على شاشة الجزيرة، وتغطيها شبكة مراسليها في كل ميدان، إلى الحد الذي قالت فتاة مصرية – ومن دون ترتيب – على الهواء مباشرة: "مفيش خوف بعد اليوم، شكرا للجزيرة فقد كشفت المغطى"(ص 254). 

وفي معرض نقده للموقف السعودي، يستشهد الباحث المسفر بقول الكاتب السعودي، منصور البقمي، "إن الاختيار بين دعم وتأييد الثورة أو معارضتها يرتكز على ثلاثة أهداف رئيسية، هي: تأمين الجبهة الداخلية من أي انزلاق نحو التأثر بتلك الثورة أو محاكاتها، وتأمين الأنظمة الحليفة، كما فعلت السعودية مع حكومة البحرين، ومكافحة تقدم مصالح الأنظمة المنافسة، وبناء على ذلك، فقد نظرت السعودية إلى ثورة الربيع العربي في مصر نظرة مختلفة عن نظرتها إلى ثورة ليبيا، وكذلك ثورات سوريا واليمن والبحرين، ففي سوريا ألقت السعودية بكل ثقلها لإسقاط النظام السوري، وفي هذا السياق، أعلن الأمير سعود الفيصل: "لا مكان لبشار الأسد في مستقبل سوريا"، وقال أيضا: "النظام السوري فقد هويته العربية ولم ينتم بأي شكل من الأشكال إلى الحضارة السورية، التي كانت دائما لب العروبة النابض (حديث مع منصور البقمي على هامش منتدى الخليج الأول الذي عقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، كانون الأول (ديسمبر) 2013 حول الاختيار بين دعم وتأييد الثورة أو معارضتها) (ص251 من الكتاب).

وفي معرض نقده لدولة الإمارت، يقول الباحث المسفر في كتابه: "لا يوجد في دولة الإمارات العربية المتحدة أحزاب سياسية ولا نقابات مهنية ولا مؤسسات مجتمع مدني قادرة على الفعل الذي يؤثر في مسار الدولة السياسي. ومن هذا المنطلق، كانت الإمارات أقل الدول الخليجية تأثرا بالربيع العربي وكذلك دولة قطر. كما أن طبيعة دولة الإمارات الفيدرالية قادرة على احتواء أي تحرك داخلي، ويعود السبب في ذلك إلى أن الأمن الداخلي مرتبط ارتباطا كليا بسلطة الإمارة الواحدة وليس بالإدارة الاتحادية، وقد كان هذا الأمر قائما أيضا قبل أحداث 11 أيلول (أيلول) 2001، لكن تغيرت الحال بعد هذه الأحداث، فأصبح للحكومة الفيدرالية القول الفصل في الشأن الأمني، ولكن دون أن ينتقص من نفوذ الأمن الداخلي في كل إمارة. 

 

اقرأ أيضا: لماذا تأسس مجلس التعاون الخليجي وعلى أي أرضية؟

اقرأ أيضا: مجلس التعاون الخليجي وتداعيات الاعتماد المفرط على الطاقة