قضايا وآراء

معوقات النهضة في العالمين العربي والإسلامي (2)

1300x600

اعترض بعض القارئين للمقالة الأولى على المعوق الأول الذي زعمنا أنه معوق أساس أمام النهضة في العالمين العربي والإسلامي، وهو وجود الاحتلال الصهيوني في قلب الأمة العربية والإسلامية، معللين اعتراضهم بأن المشكلة لا تبدأ من العوامل الخارجية، وإنما ترجع بالأساس لعوامل داخلية تُمكن القوى الخارجية من تحقيق أهدافهم بسهولة ويسر.

في الحقيقة إنّ هذا الطرح ليس وليد اللحظة، وإنما يمتد بجذوره إلى اختلاف طويل عاصرته المسيرة الفكرية لتصحيح مسار الأمة العربية بعد أن تنكبت طريق الوحدة والتقدم والانتصار، وعليه فقد انقسم المفكرون المهتمون في تقويم أمر الأمة العربية والإسلامية إلى فريقين أساسين، الأول يتبنى فكرة خطر القوى الخارجية وتدخلاتها في البلدان العربية والإسلامية من خلال آليات ووسائل تجعل الأفراد والجماعات والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية، تدور في فلك الجهل، والاستهلاك، والتخلف، والتفكك، والانحطاط؛ من أجل الحفاظ على مصالحها المختلفة التي تضمن استمرار قوتها، وسيادتها بين الشعوب والأمم، مما دفع أصحاب هذه الفكرة لصب جهدهم على أولوية مجابهة الخطر الخارجي لإنقاذ التردي الداخلي.

أما الفريق الثاني فهو يتبنى فكرة إصلاح الترهل الداخلي لمجابهة الأخطار الداخلية والخارجية، حيث إنَّ رفع حالة الوعي لدى الأفراد والمؤسسات تدفع المجتمعات نحو ترتيب أولوياتها، وأذواقها، واختياراتها، ومعرفة عدوها من صديقها، وغيرها من الأمور التي تخلق بيئة قادرة على حسن التصرف والانتشار.

عموماً إنّ الاعتراض المذكور أعلاه يدفعنا أن نؤكد على ما ذهبنا إليه من أنَّ الاحتلال الصهيوني هو معوق رئيس أمام نهضة الأمة العربية والإسلامية؛ لأنَّ وجود "إسرائيل" لا يُعد من العوامل الخارجية، بل هو من أهم العوامل الداخلية التي تنخر في أعضاء المجتمعات العربية وفئاته المختلفة، من أجل إضعاف الشعوب العربية والإسلامية ومؤسساتها المتنوعة، بكافة الوسائل والأساليب الممكنة.

كيف لا، و"إسرائيل" أكبر مستوطنة في الشرق الأوسط، تحفظ مصالح الدول الغربية؟ وذلك حسب النظرية الميكافيلية في حكم البلاد، وطرق السيطرة عليها، والتي أكدت على ضرورة زرع مستوطنات داخل الدول والمدن التي يتم احتلالها والتغلب عليها؛ حفاظاً على بقائها تحت حكم الطاعة والولاء، واستغلالاً لخيراتها الوفيرة، ومقدراتها المهدورة، من خلال إثارة المشكلات الفرعية، التي تُفضي على أهلها مزيداً من الجهل والتفكك والاقتتال(1).

والمتتبع لدولة "إسرائيل" وسلوكها العام في المنطقة، يجد أنها لعبت دوراً مباشراً في التصدي لأغلب التغيرات العربية الداخلية، التي من شأنها أن تُؤثر في ميزان قوى الصراع معها، وذلك من خلال شن الحروب العسكرية المباشرة، أو خلق الفتن السياسية والطائفية غير المباشرة، أو احتلال أراضٍ عربية متاخمة لفلسطين كما حدث عام 1967م.

ومن أهم تدخلات "إسرائيل" في المنطقة العربية والإسلامية، ما جاء في تقرير المركز الفلسطيني للإعلام، وهي كما يلي:

أولاً: مشاركة "إسرائيل" في التصدي للتغيير الوطني والقومي للثورة المصرية عام 1952، عبر انضمامها إلى جانب بريطانيا وفرنسا في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

ثانياً: قيامها بالتصدي لتطلعِ العراق إلى امتلاك الطاقة النووية السلمية، عبر مهاجمة ما أنشأه من مفاعل نووي، وتدميره، عام 1981.

ثالثاً: إقدامها على تدمير منشأة سورية في دير الزور، بدعوى أنها مفاعل نووي عام 2007.

رابعاً: مشاركتها في التصدي لنهوض القوة العراقية، عبر المشاركة المستورة في ما يكابده من احتلال أمريكي منذ عام 2003، قاد إلى تدميره كدولة ودور، وليس كنظام فقط.

خامساً: دخولها (الذي لم يعد سراً)، على خط تقسيم السودان وتمزيق وحدته.

سادساً: تدخلاتها العسكرية والسياسية التي لم تنقطع في كل ما شهده لبنان من تغيرات وطنية داخلية.

وإذا ما توقفنا قليلا عند الاعتداء الأخير على العراق عام 2003م، نجد أنَّ أحد أبرز دوافع هذه الحرب النكراء هو اغتيال العقل العراقي الذي تميز في جميع مجالات العلم، سواء على صعيد علم الدين أم التكنولوجيا أم الطب أم الفيزياء، فالعراق امتلك عدد كبير من حملة الشهادات العلمية العالية من كل بلاد العالم.

لذلك سعت واشنطن بوسائل عدة؛ من أجل تفريغ العراق من كفاءاته العلمية مستكملة خطة إسرائيلية قديمة لتصفية أي عالم نووي عربي (قتلوا المشد وسميرة موسى وغيرهما)، ولهذا صدر في أوائل العام الجاري أغرب قانون أمريكي لتهجير علماء العراق، حيث أقر الكونجرس الأمريكي مشروع قانون حمل عنوان "قانون هجرة العلماء العراقيين 2002"، ينص على منح العلماء العراقيين الذين يوافقون على تقديم معلومات "ذات مصداقية" بشأن برامج الأسلحة العراقية تصريح للإقامة في الولايات المتحدة.

وبعد أن فشلوا نسبيا في استمالة العقول العراقية من خلال الإغراءات المادية، استخدموا القوة الخشنة التي أودت بحياة أكثر من خمسة آلاف عالم، وتهجير أكثر من عشرين ألف عالم عراقي عملوا على تطوير العراق في المجالات كافة.

وقد كشفت مجلة "المشاهد السياسي" البريطانية، وحسب ما جاء في موقع صحيفة أخبار جهينة، أنَّ عملية اغتيال العقول العراقية التي بدأت في اليوم الثاني لسقوط بغداد، تتوزّع بين أطراف ثلاثة:

- الطرف الأول هو: الموساد (جهاز المخابرات لدولة الاحتلال الصهيوني) الذي أوفد مجموعات سرّية الى العراق لمطاردة العلماء والباحثين والمفكّرين والدكاترة والأطباء، لا سيما الطاقمين النووي والكيميائي والهندسي والصناعي، وتصفيتهم... بناء على قرار اتخذ على أعلى المستويات الأمنيّة في إسرائيل.

- الطرف الثاني هو: المخابرات الأمريكية المركزية، التي قدّمت عروضاً مغرية للعلماء العراقيين من أجل التعاون معها، بينها تأمين عقود عمل لهم في الولايات المتحدة وضمان سلامتهم، والذين رفضوا هذه العروض تمّت مطاردتهم وتصفيتهم على مراحل.

- الطرف الثالث هو: فريق عراقي وقد صدرت إليه التعليمات بالانخراط في حملة التصفية بناء على توجيهات خارجية.

كما تُعد التدخلات الإسرائيلية في حوض النيل (والتي تأخذ أشكالا متعددة، من بينها تقديم الدعم الفني والاقتصادي لدول الحوض، أو التدخل من خلال أدوات الدبلوماسية السرية والعمل الاستخباري) من بين أبرز الإشكاليات المتعلقة بقضايا الأمن القومي المصري.

فقد جاء في كتاب "إستراتيجية التغلغل الإسرائيلي في حوض النيل" (للباحث مهند النداوي، والصادر عن "العربي" للنشر والتوزيع) أبعاد الرؤية الإسرائيلية التوسعية في منطقة حوض النيل ودولها، والأسس التي ترتكز عليها هذه الرؤية، من أجل تحقيق هدفَيْن رئيسيين:

الأول: تطويق واختراق الأمن القومي العربي.

الثاني: اعتبار المنطقة مجالا حيويا للدولة العبرية.

وعليه، فقد أكد الباحث مهند النداوي على مجموعة من الحقائق الأولية فيما يتعلق بالإستراتيجية الإسرائيلية بشكل عام، قبل أن يطبقها على السياسات الإسرائيلية في منطقة حوض النيل، أهمها أنَّ هذه الإستراتيجية تقوم على أساس فكر عدواني "صراعي" بالأساس.

ويتعامل هذا الفكر، وهذه الاستراتيجية مع المحيط الإقليمي بتخطيط بعيد المدى، وذلك من أجل تحقيق الغاية الصهيونية القائمة على عودة أرض إسرائيل إلى شعب "إسرائيل" في إطار ما أسماه الكاتب المفهوم التاريخي لأرض إسرائيل "من النيل إلى الفرات.

كما أورد الباحث أخطر إستراتيجية اتبعتها "إسرائيل" تجاه دول حوض النيل المتعلقة في تنفيذ مشاريع مائية وزراعية عديدة في هذه الدول، حيث أصبحت تسيطر على عدد من القطاعات الاقتصادية المهمة في تلك الدول.

ومن مظاهر تدخلات "إسرائيل" في المنطقة ما قامت به من جملة الاغتيالات العسكرية التي نفذها جهاز الموساد التابع لإمرتها الإجرامية، فقد استهدف عددا كبيرا من الشخصيات الفلسطينية والعربية دون احترام سيادة الدول ومكانتها بين الشعوب والأمم، مثل اغتيال المفكر الفلسطيني غسان كنفاني على أرض لبنان، والقائد الفلسطيني خليل الوزير "أبو جهاد"، والقائد الفلسطيني صلاح خلف، والقائد التونسي محمد الزواري على أرض تونس، والقائد فتحي الشقاقي على أرض مالطا، والقائد عاطف بسيسو على أرض فرنسا، ومحمود المبحوح على أرض الإمارات العربية، ومحاولة اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل على أرض الأردن.

وحديثاً، تجلت تدخلات "إسرائيل" بالمنطقة العربية إبان ثورات الربيع العربي التي اندلعت في عدد من الدول العربية عام 2011م، حيث خرجت شعوبها في مظاهرات مليونية تطالب أنظمتها الديكتاتورية ومؤسساتها المختلفة بالرحيل، مما شكل حالة من الصدمة الكبيرة لدى السلطات "الإسرائيلية" المختلفة، خصوصاً بعد سقوط مبارك عن سدة الحكم في مصر.

لم تكتف إسرائيل بالصدمة لكنها سارعت بالمطالبة الجادة، والعمل الدؤوب من أجل خلق بيئة تتوافق مع مصالحها المختلفة، وذلك من خلال تصريحات وأفعال عدة، أبرزها ما ذكره الدكتور صالح النعامي المختص في الشؤون الإسرائيلية في مقالته إسرائيل.. فزع من الربيع العربي واحتفاء بالثورات المضادة (ج1) وهي كالآتي:

أولاً: اعتبر وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان أن الخطر الذي تمثله مصر بعد فوز مرسي أكبر بكثير من الخطر الذي يمثله البرنامج النووي الإيراني، وإن الأمر بات يتطلب توجيه الموازنات لمواجهتها.

ثانياً: نصح حنان جولدبيرغ، المعلق العسكري لصحيفة "معاريف" الرأي العام الإسرائيلي بأن يتعود على التوتر الأمني مع مصر في ظل الثورة المصرية وصعود الإخوان المسلمين، مشددا على أن الحدود المصرية "الإسرائيلية" أصبحت بيئة أمنية جديدة.

ثالثاً: إن إحدى الوقائع التي تعكس طابع تأثير التحول الذي حدث في مصر بعد انتخاب مرسي على إسرائيل (كما وثقته الصحف الإسرائيلية) هي زيادة عدد الضباط في شعبة الاستخبارات العسكرية، حيث ارتفع عددهم بنسبة 25 في المئة لمواجهة التحديات الناجمة عن هذا التحول.

رابعاً: تناولت الصحف الإسرائيلية الكلفة المالية للجهد الحربي الإسرائيلي في عهد مرسي، حيث كشفت صحيفة "معاريف" النقاب عن أن هيئة أركان الجيش قد طالبت بإضافة 15 مليار شيكل (أربعة مليارات دولار) لموازنة الأمن من أجل إعادة تأهيل قيادة الجبهة الجنوبية في الجيش لتصبح قادرة على مواجهة التحولات بعد الانتخابات الرئاسية في مصر.

لذلك لم تخف إسرائيل فرحتها العارمة بعد سقوط النظام الرئاسي الذي أفرزه صندوق الاقتراع المصري لأول مرة منذ زمن بعيد، فقد عبر معلق الشؤون السياسية في صحيفة "هآرتس" آرييه شافيت، قائلا: "إنَّ الجنرال عبد الفتاح السيسي هو بطل إسرائيل، فلا يحتاج المرء أن تكون لديه عين ثاقبة بشكل خاص حتى يكتشف حجم التشجيع العميق والإعجاب الخفي الذي تكنه النخبة الإسرائيلية تجاه قائد قوات الجارة الكبرى من الجنوب، الذي قام للتو بسجن الرئيس المنتخب الذي قام بتعيينه في منصبه".

بغض النظر عن الأسماء الشخصية أو المسميات الحزبية، فإنَّ "إسرائيل" لن تسمح بقيام أي تحول ديمقراطي في المنطقة العربية؛ لأنّ الديمقراطية تعني الحرية التي ستمكن الشعوب العربية التفكير بشكل سليم، والتعبير بشكل أفضل، مما يشكل خطر استراتيجي على مصالحها المتنوعة ابتداءً وعلى وجودها غير الشرعي انتهاءً.

هكذا يتضح لنا مدى خطورة "إسرائيل" في المنطقة العربية والإسلامية ودورها الأساس في ضرب أي مشروع يهدف إلى نهضة العقل العربي ودوره الفاعل، من أجل تحقيق أطماعها المعروفة؛ لذلك وجب على أبناء الأمة العربية والإسلامية من المفكرين وأصحاب الرأي والتأثير وضع خطة استراتيجية واضحة، تكون لها الأولوية الخاصة في الدعم والتنفيذ؛ من أجل التخلص من هذه المستعمرة التي تنفث بسمومها القاتلة في أعضاء الجسم العربي، وإلا سنبقى نراوح في مربعات فارغة لا تسمن ولا تُغني من جوع.

--------------

الهوامش:
(1) وهذا ما أشرنا إليه من خلال وثيقة كامبل السرية 1907م التي خلصت إلى ضرورة تمزيق الوطن العربي التي تجمعه العديد من القواسم المشتركة المفضية إلى قوة قد تهدد المصالح الغربية في المنطقة، فكان القرار ضرورة زرع في قلبهم جسم غريب لتحقيق ذلك