مدونات

تعرية الخداع: المادة الثانية من الدستور المصري

نزار غراب- محام كاتب مصري
أول مرة جاء ذكر الإسلام في دستور الدولة المسماة مدنية وحديثة بعد سقوط الخلافة العثمانية وانشقاق مصر -كخوارج على الخلافة- كان في دستور ١٩٥٦. وكان قد سبقت في التاريخ الدستوري خمسة دساتير لم يذكر فيها الإسلام، وهي دساتير ١٨٨٢/ ١٩٢٣/١٩٣٠/ ١٩٥٢/ ١٩٥٤. فقط دستور ١٩٥٦ نصت المادة الثالثة منه على أن الإسلام دين الدولة.

وقد خلا دستور ١٩٥٨ من ذكر الإسلام. أما دستور ١٩٦٤، فجاء لتنص مادته الخامسة على أن الإسلام دين الدولة، تلا ذلك دستور ١٩٧١، الذي جاء لأول مرة ليذكر في مادته الثانية أن مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، قام السادات بتعديله في ٢٦ حزيران/ يونيو ١٩٨٠ بإضافة "ال" لتصبح "الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع".

استبشر خيرا بعض "المصلحين" الذين فقدوا النظرة الواقعية للحكام ووظيفتهم، وكانوا قد أعدوا في البرلمان مشاريع قوانين تتطابق مع الشريعة منذ ١٩٧٨، لكن لم تجد سبيلا لتطبيقها منذ ذلك الوقت..

ثم جاءت المحكمة الدستورية العليا لتقول إن "إلزام المشرع باتخاذ مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع لا ينصرف سوى إلى التشريعات التي تصدر بعد التاريخ الذي فرض فيه الإلزام، أما التشريعات السابقة على ذلك التاريخ، فلا يتأتى إنفاذ حكم الإلزام المشار إليه بالنسبة لها؛ لصدورها فعلا من قبله، أي في وقت لم يكن القيد المتضمن هذا الإلزام قائما واجب الإعمال، ومن ثم فإن هذه التشريعات تكون بمنأى عن أعمال هذا القيد"، وذلك في الحكم الصادر بتاريخ ٤ أيار/ مايو ١٩٨٥ في الدعوى الدستورية العليا رقم ٢٠ لسنة 1 قضائية دستورية، لتبقى ترسانة من القوانين المتعارضة مع القرآن والسنة صرحا قائما بل ودستوريا طالما صدرت قبل النص على المادة الثانية عام ١٩٧١.

وقد مضى على نص المادة الثانية من الدستور تسعة وأربعون عاما، ولم تتخذ الدولة أي إجراء أو تعلن عن خطة أو برنامج زمني لتحويل المادة الثانية إلى قوانين ملزمة مطبقة تمثل حماية وحراسة لأحكام الدين ضد انتهاكها، فلم تستخدم المادة الثانية سوى كغطاء يمنح الطغاة شرعية مزيفة مزورة عن كونهم حماة للإسلام بالكذب.

لقد آن الأوان أن نكشف الخديعة، وأن هذه المادة ما هي إلا مكر، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.

* محامٍ بالنقض وبرلماني سابق- مصر