قضايا وآراء

وعود الإخشيدي

1300x600
أثارت زيارة رئيس الجمهورية التونسية لفرنسا سجالا كبيرا تجاوز دائرتي السياسة والإعلام، ليتحول إلى سجال عمومي يعكس حالة الانقسام العميق الذي تعيشه بلادنا سواء في إدارة الشأن الداخلي أو في ملف العلاقات الخارجية.

وليست هذه هي المرة الأولى التي تتضارب فيها الآراء حول السيد قيس سعيد، هذا الخبير الدستوري غير المتحزب الذي استطاع أن يهزم "ماكينات حزبية" كبيرة، ليس أقلها قوة تلك الآلات الدعائية والتمويلات الضخمة والشبكات العلائقية المرتبطة بالمنظومة القديمة وبحركة النهضة على حد سواء.

ولعل ما يسّر فوز السيد قيس سعيد في الدور الأول هو أن الأحزاب الكبرى لم تأخذ عمليات سبر الآراء مأخذ الجد، أما في الدور الثاني فإن "سياق الضرورة" الذي وضعه أمام منافس "مشبوه" سياسيا واقتصاديا أوصله إلى قصر قرطاج بنسبة تصويت تقارب 73 في المئة من أصوات الناخبين، مما جعله (رغم محدودية صلاحيته الدستورية في النظام البرلماني المعدل) رقما صعبا في المعادلة السياسية التونسية.

قيس سعيد أو "الرئيس المشكل"

لقد عكست نتيجة الانتخابات الرئاسية نوعا من "الإجماع الوطني" على الرئيس قيس سعيد. فأغلب الأحزاب ورموز السرديات الأيديولوجية الكبرى التي تحكمها علاقات التنافي ومنطق الصراع الوجودي، كما هو شأن العلاقة بين الإسلاميين والقوميين واليساريين، ساندوا السيد قيس سعيد في الدور الثاني أو على الأقل امتنعوا عن مساندة خصمه السيد نبيل القروي.

ورغم هذا الدعم العابر للأحزاب والأيديولوجيات، كان الفاعلون الجماعيّون يُدركون أن هذا "الرئيس المشكل" بالمعنيين (بمعنى الغموض، وبمعنى ما قد يرتبط به من مشاكل بحكم مواقفه المعروفة من النظام السياسي ومن الأحزاب المهيمنة على الديمقراطية التمثيلية) لا يدين لهم بشيء سياسيا ولا أخلاقيا. فهو يعي جيدا أنّ دعمهم له في الدور الثاني ليس هبة منهم، وإنما هو خيار براغماتي فرضته الرغبة في تلافي الخسائر المؤكدة في حال التصريح بمعارضته أو دعم خصمه.

بعد وصوله إلى قصر قرطاج، كان من الواضح أن الرئيس القادم من خارج آليات الاشتغال التقليدي للحقل السياسي سيتصادم بالضرورة مع مخرجات الدستور القائم على هيمنة الأحزاب على النظام السياسي، كما كان واضحا أنه سيتصادم مع سياسة التوافق المفضي إلى التطبيع مع المنظومة القديمة ورساميلها المادية والرمزية، تلك الرساميل التي تشتغل بالضرورة ضد أي إعادة توزيع جذري للثروة أو السلطة على أسس أكثر عدلا جهويا وطبقيا.

ولم يُفوّت الرئيس فرصة واحدة لتوظيف "شرعيته الانتخابية" غير المنازَع فيها، ليهاجم الطبقة السياسية ومحصولها منذ الثورة. ورغم أن "الإجماع الوطني" حول الرئيس في الدور الثاني لا يعكس إجماعا على مشروعه السياسي بل إجماعا على رفض مرشح المنظومة القديمة، فإن السيد قيس سعيد لم يتردد في استثمار ذلك الإجماع لإضعاف شرعية خصومه والطعن في مشروعيتهم، المرتبطة أساسا بالأداء، كما لم يتأخر عن التصريح باعتزامه تقديم مشاريع قوانين ستكون لضرب مخرجات"سياسة التوافق" (وهي مخرجات من السهل استهدافها بحكم انزياحها عن انتظارات التونسيين وانحيازها المفضوح للمنظومة القديمة)، أو لضرب مخرجات الدستور نفسه وكيفية تقسيمه للسلطات، مع ما يعنيه ذلك من التشكيك في الديمقراطية التمثيلية ذاتها وفي الدور المركزي للأحزاب فيها.

هل يمكن للفاروق أن ينتصر للمتنبي؟

خلال حملته الانتخابية، كثّف السيد قيس سعيد معاني الإخلاف/ التفويت / الانتكاس/ التضليل/ الخديعة/ الخيانة في العلاقة المشهورة بين المتنبي وكافور الإخشيدي. فكأنما الطبقة السياسية/ الأحزاب بعد الثورة هي الوجه الحديث لكافور، وكأنما الشعب التونسي هو المتنبي في صيغة الجمع أو المتنبي وقد صار أمّة.

وإذا ما حيّدنا سلطة التلقي الشعبي الذي فتنته هذه الصورة، فإن أول مأزق سيواجه الرئيس هو انحيازه لسردية الشاعر/ الهجّاء في مواجهة سردية المؤرخين التي تنتصر للإخشيدي باعتباره أميرا صالحا.

لقد اختار قيس سعيد أن يستثمر المخيال الجماعي وأن يجعله ظهيرا له في بناء صورة مستأنفة للسياسي، لكنه فعل ذلك لا على أساس الانتصار للحقيقة التاريخية الراجحة، بل على أساس الانتصار "للشاعر"، ولروح الشعرية التي ما زالت تسري في خطابه "السياسي" وروحه.

كان الرئيس التونسي يريد أن يُرسّخ تمايزه عن الطبقة السياسية بتوظيف بعض الشخصيات التراثية، ولم يكن الإخشيدي إلا المرحلة السالبة في بناء صورة الرئيس. فهو يمثل كل ما يتعارض مع قيم الرئيس وخياراته، وهو سلف النخبة السياسية المهيمنة وأسوتها في التعاطي مع وعودها الانتخابية.

أما المرحلة الموجبة فكانت تحتاج إلى رمز تاريخي من مرحلة التأسيس، ولم يكن هناك أفضل من شخصية الفاروق عمر بن الخطاب. فهو يمثل كل ما يتبناه الرئيس، أو على الأقل هو صالح لربط الرئيس بما استقر في المخيال الجمعي من " عدل" عمر وزهده، وهو أيضا أكبر حجة تنفي ما يُتهم به الرئيس وبعض أعضاء فريقه من "تشيع" سياسي أو عقدي.

الجملة السياسية والأغراض الشعرية الخفية

عندما ينتصر السياسي للشاعر ضدا على حقائق التاريخ، فإن النتيجة المنطقية لهذا الانتصار ستكون هيمنة الإنشاء والتخييل على الخطاب السياسي.

وسواء أنظرنا إلى ما بين "التطبيع خيانة" و"الاحتلال حماية" من انعدام التناسب في مستوى الخضوع للهيمنة اللاشعورية للخطابات الاستعمارية، أم تدبرنا العلاقة الملتبسة بين "الحياد الخطابي" في الشأن الليبي والتقاطع الموضوعي مع محور الشر وراعيه الفرنسي، أم توجّهنا تلقاء "الشعب يريد" ومهاجمة محصول الإرادة في الانتخابات التشريعية، فإننا سنجد تناقضات داخلية لا يمكن أن يحجبها إلا الإيهام المكثف الساعي إلى "الإشباع النفسي" لا إلى "الإقناع العقلي"، ولا يقدر على نفي التعارض بين أطرافها إلا راسخ في الوهم أو سابح في فٌلك "التقديس المُعلمن" للزعيم الملهَم.

قد يكون الرئيس قيس سعيد هو المثال الأصفى للسياسي الذي تحوّل إلى "شاعر" يقول ما لا يفعل ويفعل عكس ما يقول، ولكنه ليس الشاعر الوحيد في الحقل السياسي التونسي، بل ليس الشاعر الأسوأ. فـ"مظلومية" النهضة ليست إلا "مرثية" كاذبة لشهداء كانت سياسات مونبليزير بعد الثورة أول متنكر لدمائهم وعذابات عائلاتهم؛ باختيارها التطبيع مع المنظومة القديمة، أما "نضال" اليسار بمنطق "التناقض الرئيس والتناقض الثانوي" فليس إلا "هجاء" لا روح فيه، لمنظومة لم تجد أغلب أحزاب اليسار حرجا في التحالف الاستراتيجي معها قبل الثورة وبعدها. وأما التغني بالبورقيبية، فليس إلا "مدحية" زائفة يزايد بها أولئك الذين كانوا أول من تنكر للزعيم بعد انقلاب 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 1987.

بصورة مخاتلة، احتلت أغراض الشعر الجملة السياسية لأغلب النخبة السياسية (على اختلاف أطيافها)، ولم يكن إجماعهم الضمني على الانتصار للمتنبي ولروايته للتاريخ، إلا انتصارا للمجاز والتخييل والإنشاء باعتبارها "آلات صيد" لا غنى للسياسة عنها في بلد لا يمتلك مقومات السيادة، بلدٍ ليس للسياسي فيه (مهما بلغت ادعاءاته الذاتية ومهما ارتفع سقف وعوده الانتخابية) إلا وظيفة إدارة التخلف والتبعية، وإعادة إنتاج شروطهما في مستوى الأبنية الموضوعية والذهنية على حد سواء.

twitter.com/adel_arabi21