مقالات مختارة

المجلس الانتقالي باليمن والهروب إلى الأمام

1300x600

لم يكن أمام المجلس الانتقالي للخروج من مأزقه الحالي، وفشله أمام جماهيره الذين أغدق عليهم بالوعود، وعجز عن تحقيقها، سوى اتباع سياسة «الهروب إلى الأمام»، لعل وعسى يجد له متنفسا مؤقتا، مستغلا الظروف الراهنة من غياب السلطة الشرعية عن عدن، إلى انشغال داعميها الخارجيين بأمورهم الداخلية، بما في ذلك مواجهة وباء «كورونا».

فجأة ودون سابق إنذار، أعلن المجلس حالة الطوارئ، وما أسماه «الإدارة الذاتية للجنوب»، في انقلاب على التزاماته التي أعلنها رئيسه عيدروس الزبيدي، الذي أكد في 22 ديسمبر الماضي، أنه لا مصلحة لهم في السيطرة على الموارد المالية للدولة، والتي تذهب للبنك المركزي، وتصرف منها الحكومة رواتب الموظفين، ولا في الخروج عن «اتفاق الرياض» الذي وقّعوا عليه، ومنحهم حق المشاركة في الحكومة المفترض تشكيلها.

البعض رأى في إعلان «الإدارة الذاتية» اعترافا بالفشل في فرض «الحكم الذاتي»، الذي تحدث عنه المجلس كخيار نهائي، بعدما حاول من قبل عبر القوة ولم يستطع، لكن هناك من يعتقد أن هذه الخطوة ، بإيعاز من الداعم الخارجي الذي يريد التخفف من التزاماته المالية، وترك وكيله المحلي يدبّر أموره من موارد الدولة في المحافظات الواقعة تحت سيطرته، وأهمها عدن.

المبررات التي ساقها المجلس لإعلان هذه الخطوة تدينه أكثر مما تجد تفهما لها، ذلك أن اتهامه للحكومة بعدم صرف الرواتب يناقض شهادته لها بعكس هذا الأمر قبل أربعة أشهر، كما أن اتهامه لها بتبديد موارد الجنوب عبر الفساد يناقض اعترافه على لسان رئيسه بأنها محدودة وبعضها معطلة، حتى إن إيرادات عدن لا تكفي لشراء وقود محطات الكهرباء.

يسود اعتقاد في الأوساط السياسية أن الداعم يريد خلط الأوراق على منافسه في النفوذ، وتمكين حلفائه من المشاركة بالحكومة قبل تنفيذ التزاماتهم العسكرية والأمنية وفق «اتفاق الرياض»، كي يتنصلوا منها لاحقا، وقد ضمنوا التأثير في القرار السياسي، وربما المشاركة في أية مشاورات سياسية مقبلة برعاية الأمم المتحدة. لكن من السابق لأوانه التكهن بإمكانية تحقيق هذه الأهداف، لعدة أسباب: أولا أن ردود الفعل في المحافظات الجنوبية كانت رافضة لخيار «الانتقالي»، وأظهرته معزولا شعبيا وجغرافيا في الجنوب، وبالتالي فقد إمكانية تسويق نفسه خارجيا كممثل وحيد للجنوبيين، وثانيا أن الحكومة الشرعية اعتبرت أن ما قام به «انقلاب صريح»، وحذّرت من أنه إن لم يتراجع فسيتحمل هو وداعموه مسؤولية فشل «اتفاق الرياض» وعملية السلام برمتها.

وعلى المستوى الخارجي، فقد كان هناك رفض واسع من الأمم المتحدة ومبعوثها إلى الاتحاد الأوروبي إلى بريطانيا التي تتولى ملف اليمن بمجلس الأمن، مرورا بالأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، وجميع هؤلاء قطعوا الطريق على المجلس للمضي قدما في خياره، وأوضحوا أنه لا مستقبل له سياسيا في حال عدم تراجعه.

في الواقع لا يحمل الإعلان الأخير جديدا من حيث السيطرة على عدن، كونها تحت سيطرة «الانتقالي» منذ أغسطس الماضي، ومع ذلك لم يستطع القيام بما يكسبه ثقة المواطنين، وعلى العكس أثارت الأزمات التي عصفت بهم النقمة عليه، وأخرجتهم للشوارع للتظاهر ضده، ولكن الجديد هو وضع يده على موارد الدولة، وهنا قد يؤثر على الحكومة أكثر من سيطرته العسكرية.

(العرب القطرية)