كتاب عربي 21

الإسلام السياسي في عالم التغيرات

1300x600

أثار مصطلح "الإسلام السياسي" في السياق السابق لثورات الربيع العربي كثيرا من الحبر، واقتصرت المقاربات السياسية الخاصة به على الأطروحات السياسية للأحزاب والجماعات السياسية المعارضة التي لم تمارس السلطة السياسة فعليا إلا باستثناءات نادرة يجمعها سياق إقليمي خاص. 

لكن المرحلة التي تلت سقوط أنظمة استبدادية عربية خلال ثورات الربيع مثلت إطارا جديدا يسمح بقراءات تجارب الإسلام السياسي في سياق غير السياق القديم. بل يمكن القول إن العشرية الحالية قد أنتجت شروطا نوعية في الممارسة السياسية لما يسمى بالإسلام السياسي كإطار مرجعي لممارسة السلطة أو للتأثير فيها وتوجيهها. 

1 ـ في مفهوم الإسلام السياسي 

لا يحظى المصطلح نفسه بإجماع المختصين خاصة في المنطقة العربية، حيث يرى فيه كثيرون تسمية أجنبية تهدف إلى وضع مجموعة من الممارسات والمفاهيم والتصورات والتجارب المتباينة في سلة واحدة بشكل يُعمي عن خصائصها الفارقة ومميزاتها الذاتية، ويلغي السياق الذي نشأت فيه وتطورت عبره. 

 

اقرأ أيضا: "فقه المشاركة السياسية": الحكم والوقائع

الإسلام السياسي إذن ليس كلا واحدا بل هو مجموعة من الرؤى والتمثلات والنظريات التي يجمعها رابط واحد وهو مرجعيتها الإسلامية لكن شروط الارتباط والتمثيل والتعبير عن هذه المرجعية هو الذي يختلف من مجموعة إلى أخرى وهو الذي يميزها عن غيرها من الحركات. 

يُختصر الإسلام السياسي تعريفا في اعتباره نظاما سياسيا للحكم ولممارسة السلطة وأن "الإسلام ليس مجرد دين وعقيدة بل هو أيضا نظام سياسي واجتماعي واقتصادي وقانوني ومالي يسمح ببناء الدولة والمؤسسات". الإسلام إذن حسب هذه الجماعات وهذا التصور هو دين ودولة معا.

2 ـ الجماعات الإسلامية والتمثيل الإسلامي

ترتبط تجارب الإسلام السياسي في المعارضة أو في السلطة بجماعات سياسية وفكرية تشكل طيفا واسعا يمتد من حركة طالبان الأفغانية وصولا إلى حركة الإخوان المسلمين مرورا بحركة "حماس" فلسطين أو الحركات السلفية على اختلافها أو حزب التحرير أو غيرها من الكيانات الفكرية والسياسية. تختلف هذه الحركات جغرافيا فمنها المحلي ومنها الإقليمي ومنها الدولي وذلك حسب طبيعة الحركة وحسب المرجعية الفكرية التي تتبنها. 

 

اقرأ أيضا: المغرب.. إسلاميون في الحكومة وليس في الحكم

لكن من جهة أخرى فإن اعتبار المرجعية الإسلامية في العمل السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي لا يقتصر فقط في تمثيليته على هذه الجماعات بل يمتد أيضا إلى كيانات سياسية قائمة وإلى أنظمة تمارس السلطة السياسية في دول بعينها مثل تركيا أو السعودية او إيران. فهذه الدول تعتبر بنسب مختلفة كيانات سياسية ذات مرجعية إسلامية. فتركيا يحكمها حزب العدالة والتنمية ذو الخلفية الإسلامية المحافظة وإيران لا تخفي نظام ولاية الفقيه الذي يسطر السياسات العامة للدولة أما السعودية فإنها قائمة منذ نشأتها على التحالف الوثيق بين الدعوة الوهابية من جهة وبين النظام السياسي القبلي لآل سعود. 

3 ـ المآلات الجديدة للإسلام السياسي

مثلت الثورات الشعبية التي عرفتها المنطقة العربية منذ الانفجار التونسي في مطلع سنة 2011 نقلة نوعية في الآداء الحزبي لحركات الإسلام السياسي وكذلك في فكرها السياسي. لقد أتاح السياق الجديد للحركات الإسلامية إطارا مختلفا تماما عن الأطر السابقة التي تميزت بقبضة النظام الاستبدادي العربي على الحركات المعارضة وخاصة منها الإسلامية. هذا السياق الجديد الذي تحركت ضمن أطره مجموعات الإسلام السياسي هو الذي كشف عن خصائص حادثة في أدائها السياسي خاصة في مصر وليبيا وتونس، حيث منح سقوط النظام لهذه الكيانات فرصة تاريخية للممارسة السياسية.

لكن من جهة أخرى برزت للعلن وبشكل غير متوقع مجموعات سياسية أخرى ذات خلفية دينية شكلت فاعلا مركزيا في التجربة السياسية العربية بعد الثورات. لقد نشطت في مصر وتونس وليبيا بعد سقوط النظام مجموعات سلفية أصولية ساهمت بشكل كبير في إرباك المشهد الانتقالي بل وفي إسقاط التجربة الانتخابية مثلما فعل حزب النور في مصر أو مجموعات المداخلة في ليبيا أو التنظيمات السلفية الجهادية في تونس. 

لقد حاربت هذه الجماعات بشكل أساسي تنظيمات تعتبر هي الأخرى إسلامية، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، ووصل بها الأمر إلى تكفيرها وتكفير الثورات نفسها باعتبارها فتنة، كما حرمت الخروج على الحاكم مستندة في ذلك إلى أدبيات "إسلامية" أصولية خاصة بالنسبة للمداخلة. 

إن بروز التيارات السياسية المرتبطة بالإسلام السياسي في الواقع الناشئ الذي خلقته الثورات الشعبية مثل نقلة نوعية في تصور هذه الجماعات وفي أدائها وفي فهم طريقة اشتغالها وتبين الخلفيات السياسية التي تغذيها خاصة بسبب ارتباطها الوثيق بالنظام الرسمي العربي ممثلا بالسلطة السياسية الحاكمة في كثير من البلدان العربية.

 

اقرأ أيضا: عن تجربة جماعة الإخوان في الأردن بين الحكم والمعارضة

لم تطرح على جماعات الإسلام السياسي تحديات تاريخية مثل تلك التي تطرح عليها اليوم، حيث يختبر مسار الثورات العربية قدرة التنظيمات الإسلامية على الخروج من المأزق الكبير الذي وقعت فيه. هذا الاختبار العصيب دفع الحركات الإسلامية إلى مراجعة كثير من القناعات والمسلمات التي كانت تتبناها والتي أثبتت التجربة خللها أو عدم قابليتها للتطبيق. 

لكن أكبر التحديات التي تواجهها إنما تتمثل في القدرة على المحافظة على ثوابتها من ناحية أولى والتأقلم مع السياقات الجديدة ومستحقاتها من جهة أخرى، خاصة بعد أن خسرت الجماعات المحسوبة على هذا التيار الكثير من التعاطف الشعبي سواء بسبب عجزها عن إدارة استحقاقات ما بعد الثورات أو بسبب اختراقها وتوجيهها من قبل أنظمة بعينها لضرب جماعات أخرى تنتمي إلى نفس التيار. 

 

اقرأ أيضا: الإسلام السياسي في تونس.. كثير من الدين قليل من السياسة