كتاب عربي 21

ليبيا.. التكوينات السياسية الجديدة.. ما المطلوب؟

1300x600

سماها البعض الجيل الثاني من الحراك السياسي الحزبي في ليبيا بعد ثورة فبراير، وبغض النظر عما تشتمل عليه التكتلات السياسية الوليدة فإنها تمثل تطورا ولو خجولا في المسار السياسي التنظيمي، ذلك أن الواجهات السياسية الجديدة تخففت من التشكل على أساس أيديولوجي واتجهت خطوة صوب المشاريع والبرامج الجامعة.


زخم ومحددات

تخففت التكوينات السياسية الوليدة من الجرعة الأيديولوجية لكن قد لا تكون متحررة من التأطير التكويني الخاص، إذ أن التكتلات الجديدة ضمت من يتقاربون في التوجه الفكري العام والخط السياسي الرئيسي، فليس من المتصور أن يجتمع المختلفون فكريا وسياسيا ـ وفق الاستقطاب الحالي في البلاد ـ ضمن إطار تنظيمي واحد.

رصدنا 7 تكوينات سياسية تأسست خلال العام 2018م إحداها في الشرق وأخرى في الجنوب وأربعة في الغرب وواحدة في الخارج، واقترن زخم تشكيل التكتلات السياسية الجديدة بثلاثة محددات أساسية هي:

1 ـ إخفاق تجربة الأحزاب التي تأسست العام 2012م فقد حملها الرأي العام وزر مرحلة التعثر ثم الانقسام.

2 ـ النتائج الخطيرة التي اقترنت ببروز القبلية والجهوية والمناطقية سياسيا وأمنيا واجتماعيا، حيث ساهمت الظاهرة في تقطيع أوصال المجتمع وصارت وقودا لحرب ضروس.

3 ـ الجمود السياسي واستمرار الانقسام والخوف من التقسيم وتفتيت الدولة بسبب فشل السلطات النافذة التشريعية والتنفيذية في مجابهة التحديات الراهنة.

معظم أو ربما كل التكوينات السياسية الجديدة يجمعها مشترك هو الرغبة في استمرار مسيرة الديمقراطية والتعددية السياسية، وتطالب بنظام مدني يتنافس تحت مظلته الجميع بلا استثناء، ومن الطبيعي أن تتلبس هذه التكوينات الجديدة ببعض ما تلبست به سابقاتها، فالملاحظ أنها تجنح إلى الاصطفاف التقليدي من تيار محسوب على الليبرالية وآخر يتحفظ عليها وينادي بالتدين الوسطي.

أيضا يجمع ويفرق التكوينات السياسية الجديدة الموقف من المؤسسة العسكرية خاصة موقع قائد الجيش التابع للبرلمان خليفة حفتر، فمن تكتل يدعمه ليكون رأس هرم القوات المسلحة، وأخرى يعتبروه مؤسسيها مسؤولا مسؤولية مباشرة على أزمة البلاد ما بعد 2014م ويرفضون أن يكون فاعلا سياسيا أو حتى عسكريا.

قصور واستدراك مطلوب

بمراجعة البيانات التأسيسية لتلك التكوينات تجد أن هناك خطابا متكررا فيما يتعلق برؤية المستقبل وكيفية معالجة تحديات الحاضر، ويغلب الطرح التقليدي على الأفكار التي تضمنها "مانفستو" تلك التشكيلات السياسية، وقد تجد لها العذر في بعض ما تبنته باعتبار أن طبيعة الأزمة الليبية تتطلب في جوانب عدة منها رؤى لا يختلف عليها اثنين.

ما اعتبره مسألة حيوية هي أن تتجرد تلك التشكيلات السياسية الجديدة وهو تقارب خطة الخروج من الوضع المأزوم، وأن ترتفع عن الخلافات وأن تركز على:

أ ـ توفير ضمانات النجاح النسبي للجيل الثاني من الممارسة الحزبية إذ أن إخفاقها سيكون مقوضا للتجربة الديمقراطية المتعثرة في ليبيا.

ب ـ تشكيل قوة ضاغطة لكسر الجمود السياسي وإنهاء الانقسام والخطو بثبات باتجاه الاستقرار السياسي.

التكوينات السياسية والكتلة الحرجة

كم أتمنى أن تبادر التشكيلات السياسية الجديدة إلى الالتئام في شكل تنسيقية واسعة لتكون أبرز وسائل الدفع الحثيث باتجاه تخطي المرحلة الراهنة والانتقال إلى ما بعد التحول المؤقت وصوب النموذج الديمقراطي التعددي المؤسساتي المستقر.

من غير المقبول أن يغيب عن تلك التشكيلات حجم المخاطر التي تحيق بالبلاد، وتقدير تلك المخاطر كفيل بأن يدفع باتجاه التقارب والتنسيق فيما بينها طلبا للاستقرار وسعيا لتخطي أزمة اليوم.

أنا أؤمن بأن من أهم سبل معالجة الوضع الليبي المأزوم والدفع بعربة السياسة المعطلة إلى الامام هو تشكل كتلة "حرجة" تضم مكونات واسعة ومتنوعة تعمل على فرض ما تستنكف الأطراف السياسية المتنازعة عن الرضوخ له ويتعامل معها المجتمع الدولي على أنها وسيلة التحريك وضمانة الوصول للتسوية، ويمكن أن تكون التشكيلات السياسية الجديدة هي نواة ونقطة ارتكاز الكتلة الحرجة إذا نجت في خطوة التقارب والتنسيق فيما بينها.

 

اقرأ أيضا: أبجديات فهم المشهد الليبي