قضايا وآراء

محجوب عبد الدايم ومحفوظ عجب.. في مواجهة سعد حلاوة وسليمان خاطر!

1300x600
يعد منع عرض مسرحية " سليمان خاطر" في 28 شباط/ فبراير المنصرم، في نادي الصيد المصري، تحت ذريعة إهانة وهدم مكانة الجيش، انعكاساً طبيعياً لحالة القمع والتعتيم ضمن حلقة تأميم الفضاء السياسي بشكل عام، فضلاً عن الانحطاط الأخلاقي، قبل السياسي، لمجتمع سقط في الحضيض بفعل فاعل (والفاعل هنا هو السلطة الحاكمة) وعن عمد. فتحول الانحطاط في السنوات الخمس الأخيرة منذ 30 حزيران/ يونيو 2013، من ظاهرة تتجمل على استحياء إلى واقع حال ومنهج حياة أشبه بقانون غير مكتوب بين السلطة ورعاياها.

وبما أننا إزاء مجتمع فاسد من الرأس حتى القدمين منذ زمن بعيد، فقد لعب الفن دوراً في فضح ممارسات المجتمع، لا سيما عندما نكتشف أننا نقع أسرى شخصيتين متجذرتين داخل بنية المجتمع، الأولى في أحداث فيلم "القاهرة 30" للروائي الكبير نجيب محفوظ (والذي أنتج عام 1966)، ويرصد أحوال مصر في ثلاثينيات القرن الماضي إبان الحقبة الملكية، حيث يعيش بطل الفيلم الشاب محجوب عبد الدايم (حمدي أحمد) الوافد من الصعيد حياة فقيرة في القاهرة، ويتعرف على ابن قريته (سالم الإخشيدي) الذي يطلب منه أن يساعده على الحصول على وظيفة، فيعرض عليه وظيفة مقابل أن يتزوج من إحسان (سعاد حسني)، عشيقة قاسم بك (أحمد مظهر)، على أن يزورها قاسم بك مرة كل أسبوع. وقد دفع البطل الثمن من شرفه وعِرضه عندما قبل أن يتحول لديوث مقابل الصعود في السلم الوظيفي.

أما الشخصية الأخرى فتتجسد في الصحفي الانتهازي الوصولي "محفوظ عجب" (بطل رواية "دموع صاحبة الجلالة" للكاتب الكبير "موسى صبري"، والتي أنتجت كمسلسل تلفزيوني عام 1993.. ذلك النموذج الصارخ للصحفي (فاروق الفيشاوي) المتسلق على أشلاء زملائه من أجل مصلحته الشخصية، والتي من أجلها يدوس على كل من يقف في طريق هدفه، انطلاقاً من مبدأ الميكافيللية (الغاية تبرر الوسيلة). فقد باع "عجب" أهله المعدمين، وضحّى بشقيقته المكافحة من أجل لقمة العيش، ثم رئيسه في العمل الذي اكتشفه (رئيس التحرير)، قبل أن يتسبب في سجن الفتاة الأرستقراطية التي أحبته (زميلته الصحفية ميرفت أمين)، وذلك من أجل الحصول على مكاسب شخصية ضخمة تمثلت في الشهرة والمال من خلال الاقتراب أكثر فأكثر من دوائر صنع القرار في السلطة.

ويبدو أن النظام الحاكم بعد "30 يونيه" يدفع باتجاه تكريس هذين النموذجين (عبد الدايم وعجب)، في مقابل تواري نموذجين آخرين بما يمثلانه من قيمة أخلاقية تأبى الانبطاح وترفض الذلة أمام العدو.. النموذج الأول يتمثل في قصة " سعد حلاوة " الذي عبر عن استيائه وحنقه من وجود أول سفير إسرائيلي في مصر، فكان أول شهداء رفض التطبيع مع العدو في قريته " أجهور" بالقليوبية. ففي يوم الثلاثاء 26 فبراير 1980، وهو اليوم المحدد لاستقبال السادات للسفير الإسرائيلي "إلياهو بن أليسار" لتقديم أوراق اعتماده كأول سفير إسرائيلي في مصر بعد معاهدة كامب ديفيد، قرر "حلاوة" التعبير عن رفضه لخطوة السادات باستقبال السفير الصهيوني، وقام باحتجاز اثنين من موظفي الوحدة المحلية بقريته للمطالبة بطرد السفير الإسرائيلي وقد قام أحد القناصة بقتله، ثم وصفوه بالجنون للتغطية على الفضيحة وطمس القضية.

أما النموذج الآخر فهو سليمان خاطر(1961 - 7 كانون الأول/ يناير 1986) أحد عناصر قوات الأمن المركزي المصري وكان يؤدي مدة تجنيده على الحدود المصرية مع العدو الصهيوني، عندما أصاب وقتل سبعة إسرائيليين تسللوا إلى نقطة حراسته، بعد تحذيرهم أكثر من مرة باللغتين العربية والإنجليزية، في الخامس من تشرين الأول/ أكتوبر عام 1985م، ثم تعرض لمحاكمة عسكرية وحكم عليه بالأشغال المؤبدة. وفي 7 كانون الثاني/ يناير عام 1986، تم العثور عليه مشنوقاً في زنزانته في ظروف غامضة وبشكل طرح الكثير من التساؤلات والشكوك حتى الآن، لتخرج علينا الرواية الرسمية للنظام المصري بأنه انتحر.

لا شك أن العقلية الحاكمة في مصر الآن تنتصر لنموذجي (عبد الدايم وعجب) على حساب (حلاوة وخاطر)، في تكريس متعمد لروح الانهزامية والترسيخ للاستسلام والدونية في أي مسار للتسوية مع العدو حالياً أو لاحقاً، عن طريق تطويق العقل الجمعي بجملة من الأفكار الخبيثة والأكاذيب بغرض تشويه وتغيير المفاهيم والثوابت الدينية والوطنية، ذلك أن النموذجين الأخيرين "حلاوة وخاطر" هو التعبير الحقيقي لوعي وعقل أمة لا يُراد لها أن تقاوم المستبد أو ترفع رأسها في وجه العدو. وما بين النموذجين المتضادين يعيش المصريون في طاحونة الحياة على شكل تدافع مستمر سينتهي حتما لصالح النموذج الأخير، بيد أنه لا بد من دفع الثمن كاملاً كي نصل للنهاية السعيدة.