كتاب عربي 21

من سيسرقنا.. إيران أم إسرائيل؟

1300x600
لا أملك إحصائيات، لكنني أعتقد أن معظم المسلمين السنة في العالم في الحقبة  الراهنة ولا سيما العرب منهم غير مسيسين إيديولوجيا، بل يعتمدون مبادئ عامة مبسّطة نظرية وغير تطبيقية عندما يفكرون في الشأن العام، فهم ما زالوا يعتبرون إسرائيل دولة احتلال ولا يثقون بالولايات المتحدة، كما يتهمون إيران بإذكاء الفتنة المذهبية خدمة لمشروعها التوسعي. ومعظم هؤلاء المسلمين السنة يرفضون بصَمت حركات العنف والتشدد وبصمت أكبر أنظمة الاستبداد، ولا ينتمون إلى حركات إسلامية سياسية ولا إلى أحزاب علمانية، ويميلون إلى حياة سلمية دون حروب، مع تطلعهم وانشغالهم بتوفير ما أمكن من ظروف العيش الكريم. أما من أيّد منهم مشروع الربيع العربي فعاد وانسحب منه باكرا بعد فشله وتحوله إلى خريف دموي. 

هذه التركيبة لشخصية المسلم المعاصر تمثل المملكة العربية السعودية لها المرجع الأقرب والموئل الأقدر. لكن التغيرات المتسارعة في المملكة التي تزيد من نفوذ التيار "المُستغرِب" فيها بشكل مضطرد، تهدّد هذه الصورة للملكة كمَحجة سياسية للمسلمين المسالمين؛ فمعاداة إسرائيل، ولو نظريا، علامة لاغية لا ينجح أي نظام عربي يرسب فيها على المستوى الشعبي. هذه معادلة حقيقية حتى الآن وليست شعرا، فحتى النظام المصري بنسختيه الأخيرتين مع الرئيسين حسني مبارك وعبد الفتاح السيسي، بقي إعلامه يقاوم التطبيع ويعتبره خيانة، ويصور القاهرة وكأنها العاصمة التي توقف إسرائيل عند حدودها، برغم العلاقات السوبر استراتيجية بين القاهرة وتل أبيب.

يخطئ البعض الآن في تقدير مستوى تقبل الشارع العربي فكرة التطبيع مع إسرائيل استنادا لعدائه لإيران، فكيف إذا كان المطبّع الجديد المملكة التي تضم مكة المكرمة والمدينة المنورة ومقام الرسول عليه الصلاة والسلام.

وتتعاظم الخطيئة السياسية بحق المملكة، مع تطوّع نفر من شخصيات عسكرية وإعلامية سعودية نافذة بخطاب إعلامي يبلغ مديات صادمة من التطبيع المبكّر مع إسرائيل، لم تبلغها نُخب السلطات في القاهرة وعمّان ورام الله المرتبطة رسميا باتفاقيات سلام مع إسرائيل، حتّمتها في حينه بحسب التعليل الرسمي للتفرد بالتوقيع، وجود هذه الدول في محور الطوق لإسرائيل، وهذا ما لا ينطبق على السعودية، إذا أهملنا الرواية الجغرافية التي تقول بأن انتقال ملكية جزيرتي تيران وصنافير إلى المملكة، سيجعلها جارة لإسرائيل.

إيران لم تكن يوما بريئة من أحلامها التوسعية في العالم العربي ولن تكون، وإسرائيل بحسب بروتوكولاتها لم تتأسّس لتنحصر ضمن فلسطين، فهي قائمة على نظرية تلمودية مكتوبة تجعل مضمار أحلامها الاحتلالية المختلفة الصِيغ، من الاحتلال العسكري إلى الأمني والمالي والإعلامي، تشمل المساحة الممتدة من الفرات إلى النيل.

لكن الفارق بين إيران وإسرائيل هو أن الأولى منبوذة في المجتمع الدولي ولن يسمح لها الأقوياء، بمن فيهم روسيا، تجاوز رقعة "الكومنولث الشيعي". أما الثانية أي إسرائيل فهي مطلقة اليد ومرتبطة باتفاقيات وجودية مع أقوياء العالم، أيضا بمن فيهم روسيا، وسُخرت وتُسخَر لها كل أسباب الدعم السياسي والعسكري والمالي والإعلامي، وهي بنت على هذا الدعم لتطور منظوماتها الهجومية بمستويات هائلة قد يكون تشخيصها غائبا حتى عن الدول الراعية لها، بحسب ما يذكر بعض المحللين العسكريين والاستراتيجيين.

بعيدا عن الإيديولوجيا والثقافة والشعارات القومية التي لم تسترجع قرية فلسطينية واحدة حتى الآن بالمعنى التحريري الحقيقي، فإن البراغماتية العقلانية تدعو الدول العربية ولا سيما الغنية منها، أن تحذر إيران مرّة وأن تحذر إسرائيل "النووية" سبع مرات، فإيران بالمفهوم الدولي دولة مارِقة وإسرائيل بالمفهوم الطبيعي دولة سارِقة بالولادة، وهي تستعد لعمليات اختلاس جديدة كل ظروفها نضجت، ودليلها هذه المرة ليس وعد بلفور، بل غباء عربي غير محدود. 

قد تطمئن بعض بطانات الحكام مراجعها بأن الشعوب العربية المتوفرة حاليا لا قيمة لصوتها ولا لمزاجها وسهلٌ قمعها، وهذا في الغالب صحيح. لكن من قال إن الشعوب المقموعة صعبٌ احتلالها.. مِن الخارج؟