قضايا وآراء

الفن والشعر: عزف على أوتار الألم في غزة

هاني بشر
الرسم بالكلمات في هذه الظروف لا يقل عن صورة الكاميرا- الأناضول
الرسم بالكلمات في هذه الظروف لا يقل عن صورة الكاميرا- الأناضول
يمتلك الشعر والفن قدرة عجيبة على التسلل بين أزيز الرصاص وأتون المعارك خاصة المعارك المصيرية الكبرى، ومنها عملية طوفان الأقصى الدائرة حاليا. فوجدان البشر عبر التاريخ ينوء بحمل أهوال الحروب ومآسيها من دون أن يعبر عما يجيش في صدره من صور جمالية رائعة. لقد ظلت قصيدة تلاميذ غزة للشاعر السوري الراحل نزار قباني عنوانا يزين محيا أطفال غزة لعقود طويلة، وقد عاشت بيننا هذه القصيدة لأن حجم التدفق الإخباري اللحظي حينئذ لم يكن كما هو عليه الحال الآن، فكنا نسمع ونشاهد الأخبار حينا ونعبر عنها وتداول معانيها شعرا وفنا وغناء أحيانا أخرى.

لم تنضب قريحة الشعراء والفنانين مع كل عدوان إسرائيل غاشم على أهلنا في غزة، لكن مدة المعارك خلال السنوات الماضية لم تكن لتسمح بأن يزاحم الخبرَ اليومي فيها أيُّ شيء آخر غير متابعة الحدث نفسه وتفاصيله. أما طول الحرب الحالية ومآسيها ففرض نوعا من الشوق لطرق أخرى للتعبير عما يجري، فعندما يتوقف العقل عن الاستيعاب يتحرك الوجدان للفهم والتعبير. وهذا يفسر الإنشاد والمديح الجماعي للأطباء في غزة أو بعض جلسات السمر والإنشاد الجماعي للنازحين مساء على أضواء الهواتف النقالة في غزة.

عزاؤنا أن الشعراء لم ينسوا القضية، ولو كان الأمر بيدي لنشرت بين كل خبر وخبر عن غزة قصيدة شعرية تتحدث عن الواقع وتصفه. فالرسم بالكلمات في هذه الظروف لا يقل عن صورة الكاميرا والشعر أحيانا أصدق إنباء من الخبر
إن خير مثال على هذا الأمر هو إحياء أغنية تحيا فلسطين لفرقة الكوفية السويدية، وهي أغنية قديمة يربو عمرها على أربعين سنة، وقد وضعتها مآسي الحرب العالية كعنوان متجاوز للثقافات واللغات للتعبير لتمثيل حالة التضامن العالمية التي تزداد رقعتها اتساعا. فحين وصلت حناجر الهاتفين في المظاهرات المؤيدة لغزة إلى مستوى يحتاجون فيه إلى ما هو أبعد وأعمق من الهتاف؛ كان الملاذ مع هذه الأغنية ذات اللحن الشجي. واللافت أن معظم من يسمعونها ويطربون لها ويغنونها تضامنا مع غزة لا يعرفون معاني كلماتها لأنها باللغة السويدية.

الأمر نفسه ينطبق على رواية الشوك والقرنفل التي كتبها القائد يحيى السنوار في السجن، والتي بقيت متوارية في الظل رغم الحضور الطاغي للرجل خلال السنوات الماضية؛ حتى أتت عملية طوفان الأقصى لتبث فيها الحياة وتحولها إلى أيقونة أدبية يقصدها الجمهور المتطلع إلى اكتشاف تضاريس خيال هذا الرجل الذي أذاق إسرائيل هذا المرّ لأول مرة في تاريخها.
عزاؤنا أن الشعراء لم ينسوا القضية، ولو كان الأمر بيدي لنشرت بين كل خبر وخبر عن غزة قصيدة شعرية تتحدث عن الواقع وتصفه. فالرسم بالكلمات في هذه الظروف لا يقل عن صورة الكاميرا والشعر أحيانا أصدق إنباء من الخبر

وهنا يبرز دور جديد للرواية الأدبية الفلسطينية في شكل ومضمون جديد، وفيها يتوحد فيها دور الأديب مع دور المناضل والمقاوم. فمنذ غسان كنفاني لم تحدث عملية التوحد هذه، ولم يمتلئ النص بتجربة الكاتب وتكسيه الشخصية حضورا وعمقا. ولو أن السنوار ليس أديبا محترفا، غير أنه حفر بالكلمات في سجنه نفقا وسردابا يشبه أنفاق غزة؛ أدخل القارئ بعمق على العمق النفسي والتاريخي للغزاويين، وهي تؤرخ بحق للتاريخ الإنساني الذي أفرز لنا حدث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر.

من بني سويف في مصر إلى العاصمة الأردنية عمان ومنها إلى الكويت والجزائر؛ حدث استنفار شعري للتضامن مع غزة من مسابقات وأمسيات شعرية، تتوارى تفاصيله في ثنايا الأخبار ويغرز بعمق في التربية العربية والإسلامية نبتها جديدا يجدد الهوية والكرامة العربية والإسلامية.

لقد غاب نزار قباني وفدوى طوقان وغيرهما من مشاهير الشعراء العرب، وغابت القصيدة التي تجوب الأراضي العربية من المحيط إلى الخليج كتعبير عن حالة الألم العام الذي تضيق به صدور العرب كبارا وصغارا. وعزاؤنا أن الشعراء لم ينسوا القضية، ولو كان الأمر بيدي لنشرت بين كل خبر وخبر عن غزة قصيدة شعرية تتحدث عن الواقع وتصفه. فالرسم بالكلمات في هذه الظروف لا يقل عن صورة الكاميرا والشعر أحيانا أصدق إنباء من الخبر.

twitter.com/HanyBeshr
التعليقات (0)