كتاب عربي 21

الأزهر.. "كبير العائلة المصرية"!

1300x600
لم يأت الاحتفاء الواسع بصور تلاميذ المعاهد الأزهرية بزيهم الأزهري، في اليوم الأول من العام الدراسي، عبر منصات التواصل الاجتماعي، من فراغ!

لقد سبق هذا تدافع كثيرين لنقل أبنائهم من التعليم العام إلى المعاهد الأزهرية، بشكل غير مسبوق هذا العام، وعلى النحو الذي دفع مشيخة الأزهر إلى طلب مدرسين جدد، ليسوا متطوعين كما هو الحاصل في وزارة التعليم، وإنما للتعيين وفق الإجراءات المتبعة، وذلك لمواجهة هذا "النزوح" إلى الأزهر الشريف، وكأننا أمام ردة للأصل وعودة للجذور. فالناس في بلدي كان يتدافعون في السابق على المدارس الأجنبية، ولكنهم يبدأون الآن في رحلة العودة!
سبق هذا تدافع كثيرين لنقل أبنائهم من التعليم العام إلى المعاهد الأزهرية، بشكل غير مسبوق هذا العام، وعلى النحو الذي دفع مشيخة الأزهر إلى طلب مدرسين جدد، ليسوا متطوعين كما هو الحاصل في وزارة التعليم، وإنما للتعيين وفق الإجراءات المتبعة، وذلك لمواجهة هذا "النزوح" إلى الأزهر

وفي هذا الصدد أذكر كيف تم افتتاح معهد جهينة الأزهري في سبعينات القرن الماضي، والذي بدأ كفكرة تبناها أعيان البلد، لأنه عز عليهم أن يزور الشيخ عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر، المدن التي توجد فيها معاهد أزهرية، وأن ينزل على طهطا (المدينة المجاورة)، ولا يزور جهينة لعدم وجود معهد أزهري فيها. وكان عهده رحمه قد شهد توسعاً في بناء المعاهد الأزهرية، وإن كان هذا الانتشار الكمي على حساب الكيف، فقد جاء الوقت بعد كل هذه السنوات لتكون الأمور في نصابها، بهذا الاندفاع الواسع نحو التعليم الأزهري!

عندما سأل أعيان "جهينة": ولماذا لا يزورنا الشيخ عبد الحليم محمود؟ كان الجواب: لعدم وجود معهد أزهري. وفي هذه اللحظة قرروا أن يكون هناك معهد أزهري، فالمبنى موجود، وهو لمدرسة متصدعة، والأمر لا يلزم سوى التبرع بها للمعهد الديني، وهو يقابل المدارس الإعدادية في التعليم العام. وبقيت مشكلة التلاميذ، فمن سيترك التعليم العام ليرتدي "الجبة والقفطان"؟ فكان التشجيع بفتح المجال أمام الراسبين في الشهادة الابتدائية، للالتحاق بالإعدادية الأزهرية. وكان الأزهر لا يزال يعتمد نظاماً تعليمياً كان معمولاً به في التعليم العام، وهو قبول من بلغوا خمسة عشر عاماً وفاتهم قطار التعليم، للالتحاق مباشرة بالمرحلة الإعدادية بعد دخوله امتحانا صوريا؛ هو في الحقيقة يختبر إجادة القراءة والكتابة، وإن كان بعضهم حفظ القرآن الكريم في الكتاب!

دور الشيخ أبو حسوب:

فمثلت سياسة الباب المفتوح رافداً للمعهد الجديد، والذي سهل المهمة هو اختيار المسؤولين لشيخ شاب ليكون شيخاً له في مرحلة التأسيس، وجيه في قومه، ورزقه الله بسطة في الجسم وحضوراً عاماً، ثم إنه يلتزم بارتداء الزي الأزهري، وإن كان غيره في ترتيب الأقدمية من هم أولى، لكنهم كانوا يفتقدون لهذا الحضور وهذه الوجاهة الاجتماعية التي يتمتع بها الشيخ إبراهيم أبو حسوب.
الوضع تغير الآن، فلم يعد الأزهر يقبل المتسربين من التعليم، ففشل منظومة التعليم في العهد الحالي، وهذا التخبط في سياسات وزير التعليم، دفع كثيرين لإلحاق أبنائهم بالتعليم الأزهري، حتى بدت صورة الزحام على المعاهد لافتة للانتباه

وإذ نجحت هذه السياسة في التحاق كثيرين بالمعهد، قبل بناء معهد ثانوي، ثم معهد فتيات، فإن من مخاطرها أن كثيرين ممن التحقوا به كانوا على قاعدة المضطر للحصول على شهادة والسلام، فتخلصوا سريعاً من الزي الأزهري بدخول الجامعة، ومن اضطرتهم ظروف المجموع ونحو ذلك للالتحاق بالكليات الشرعية وليس بالكليات العملية بالجامعة الأزهرية؛ فضلوا بعد التخرج أن يعملوا مدرسين لا أئمة، وإن فرضت وزارة الأوقاف في بعض السنوات التعيين كأئمة لسد العجز فيهم، بعد أن تبنت الوزارة سياسة السيطرة على عموم المنابر في نهاية الثمانينات!

وقد بدأت العمل في الصحافة قبل أربعة وثلاثين عاماً، فأذكر أن زميلاً كان أقدم مني في التحاقه بالجريدة؛ كان يجري استطلاع رأي بالهاتف حول لماذا يهرب خريجو الأزهر من العمل في مجال الدعوة؟ وفي فترة أجرت فيها مجلة إسلامية استطلاعاً عن سبب عزوف الأزهريين عن ارتداء الزي الأزهري!

عندما كنا صغاراً، كنا نسخر في داخلنا من زملائنا الذين يرتدون الزي الأزهري، وربما لم يكن يمنعنا من التصرف الخشن سوى الخوف مما كان شائعاً وقتها من أن عقوبة هذا هي الحبس لستة شهور، وأن الشيخ إبراهيم أبو حسوب لن يتسامح إذا تم الاعتداء على أحد من تلاميذ معهده.

إعادة اكتشاف الأزهر:

بيد أن الوضع تغير الآن، فلم يعد الأزهر يقبل المتسربين من التعليم، ففشل منظومة التعليم في العهد الحالي، وهذا التخبط في سياسات وزير التعليم، دفع كثيرين لإلحاق أبنائهم بالتعليم الأزهري، حتى بدت صورة الزحام على المعاهد لافتة للانتباه. ثم إن صور التلاميذ الصغار صارت مدعاة للفخر والاعتزاز، وبدا الناس كما لو كانوا يعيدون اكتشاف أزهرهم!

الحقيقة، أن هذا الاهتمام بالأزهر كان سابقاً على هذه الصورة، فثورة يناير وتداعياتها ردت الاعتبار للأزهر الشريف!

لا أخفي أنني لم أكن مرتاحاً وشباب يفتقدون لكل معاني الجدية يتصدرون المشهد بعد الثورة، ويتخطون الرقاب، وكان هناك من يسهّل لهم هذه المهمة. وقد كتبت عن هذا أكثر من مرة في وقته، فهؤلاء يفتقدون لأي قيمة حقيقية، وبدا تمامهم في السفارات الأجنبية، فصرت منزعجاً من محاولات العداء مع هوية البلد بالامتدادات الخارجية، مما يجعلنا في عداء مع الجماهير!

وعندما اجتمعت الأمانة العامة لحزب الأحرار، وكنت رئيس تحرير صحيفة الحزب، وبدا أن هناك اتجاهين متعارضين؛ أحدهما كان يرى ضرورة خوض الانتخابات البرلمانية بالانضمام لأحزاب الكتلة التي يتزعمها رجل الأعمال نجيب ساويرس، واتجاهاً آخر منحازا لدخول الانتخابات على قوائم الإخوان، فقد انطلقت من هذا الانزعاج لمناصرة الرأي الثاني، رغم أن خصومتي مع الإخوان منعقدة قبل سنوات من الثورة، وليس بسبب ما حدث بعدها.
ردت الثورة الاعتبار للأزهر، مشيخة ومعهداً وزيّاً، وبدأ انتشار الزي الأزهري بشكل واسع، وكان يمثل إضافة مهمة في ميدان التحرير، وبدأ من تخرجوا فيه ولا يلتزمون بقيمه يجدون طريقهم لعرض بضاعتهم الفاسدة عبر القنوات التلفزيونية بمجرد أن يرتدوا هذا الزي، حتى وإن لم يكونوا يفعلون من قبل

وهذا الانزعاج بدأ يتبدد عندما رأيت الآلاف من الثوار يحيطون بالسفارة الإسرائيلية، ويتسلق المئات منهم أعلاها لإنزال العلم الإسرائيلي، ويجبرون السفير على مغادرة البلاد، بعد اعتداء إسرائيلي غاشم على المقدسات الإسلامية بالأرض المحتلة، عندئذ أيقنت أن شباب السفارات الأجنبية، الذين يمكن أن يبيعوا كل شيء مقابل دعوة سفر، ليسوا هم الثورة، فساعة الجد، سيعود شبابها الذين غادروا إلى البيوت، لا يضرهم من ضل!

لقد ردت الثورة الاعتبار للأزهر، مشيخة ومعهداً وزيّاً، وبدأ انتشار الزي الأزهري بشكل واسع، وكان يمثل إضافة مهمة في ميدان التحرير، وبدأ من تخرجوا فيه ولا يلتزمون بقيمه يجدون طريقهم لعرض بضاعتهم الفاسدة عبر القنوات التلفزيونية بمجرد أن يرتدوا هذا الزي، حتى وإن لم يكونوا يفعلون من قبل، وحتى إن كانت صلتهم انقطعت به منذ التحاقهم بالجامعة الأزهرية، حيث يكون ارتداؤه اختياريا وليس وجوبياً.

ومكّن الأزهر من استرداد مكانته وجود شخصية بحجم الشيخ أحمد الطيب، وهو قيمة لم نكن ندركها قبل ذلك. وقبل الاستطراد في هذا الأمر، أود أن أبدي ملاحظاتي لوقف المزايدات ممن لا يفعلون شيئاً غيرها، دون عمل مثمر!

فقد انتقدت الرجل عندما كان رئيسا لجامعة الأزهر وسمح بدخول الأمن (لم يكن وقتئذ بحاجة لإذن من أحد) لاعتقال الطلاب الإخوان، بعد تمهيد قدمته جريدة المصري اليوم بأن طلاب الإخوان في الأزهر يمارسون لعبة الكاراتيه في الجامعة لقلب نظام الحكم، وقد انتقدت مع الشيخ؛ "المصري اليوم" و"أجهزة الأمن"!

ثم كتبت منتقداً له عندما أصرّ بعد تعيينه شيخاً للأزهر على عدم الاستقالة من لجنة السياسات في الحزب الوطني، إلا بعد عودة الرئيس مبارك من الخارج. ورغم أنني أتفهم موقف صعيدي مثله هنا، إلا أنني رفضت أن يدنس المنصب بهذه العضوية ولو لليلة واحدة، وكان جمال مبارك قد ضم كل رؤساء الجامعات المصرية للجنة السياسات!

ثم إنني انتقدت الإخوان وهم يلفّون ويدورون لليلة كاملة في لجنة إعداد الدستور، من أجل النص في الدستور على "العزل السياسي"، دون المس بشخص شيخ الأزهر، وكان نصاً مسخرة في الواقع. ومع أني ضد العزل السياسي من أول يوم لنجاح الثورة، فإن الذي جرى في هذه الليلة لم يكن مقبولاً، وإذ ذكرت بموقفه من طلاب الإخوان، فقد بدا لي أنني الوحيد في مصر الذي لا يزال يتذكر هذه الواقعة، وقد هاجمته بعد الانقلاب بطبيعة الحال!
الشيخ الطيب ليس امتداداً للشيخ محمد سيد طنطاوي، ولعل من اختاره كان يعتقد أنه سيكون مثله في علاقته بالسلطة وفي قطيعته مع الرأي العام، بما أساء لمكانة الأزهر وجعل من شيخه مجرد موظف في ديوان الرئاسة، فهو امتداد للشيخ جاد الحق علي جاد الحق!

الشيخان جاد والطيب:

يمكن القول إن الشيخ الطيب ليس امتداداً للشيخ محمد سيد طنطاوي، ولعل من اختاره كان يعتقد أنه سيكون مثله في علاقته بالسلطة وفي قطيعته مع الرأي العام، بما أساء لمكانة الأزهر وجعل من شيخه مجرد موظف في ديوان الرئاسة، فهو امتداد للشيخ جاد الحق علي جاد الحق!

ويدهشني أن الجيل الذي تعلم القراءة والكتابة بعد الانقلاب العسكري، يقدم الشيخ جاد الحق على أنه كان الشيخ عبد الحميد كشك مثلاً، مع أنه إلى أن تولى المشيخة من المحسوبين على السلطة ومشايخها، لكنه عندما جلس على كرسي الإمام الأكبر استشعر قيمة الكرسي وعظمة المسؤولية، فكنا أمام شيخ آخر، معتزاً بنفسه وبموقعه، وبمكانة الأزهر ورمزيته، مع الفارق الذي يصب لصالح الشيخ الطيب!

فالشيخ أحمد الطيب ليس ابن الحضر كالشيخ جاد الحق، ولم يعمل قاضياً كالشيخ جاد وما كان يفرضه المنصب من اعتزال للناس وبعد عن العامة، فالناس والعامة، والدوار، والحضرة، والمولد، جزء من تكوينه وثقافته، يسافر إلى باريس ويعود من هناك كما هو، لأنه ممتلئ من داخله!

وقد جعل من الأزهر بعد الثورة "الدوار الكبير" للوطن، وفي أكثر من مرة دعا الفرقاء السياسيين في فترة حكم الرئيس مرسي وقبلها، لكن الأحداث كانت أسرع، ولم تكن النوايا مخلصة، وكانت النفوس مشحونة!

تماماً كما كانت البلد مشحونة بعد 30 حزيران/ يونيو، فلم نسمع كلمته في مشهد الانقلاب، ولعلها الكلمة التي جرّت عليه المشاكل بعد ذلك؛ لأنه لم يقل إن ما يحدث هو الخير العظيم، ولكنه أخف الضررين، ولم نكن أصلا قد استمعنا له، لقد اكتفينا ببيان السيسي، والصخب كان أعلى من الاستماع لبيانه بعد إراقة الدماء سواء في رابعة أو مذبحة الحرس الجمهوري!

وهذا الشيخ الرمز، ساهم في الشعور بقيمة الأزهر وعودة الاعتزاز به، ولا ننكر أن الناس لم تعد تتهيب الأزهر لصعوبة مناهجه، فمن الحسنات القليلة للشيخ طنطاوي، أنه حرر هذه المناهج مما كان يثقلها، ويمثل علماً لا ينفع وجهلا لا يضر، مع تنوع التعليم في الجامعات الأزهرية ما بين شرعي ومدني!

ويشغلني، وربما لا يشغل غيري، افتقاد مصر إلى الأهم من المنافس السياسي، مهما كانت قيمته، وهو "الكبير" بمعناه في المجتمعات التقليدية؛ الذي يلجأ إليه الناس، ويهرع إليه المتنافسون، ويرضى بحكمه الخصوم.
شغلني، وربما لا يشغل غيري، افتقاد مصر إلى الأهم من المنافس السياسي، مهما كانت قيمته، وهو "الكبير" بمعناه في المجتمعات التقليدية؛ الذي يلجأ إليه الناس، ويهرع إليه المتنافسون، ويرضى بحكمه الخصوم

لقد سعى السادات لانتحال صفة "كبير العائلة"، وكان يعيد في ذلك ويزيد في أنه "كبير العائلة المصرية"، وعندما يحتد على الطالب عبد المنعم أبو الفتوح فكان لعدم التزامه باللياقة وهو يكلم "رب العائلة"، وعندما يهاجم أعضاء الجماعات الإسلامية لا ينسى أن يخاطبهم بأنهم أولاده المغرر بهم، حتى وهو يشاهد من يطلق عليه الرصاص في اللحظة الأخيرة، فقد وقف ليخاطبه "يا ولد". لكن فاته أن "الكبير" لا يكون بقرار، وأن منصبه يحجب عنه صفة "كبير العائلة"، إنه رئيس الدولة وقد يكون خصماً سياسياً في نفس الوقت!

إن الأزهر، هو الأحق بها، ووجود "الكبير" سيجنب البلد الكثير من الشرور، ومن غير الأزهر، قوة مصر الناعمة، من يصلح لذلك وقد عرف الناس قيمته؟

إنني أدرك أن الظرف السياسي الراهن لا يسمح بذلك، وقد يكون ما يحدث سبباً في هجوم كاسح عليه في قادم الأيام، لكن فلنغادر دنيانا وقد تركنا مصر في أيد أمينة، ومن أكثر أمانة من أزهرها، عندما تعود إليه مكانته التاريخية؟!

أهلا بالأزهر كبير العائلة المصرية.

twitter.com/selimazouz1