كتاب عربي 21

أيلول.. يا للسعادة أم يا للهول؟

1300x600
لم أعرف أنني من مواليد الأول من أيلول (سبتمبر) إلا عندما استوجب الانتقال من المرحلة الثانوية إلى الجامعة إبراز شهادة الميلاد، وفوجئت بأن والدي يحتفظ بواحدة "أصلية" تحدد على وجه الدقة يوم مولدي، بينما كان نحو 80% من أقراني مزودين بشهادات ميلاد عشوائية، تفيد بأنهم جميعا من مواليد الأول من كانون الثاني (يناير) من ذات عام، كما يقضي العرف المعمول به في السودان عند إصدار ما يسمى بشهادات التسنين التي يكون فيها تحديد يوم الميلاد تقديريا.. (وصل مطار شارل ديغول في فرنسا ذات عام وفد سوداني ثلاثي للمشاركة في مؤتمر ما، وقدموا جوازات سفرهم لضابط الجوازات الذي ما اطّلع على الجوازات الثلاثة حتى هتف في زملائه: تخيلوا محاسن الصدف أن يكون هؤلاء المسافرون الثلاثة من مواليد نفس اليوم (1/1/****).

وظل تاريخ يوم مولدي نسيا منسيا لا أحفل به ولا يحفل به أحد من أفراد عائلتي إلى ما بعد دخولي الحياة العملية معلما في المرحلة الثانوية، عندما تم ترشيحي لبعثة دراسية في بريطانيا، وحسبت وقتها أن ليلة القدر غشيتني وأنا غير مدرك لذلك، وتطلب الشروع في إجراءات الابتعاث المثول أمام أحد كبار المسؤولين في وزارة التربية، الذي ألقى نظرة على أوراقي وهتف: أنت نحس!! حسبت وقتها أنه تقرر إلغاء ابتعاثي إلى بريطانيا ليحل محلي آخر "مسنود"، وأن التي غشيتني هي ليلة الغدر وليس "القدر"، ونحن على كل حال قوم نقلب القاف غينا والغين قافا.

ثم فوجئت بالرجل يقول أنت مولود في الفاتح من أيلول (سبتمبر) الأغبر الذي أتانا بمعمر (القذافي)؛ فقلت له إن مولدي سابق لمولد "فاتح معمر"؛ فصدرت عن شفتيه ابتسامة صفراء وقال: هذه تحسب عليك وليس لك، فأنت أيضا مولود في أيلول الأسود (في إشارة إلى الصدام المسلح العنيف بين القوات الأردنية والفلسطينية في الأردن في عام 1970)، فقلت له: ولكن من وضع حدا للصدام وخرج بالقيادات الفلسطينية من الأردن هو "جعفر"، فصاح نعم هو جعفر نميري الذي ألقى بك في السجن لاحقا، ربما لأنه أراد تحصين نظامه ضد "النحس".

وبحمد الله لم تضع مني فرصة الابتعاث إلى بريطانيا، ولم أنشغل بأمر يوم مولدي وما اقترن به من أحداث حتى بلوغي عصر غوغل، حيث اكتشفت أمورا جعلتني حريصا على التعتيم على ذلك التاريخ، بعد أن أدركت أنه اقترن بأحداث تعتبر نازلة بلوغ القذافي كرسي الحكم ليجلس عليه 42 عاما حسوما، في ظل نظام قال عنه إنه ديمقراطي بمقتضى تعريفه للديمقراطية على أنها عربية المنشأ وأن الكلمة جاءت من "ديمو ـ كراسي"، مما يبرر لمن يبلغ الكرسي أن يديم الجلوس فيه، تعتبر نازلة من وزن الريشة، وأن أحداث أيلول الأسود تعتبر نزهة مقارنة بما جرى في الأول من أيلول (سبتمبر) من عام 1939 عندما اجتاحت قوات ألمانيا النازية بولندا مشعلة الحرب العالمية الثانية التي راح ضحيتها خمسون مليون قتيل.

ثم كانت أحداث الـ 11 من أيلول (سبتمبر) من عام 2001، التي هزت الولايات المتحدة وجعلتها تهز العالم بأسره، وسبحان الله كنت شاهدا صامتا على بعض عقابيل تلك الأحداث، فعلى مدى عدة أيام تالية، كنت أرى مغلفا يحمل خاتم شركة "دي اتش ال" للبريد السريع يجثم فوق الخزانة التي كانت مخصصة لي في غرفة الأخبار في قناة الجزيرة، وعلى بعد نحو متر من مكان جلوسي المعتاد، وذات يوم قررت زميلة لنا عراقية توصيل المغلف إلى مدير القناة وقتها محمد جاسم العلي.

اتضح أن المغلف الذي كان مهملا لأكثر من أسبوع كان يحوي شريط الفيديو الذي يعلن فيه أسامة بن لادن لأول مرة أن تنظيم القاعدة هو المسؤول عن تفجيرات الـ 11 من أيلول (سبتمبر) تلك، وبعدها تلقت الجزيرة شريطي فيديو من أسامة بن لادن، وكانت محتوياتها ذات قيمة خبرية عالية، جعلت جميع قنوات البث الإذاعي والتلفزيوني الكبرى في العالم تتعاقد مع الجزيرة لإعادة بث نفس المقاطع التي بثتها الجزيرة.

من مجمل نحو ست ساعات من تسجيلات بن لادن لم تبث الجزيرة سوى نحو ست دقائق اختيرت بعناية لأنها تلقي الضوء على نواح معتمة من أحداث 11 أيلول (سبتمبر) التي لم تكن أي أداة إعلامية لتُغْفِلها، ولكن الإدارة الأمريكية التي كانت خاضعة تماما لمجموعة جورج بوش الثاني اليمينية المتطرفة، اعتبرت ذلك تطاولا من الجزيرة، رغم أنها ما كانت ستعرف من هم الجناة (الذين ماتوا جميعا في تلك الأحداث) لولا قناة الجزيرة.

واتخذت واشنطن تلك الأحداث ذريعة لغزو العراق في 2003، وطلبت من جميع الصحفيين الذين يغطون وقائع الغزو أن يكونوا رفقة القوات الأمريكية، ولكن قناة الجزيرة رفضت ذلك، وقالت إن مكان صحفييها هو حيث تقع وليس حيث تنطلق القذائف، وفاجأت صحيفة دايلي ميل البريطانية العالم بتفاصيل محادثة بين بوش ورئيس الوزراء البريطاني وقتها توني بلير حول ضرورة "قصف الجزيرة"، وكيف أن بلير أقنع بوش بعدم الإقدام على ذلك، فإذا بصاروخ أمريكي شديد الذكاء يستهدف مكتب الجزيرة في بغداد، فاستشهد الصحفي طارق أيوب والمصور العراقي رشيد والي، وبما أن الجزيرة وافت القوات الأمريكية مقدما بإحداثيات المكتب كي لا يكون هدفا لقصف أمريكي، فالراجح هو أنها استخدمت تلك الإحداثيات لاستهداف المكتب.

لا أملك إجابة على التساؤل المضمن في العنوان أعلاه: أيلول.. يا للسعادة أم يا للهول؟