كتاب عربي 21

عن سياسة البطش حين تتزامن مع فشل داخلي وخارجي

1300x600

لكل نظام سياسته في إدارة الشأن الداخلي، وفي التعامل مع مجتمعه، وله في ذلك تقديره الخاص لتبعات تلك السياسة.

 

أفرز الربيع العربي حالات مختلفة من السياسات لدى الأنظمة العربية؛ كلٌّ بحسب تقديره لحاجاته الذاتية، لا سيما أن الغالبية الساحقة منها، وربما من أنظمة العالم الثالث لا زالت تدير سياستها الداخلية والخارجية على إيقاع مصلحة نخبها الحاكمة، أكثر من مصالح الأوطان والشعوب.

 

وحين تتقدّم مصالح النخب الحاكمة على مصالح الأوطان والشعوب، فمن الطبيعي أن تحدث الكوارث - متباينة السوء- على تلك الشعوب والأوطان؛ ليس على الصعيد السياسي وحسب، بل على الصعيد الاقتصادي أيضا، حيث يسود الفساد بعد زواج السلطة والثروة، وتشرع الطبقة الوسطى في التلاشي لحساب فئة محدودة ثرية، تقابلها غالبية فقيرة. ويتفاوت الأمر بطبيعة الحال حسب وضع ذلك البلد من حيث الإمكانات والثروات.

 

بعد الربيع العربي، ازدادت مخاوف النخب الحاكمة في العديد من الدول من حراك الشعوب، سواء مرّت بالتجربة، أم وصلت إليها بعض ارتداداتها عبر حراكات مطلبية بسيطة على شكل عرائض وما شابه، وكانت النتيجة هي بروز سياسات خارجية تركّز على حصار الربيع العربي وإجهاض مسيرته، بجانب سياسات داخلية تلجم أي حراك داخلي عبر سياسة بثّ الرعب.

 

سلطة رام الله التي ذكّرتنا عبر جريمة قتل الناشط نزار بنات، أنها جزء لا يتجزّأ من الأنظمة التي نتحدث عنها

 

على هذه الخلفية، تابعنا ونتابع أشكالا من سياسة بثّ الرعب في عدد لا بأس به من الدول، ويكفي أن تغدو تغريدة بسيطة كافية لسجن إنسان، حتى ندرك أي سياسة بطش تنتهجها تلك الأنظمة كي تمنع أيّ حراك من أيّ نوع يطالبها بالإصلاح السياسي، فيما ذهب بعضها إلى شنّ حرب شرسة على ما يسمى "الإسلام السياسي"، ثم على التديّن بوصفه حاضنة لقواه (قوى الإسلام السياسي)، وذلك عبر سياسات اجتماعية ودينية من لون آخر، سواء ذهبت نحو تغيير منظومة المجتمع الثقافية والاجتماعية، أم ذهبت تجاه الحديث عن إعادة النظر في المنظومة الدينية ذاتها.

 

أما الأسوأ، فهي تلك التي تعتقل عشرات الآلاف في السجون، وتواصل إصدار أحكام المؤبد والإعدام بحق المئات من الرموز؛ ليس بوصفهم إسلاميين كما يذهب البعض، بل لأنّهم رموز للثورة، كما في مصر على سبيل المثال.

 

الآن، يمكن القول؛ إن عددا من الأنظمة قد بدأت تطبّق سياسة الرعب بشكل رهيب، وهي تطارد أي لون سياسي؛ ما دام لا يخضع تمام الخضوع لما تريده أو تفرضه من سياسات، ويكفي أن يدخل أحدهم السجن لأنه انتقد نشاطا ثقافيا أو اجتماعيا، حتى ندرك أن تلك الأنظمة تعيش حالة هستيريا عجيبة.

 

المصالحات الداخلية هي الأولوية التي ينبغي أن تركّز عليها تلك الأنظمة، وحين تفعل ذلك، فستقف المجتمعات بجانبها

 

والمثير للدهشة، أن كثيرا من تلك الأنظمة لا زالت تواجه تحدّيات خارجية كبيرة. وفي حين يقول المنطق بأن على أي نظام يواجه مثل تلك التحدّيات أن يذهب تجاه مصالحات داخلية، فإن تلك الأنظمة تفعل العكس، ما يؤدّي إلى فشلها في التحدّي الخارجي، في ذات الوقت الذي تفشل في كسب الناس إلى صفّها. وحين يُضاف إلى ذلك فشل داخلي في تحسين حياة الناس، فسيغدو الوضع أسوأ بكثير.

 

نفتح قوسا هنا كي نشير إلى سلطة رام الله، التي ذكّرتنا عبر جريمة قتل الناشط نزار بنات، أنها جزء لا يتجزّأ من الأنظمة التي نتحدث عنها، حتى لو كانت مجرّد مركز شرطة وبلدية تابعة للغزاة، بل صُمّمت لخدمتهم.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا؛ هو كيف يمكن لتلك الأنظمة، وبعد أن كسرت الشعوب حاجز الخوف خلال الربيع العربي، وفي ظل الثورة التكنولوجية ومواقع التواصل، أن تواصل هذا النهج الفاشل على الصعيدين الداخلي والخارجي، من دون أن يؤدي ذلك إلى انفجارات شعبية قادمة.

 

إن الفشل الداخلي ممثلا في القمع بجانب التردّي الاقتصادي، يبدو كافيا لإثارة الناس، لكنه حين يتزامن مع فشل خارجي في مواجهة تحدّيات الأمن القومي من جهة، وفي التعامل مع قضايا الأمة الأخرى، وصولا إلى التآمر عليها، فسيكون الموقف أكثر إثارة، ولن تكون سياسة الرعب كافية للجمه في المدى المتوسط، وإن بقي ذلك واردا في المدى القريب، وفي ظل أجواء إقليمية غير مواتية.

 

المصالحات الداخلية هي الأولوية التي ينبغي أن تركّز عليها تلك الأنظمة، وحين تفعل ذلك، فستقف المجتمعات بجانبها في مواجهة التحدّيات الخارجية، بل يمكن لتلك المجتمعات أن تكتفي بقدر معقول من الإصلاح لا يرقى إلى مستوى طموحاتها، من باب تقديم الأولويات. فهي كانت وستبقى أكثر وطنية وانتماء من كثير من النخب الحاكمة، التي لا ترى أي شيء إلا من زاوية مصلحتها.