مقابلات

سياسي جزائري لـ"عربي21": الدولة العميقة قائمة وتخلق الفوضى

ابن بعيبش قال إن هناك جدالا حول مفهوم الجزائر أو الجمهورية- عربي21

قال رئيس حزب الفجر الجديد الجزائري، الطاهر بن بعيبش، إن "هناك صراع أجنحة داخل النظام الجزائري، خاصة في ظل الأوضاع غير المستقرة؛ لأن بقايا العصابة لم تستسلم بعد، ولديها إمكانات مادية وبشرية لخلق الفوضى وعدم الاستقرار".

وأضاف، في مقابلة مع "عربي21"، أن "الدولة العميقة ما زالت قائمة إلى الآن، وأمام هذا الوضع لا يمكن لمؤسسة الجيش أن تبقى متفرجة، خاصة في ظل غياب المؤسسات الأخرى؛ فدور الجيش هنا هو الوقوف دائما بجانب مطالب الشعب واختياراته".

وأشار "بن بعيبش" إلى أن "مشروع قانون الانتخابات لا يعكس إطلاقا برنامج الرئيس تبون، ولا خطبه الواعدة بجزائر جديدة، وما زال هذا القانون محل نقاش"، مضيفا: "نتمنى من القائمين على تحضيره أخذ الاقتراحات المُقدمة من الأحزاب على محمل الجد، حتى لا نعود لنقطة البداية التي انطلق بسببها الحراك الاحتجاجي".

وتاليا نص المقابلة:

رئاسة الجمهورية الجزائرية قالت مؤخرا إن الرئيس تبون سيعود إلى البلاد خلال الأيام المقبلة بعد أن أجرى عملية جراحية في قدمه اليمنى بألمانيا.. فكيف تتابع ملف غياب الرئيس؟


إنني أتابع مرض الرئيس كباقي الجزائريين متمنيا له الشفاء العاجل، والرجوع بسلامة للوطن لمواصلة مهامه. وبالنسبة للتعامل مع مرضه من طرف رئاسة الجمهورية؛ فقد بقي نفس الأسلوب القديم الذي مُورس مع الرئيس السابق في بداية مرضه، وهذا ما جعل المواطنين يعتمدون على شبكات التواصل الاجتماعي لمعرفة ما يجري حولنا أو في العالم. وهذا الأمر يزيد تعقيد المصداقية، وعودة الرئيس مربوطة بوضعه الصحي.

كيف تنظرون لمدى شعبية تبون الآن بعد مرور أكثر من عام على حكمه؟ وهل حدث تراجع كبير فيها؟


الانتخابات الرئاسية الأخيرة جرت في ظل ظروف صعبة، مما أثّر على عدم الإقبال الكبير، حيث كانت أضعف من سابقاتها، وقُدرت نسب المشاركة فيها بـ 38.9%، وهذا مما صعّب المهمة على رئيس الجمهورية.

كما أن الأوضاع ازدادت صعوبة عقب إجراء الانتخابات الرئاسية مباشرة بسبب الوضعية الصحية المتمثلة في كوفيد-19، والتي أثّرت كثيرا في شريحة واسعة من الشعب، سواء العاملين بأجر يومي أو في مؤسسات خاصة، ومهما حاولت الحكومة طمأنتهم بالتكفل بتعويضات، إلا انهم ألفوا مثل هذه الوعود.

وحتى هذه التعويضات لا تغطي احتياجاتهم، فضلا عن عدم تغيير أي شيء في الممارسات البيروقراطية؛ فرغم برنامج رئيس الجمهورية الطموح نظريا، والذي يفتح آمالا كبيرة أمام الشباب، ويعد ببناء دولة المؤسسات، إلا أن كل هذا يصطدم بالواقع، مما جعل شبابنا يفكر في الهجرة غير الشرعية بعدما توقفت طيلة الحراك، إذ لمدة سنة لم نسجل أية محاولة للخروج من البلد.

وما زاد الأمر تعقيدا للأوضاع الداخلية هو مرض الرئيس، حيث إثّر على أداء المهام والتكفل بالانشغالات اليومية للمواطن، لأننا لم نصل بعد إلى بناء مؤسسات مستقلة تقوم بواجباتها الدستورية وما يمنحها القانون من صلاحيات. فالجميع ينتظر قرارا أو توجيهات من رئيس الجمهورية، وهذا ما أثّر ليس على شعبية الرئيس فحسب، بل على الوضع العام في البلاد.

هل الرئيس تبون يعتمد سياسة الأمر الواقع في قراراته ومواقفه المختلفة كما يقول البعض؟


رئيس الجمهورية يطرح برنامجا طموحا للانتقال إلى الجزائر الجديدة أو الجمهورية الجديدة، إلا أن هناك جدالا حول مفهوم الجزائر أو الجمهورية، لكنه أخذ بعين الاعتبار الوضع القائم، لأن الوضع صعب جدا على أي شخص كان يمكن أن يكون في مكانه، خاصة أنه لم يسبق أن يرى شعبا حكوماته المتعاقبة خلال عشرين سنة في السجون.

وهناك ملفات تجعل الولدان شيبا، بل أكثر وأخطر من ذلك، وحتى مؤسسة الجيش الوطني الشعبي لم تسلم من هذه الفضائح. فكم من ضابط سام موجودا في السجن؟، وكم من ضابط سام كذلك هارب خارج الوطن؟، بالإضافة إلى حالة عدم الاستقرار في الجبهة الداخلية.

وبالتالي باتت المهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة؛ فالرئيس يريد الإسراع في بناء المؤسسات الجديدة؛ فبدأ بتعديل الدستور، وكانت النتيجة غير مرضية للكثيرين. كذلك مسودة قانون الانتخابات لم تكن في مستوى بناء الجمهورية الجديدة، لأن الجديد لا يمكن أن يُبنى على انتخابات سابقة ومزورة.

هل من الوارد أن يكون هناك صراع أجنحة داخل النظام الجزائري من جديد؟


في مثل هذه الأوضاع غير المستقرة حتما ستكون هناك صراعات، خاصة أن بقايا العصابة لم تستسلم، ولديها إمكانات مادية وبشرية لخلق الفوضى وعدم الاستقرار، لأن السارق لا ينسحب إلا في الظلام، وهذه الوضعية لا يمكن لمؤسسة الجيش أن تبقى متفرجة أمام ما يجري، خاصة في ظل غياب مؤسسات أخرى قادرة على تحمل مسؤوليتها، ودور الجيش هنا هو الوقوف دائما بجانب مطالب الشعب واختياراته.

قائد الجيش الجزائري، الفريق سعيد شنقريحة، طالب مؤخرا الضباط العاملين بالمخابرات الخارجية «طاعة أوامر» رئيسهم الجديد.. فكيف تقيم الدور الذي يلعبه الجيش والمخابرات الخارجية؟


في مثل هذه الأوضاع لابد من تحديد مركز القرار، وطبيعي جدا أن رئيس الجمهورية هو وزير الدفاع، والقائد الأعلى للقوات المسلحة يعود إليه القرار النهائي، ولذلك يجب الالتزام بقراراته، خاصة فيما يتعلق بالأمن؛ فكل الدول تعتمد على جهاز المخابرات بصفة عامة، والخارجية بصفة خاصة، للحفاظ على مصالح البلد.

ومصالح وطننا اليوم لا تتوقف على حماية الحدود وفقط، فالجزائر تعيش ظرفا استثنائيا، وهناك توترات في الجوار، ونعتبر أن هناك حربا قائمة في الساحل الصحراوي، في ضوء الأطماع الخارجية في خيرات هذه البلدان؛ فالجيش الجزائري اليوم أمام مسؤوليات كبيرة.

كيف تنظرون لمشروع تعديل قانون الانتخابات؟


كما أشرت آنفا مسودة قانون الانتخابات لا تعكس إطلاقا برنامج الرئيس تبون، ولا خطبه الواعدة بجزائر جديدة، ولازال هذا القانون محل نقاش الآن. ونتمنى من القائمين على تحضيره أخذ الاقتراحات المقدمة من طرف الأحزاب على محمل الجد، حتى لا نعود لنقطة البداية التي انطلق بسببها الحراك.

أستاذ العلوم السياسية والإعلام بجامعة الجزائر، البروفيسور إسماعيل معراف، قال لـ"عربي21" إن الانتخابات المحلية والنيابية مجرد طُعم هدفه تفكيك الحراك الشعبي ومحاولة لاستمرار ما وصفه بـ "حكم العصابة".. ما تعقيبكم؟

 
إننا في مثل هذه الأوضاع نختار الأقل ضررا بالنسبة للبلد؛ فالانتخابات لا بديل لها. ونحن ملزمون بالاختيارات الدستورية بينما في نفس الوقت نناضل وندافع عن قناعتنا، ونحاول تجسيد مطالب الحراك بالوسائل الممكنة؛ فكلنا متفقون على بناء دولة المؤسسات وتكريس الديمقراطية، وقد نختلف في الوسيلة.

ومن حق كل شخص أو جهة أن تقرأ الحراك من وجهة نظرها، لكن هذا الحراك حقق الكثير ووفر وسائل بناء الدولة المستقبلية، وعلينا العمل للوصول إلى الأهداف المسطرة، وهو التسليم بأن الشعب هو مصدر السلطة، وهو مانح الشرعية.

هل من الوارد تكرار نفس سيناريو انتخابات 2002 حينما كانت هناك مقاطعة واسعة للانتخابات؟


إقبال المواطنين على الانتخابات مرهونا بالظروف التي تكون فيها. فإذا تم إلغاء حواجز الإقصاء من قانون الانتخابات، ووضع الجميع أمام فرص متساوية، وعدم الرجوع إلى الإجراءات التعسفية السابقة، والتي كانت من أسباب الحراك الشعبي. وبالتالي نجاح هذا الموعد من مسؤولية النظام الحاكم.

هل تبرئة بعض رموز النظام السابق تشير إلى احتمالية عودة الدولة العميقة والبدء في مرحلة إنقاذ نظام بوتفليقة؟


فيما يتعلق ببعض الأحكام القضائية فنحن لا نعرف التهم المنسوبة التي حوكموا عليها، كما لا نعرف أسباب تبرئتهم، والعملية كأنها تخص القاضي والمتهم، ولا تعني الشعب وليس له الحق في معرفة ما يجري. كما أن التصرفات لا تعطي صورة بأن العدالة لازالت تحت الأوامر.

وما فيما يتعلق بالدولة العميقة فهي لازالت قائمة إلى الآن، وليست هناك نية لإنقاذ نظام بوتفليقة؛ فهذا لا يهم، بل كل يبحث على إنقاذ نفسه.

إلى أين وصلت مبادرة "المشروع الوطني الجامع" التي دعت إليها أحزاب ومنظمات مجتمعة؟ وما فرص نجاحها؟


المعارضة السياسية في الجزائر ما فتئت تقدم اقتراحات منذ مدة، وكانت رؤيتها للأوضاع أصدق من رؤية النظام نفسه، وللأسف حدث كل ما حذرت منه المعارضة بسبب تعنت النظام، وعدم إيمانه بالحوار مع الآخر، حيث كان يرى نفسه هو مَن يعرف الشعب، وأن الأحزاب والمجتمع المدني ليست إلا مجرد ديكور للاستهلاك الخارجي. ومثل هذه المبادرات لم تتوقف منذ العام 2012 إلى 2019، وحينها كانت الكلمة للشعب، ويبقى العمل والتنسيق متواصل حتى لا تتكرر المأساة.

هناك دعوات لاستئناف الحراك تزامنا مع إحياء الذكرى الثانية للحراك الشعبي في 22 شباط/ فبراير 2021.. كيف ترون هذه الدعوات؟ وما موقفكم منها؟


لسنا ضد الحراك كما عرفناه والشعارات التي رفعت طيلة سنة كاملة. غير أننا نرفض استغلاله من طرف بعض أصحاب الأجندات، الأمر الذي قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

برأيكم، ما تداعيات الأزمة الاقتصادية، وخاصة ارتفاع الأسعار، على الأوضاع بالبلاد؟ وكيف يمكن مواجهة تلك الأزمة؟


قناعتنا الراسخة أنه لا يمكن معالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية إلا في ظل استقرار سياسي، وأي نظام لا يستمد قوته من الشعب سيسلم نفسه لأية قوى أخرى أو حتى قوى أجنبية لحمايته. وبالتالي فأن حل مشكلة الحكم هي الأساس، والتجربة الجزائرية أمامنا، حيث وصل احتياط الصرف إلى 1000 دولار؛ فتم توزيع الريع لضمان الاستقرار والبقاء في الحكم.

والنظام طبّق نظرية العصا والجزرة، فالمال لمَن يسكت، والعصا لمَن يحتج، واستولت العصابة على الحكم خارج إرادة الشعب، ودفعوا أموالا طائلة للوبيات خارجية، ووسائل إعلام لتبييض صورتهم، إلا أن كل هذا لم يشفع لهم، وكانت ملحمة 22 شباط/ فبراير 2019، والتي وضعت حدا لاستمرارهم في الحكم.

وعليه، فالوضع الحالي وإن لم يكن الوضع السياسي هو المشكل الأول؛ فالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية قد تؤدي لنفس النتيجة، وربما أكثر، حيث أن التنمية لازالت تراوح القرارات ولم تنطلق إلى التنفيذ، ولم تكن بالصورة التي كنّا نريدها.

وخلال عام 2020 كان هناك ركودا كبيرا بسبب جائحة كورونا، والتي أثرت في شريحة كبيرة من الشعب، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار، وضعف القدرة الشرائية عند المواطن.

ولمواجهة هذه التحديات يتطلب جمع القوى الوطنية، وطرح كل القضايا للحوار وممارسة الشفافية، والإسراع في بناء المؤسسات الشرعية، ونبذ التزوير من طرف الجميع، والعمل على إعادة الاعتبار للمواطنة بمفهومها الواسع. هذا هو الممر الوحيد الذي يخرجنا من المتاهات والأزمات.