قضايا وآراء

التاجر الذي لم يلتقط الإشارة

1300x600
قبل عقود أصرت شركة كوداك المنتجة لأفلام تحميض الصور للكاميرات التقليدية على إنتاج نفس الأفلام التي تراجعت مبيعاتها بشكل كبير، مع تحول العالم للكاميرات الإلكترونية (الديجيتال)، ولتنخفض مبيعات كوداك إثر ذلك من 20 مليار دولار إلى مليار واحد فقط! ما أدى لانهيار الشركة.

إن عدم التقاط إشارة التحول الذي تشهده التجارة إلى الفضاء الأزرق، وإصرار البعض على أشكال التجارة التقليدية دون حتى امتلاك موقع إلكتروني لعرض منتجاتهم حتى الآن، ضرب من الغباء التجاري - مع احترامي وتقديري - وخطأ متكرر يقع به عدد من كبار التجار وصغارهم مع كل تحول تشهده الأسواق.

والخبراء يتحدثون عن تحول الأعمال عن بعد (أونلاين) حتى لو تمكن العالم من تجاوز أزمة كورونا، رغم صعوبة تجاوز ذلك خلال السنوات القليلة القادمة في أقل تقدير.

وقد زادت الفعاليات التجارية والمهنية عن بعد - عبر الإنترنت - بحسب الأبحاث بنسبة 1100 في المئة، في نيسان/ أبريل الماضي 2020، مقارنة بالشهر نفسه من عام 2019، وحينها كانت أزمة كورونا في بدايتها وقد تفاقمت آثارها السلبية بعد ذلك.

أَحد التجار قال لي مع بداية شهر كانون الأول/ ديسمبر من العام الماضي: أريد أن اعتبر وكأن عام 2020 لم يكن موجودا، ومع انتشار اللقاح سأبدأ من جديد في 2021! ولكن كيف يصنع الآن وقد كانت بداية العام الجديد صعبة في كثير من دول العالم؟ وماذا عن عدم إمكانية الفراغ من توزيع اللقاحات بشهر أو شهرين أو ثلاثة، وحاجة بعض الدول لنهاية صيف هذا العام في أقل تقدير لإنجاز تلقيح يذكر فيها؟

ليس منطقيا الاستمرار في استئجار صالات عِرض ومحلات تجارية كثيرة لعرض المنتجات، ويمكن توفير عرض إلكتروني جاذب ومميز بكلفة إيجار محل واحد فقط! ومن يسأل عن خسائر أصحاب العقارات عليه أن يفرق بين التجارة والعمل الخيري. عدد من التجار الذين أعرفهم دفعوا ثمن تعاطفهم الإنساني مع أصحاب العقارات والأعداد الكبيرة من الموظفين رغم تراجع المبيعات وتحول شكل السوق، بشكل غال، حيث تراكمت عليهم الديون والقضايا واضطر بعضهم للسفر خشية السجن!

أين الأخلاق في التعامل مع الموظفين الزائدين عن الحاجة؟!

هذا التساؤل الأخلاقي مشروع ومطلوب من الجهتين، وأعني بهما التاجر والموظف، وليس التاجر فقط، حيث أن التاجر معني بإعادة هيكلة العمل، بينما الموظف عليه امتلاك قابلية التكيف مع الأوضاع الجديدة. فموظف الصندوق الذي كان يحاسب الزبائن في المحل بشكله التقليدي قد يصبح عامل توصيل طلبات أو مشرفا على الموقع الإلكتروني؛ يحدث بياناته ويراقب مبيعاته.

قبل أيام قرأت عن طيار بريطاني اسمه باتريك تم الاستغناء عن خدماته في شركة الطيران مع تراجع حركة الطيران عالميا، ولَم يجلس في بيته أو يستسلم، بل تنقل في عدة وظائف خلال أقل من عام، منها عامل طلاء في المنازل وأخرى في توصيل طلبات شركة أمازون العالمية!

باتريك لم يستسلم لثقافة العيب ولا لبرستيج مهنة الطيران، وأدرك أن العيب الحقيقي يكمن في جلوسك بالمنزل منتظرا فرصة عمل لائقة بمؤهلاتك، تلك المؤهلات التي تكون في كثير من الأحيان أكثر من حاجة السوق!

أذكر قبل أزمة كورونا ومع وجود محلات ذات فروع في عدد من الدول العربية لبيع الأزياء الشرعية، كيف بدأت مبيعاتها بالتراجع شيئا فشيئا مع صعود نجم شركة تركية توفر هذه الأزياء "أونلاين"، وليصل الأمر بالشركة التركية (وكما قلت قبل تفاقم أزمة كورونا) ببيع نحو 25 ألف طرد ملابس يوميا عن طريق الإنترنت! في الوقت الذي تحول فيه عدد من المعارض التقليدية لتلك الأزياء لمقاه يشرب فيها الموظفون الشاي والقهوة.

التاجر الذكي يعيد ترتيب أوراقه هذه الأيام ويحوّل بضاعته لمخازن أقل كلفة من المعارض والمحلات التجارية، ويطور موقعه الإلكتروني الخاص ويقتحم عالم منصات التواصل الاجتماعي كقنوات تسويقية لمنتجاته. ويمكنه في طريق ذلك توفير برامج تدريبية للعاملين معه للتكيف مع هذه الأوضاع الجديدة في العمل، وإلا فسيصل بِه الحال إلى ألا يكون قادرا على دفع مستحقاتهم إن استمر بإدارة العمل وفق الطريقة التقليدية؛ متجاهلا التحول الإجباري للعالم الافتراضي.

القدرة على التكيف مع الأوضاع الجديدة مهارة لا يتقنها إلا صاحب العقلية التجارية الذي يركز على عدم العودة نهاية اليوم خالي الوفاض، ويحسن قراءة ما يجري حوله، ويعرف كيف يتعامل معه ويترك الباقي على ربه، فالتوفيق بيده وحده سبحانه وتعالى بعد أن يستفرغ المرء جهده ووسعه في السعي.