كتاب عربي 21

مساع أكدتها عُمان لتصنيف الحوثي جماعة إرهابية

1300x600

يواجه اليمن مصيراً سوداوياً أقل ما يقال عنه أنه يضع كرامة معظم الشعب اليمني أمام تحدي الانصياع المُذل لجماعة إرهابية أقلوية متعصبة.

هذا ليس تشاؤماً، بل محاولة لعكس الميل الواضح في المزاج الدولي والإقليمي نحو القبول بالحوثيين وتمكينهم ومكافأتهم، لا تعيقه سوى نوايا ترامب الجدية في تصنيف هذه الجماعة ضمن قائمة الإرهاب، وهو قرار إن تم فإنه سيمثل الحد الأدنى من التعويض الذي يستحقه اليمنيون بسبب التآمر الذي وقع عليهم من قبل القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية.

خلال الأسبوعين الماضيين بقي الحديث عن إمكانية إقدام إدارة الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته على تصنيف الحوثيين ضمن قائمة الإرهاب الأمريكية، يراوح بين الشك واليقين، رغم أنه يدور حول تحركات جدية للرئيس ترامب مدفوعة بقدر ما من الضغط من جانب حلفائه في المنطقة، ورغبته الملحة في أن يوصد بالفعل أبواباً عديدة أمام الرئيس المنتخب جو بايدن، ويعقد مهمته في ملفات مهمة ووثيقة الصلة بمنطقتنا.

 

قرار إن تم فإنه سيمثل الحد الأدنى من التعويض الذي يستحقه اليمنيون بسبب التآمر الذي وقع عليهم من قبل القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية

لكن تصريحات وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي وضعت النقاط على الحروف، عندما أكد في مداخلة له أمس السبت، أمام قمة البحرين الأمنية الإقليمية السادسة عشرة المعروفة باسم "حوار المنامة 2020"، أن كبير الدبلوماسيين الأمريكيين لمنطقة الشرق الأوسط، ديفيد شينكر، ناقش مع الحكومة العمانية إمكانية أن تصنف الولايات المتحدة جماعة الحوثي ضمن قائمتها للمنظمات الإرهابية.

وهو توجه يبدو أن سلطنة عمان لا تحبذه، إذ لا يعتقد وزير الخارجية - فيما نقل عنه - أن هناك حلا يستند إلى تصنيف أو حجب أحد أطراف هذا النزاع وإبعاده عن طاولة التفاوض.

لا ألوم سلطة عمان التي تلعب دوراً مهما في الوساطة بين الحوثين والأطراف الإقليمية والدولية، ولديها ما لديها من الشكوك تجاه النوايا النهائية لجارتها الكبيرة السعودية على الساحة اليمنية، خصوصاً بعد التموضع العسكري السعودي الواسع في محافظة المهرة اليمنية المجاورة للسلطنة.

لكنني أيضاً لا أرى أنها محقة في إعطاء المبررات التي قد تعيق إدارة ترامب عن اتخاذ قرار يؤذي الحوثيين، لأن بقاء هذه الجماعة قوية ومتسلطة في جزء واسع من البلاد، سيعني أن المعركة حُسمت لصالح جماعة غاشمة وعدائية وستشكل سبباً كافياً لبقاء اليمن مضطرباً لعقود مقبلة، وإن بدا أن بوسع هذه الجماعة أن تفرض سلام قوة محتملا.

 

اضطرت أطرافٌ إقليميةٌ لأن توظف ورقة الحوثيين الجاهزة، وهي ورقة إيرانية في الأساس، لمواجهة التغول السعودي والأذى الذي يصدر عنها على أكثر من مستوى، سياسي واقتصادي ووجودي كذلك

لأسباب تتعلق بالسياسات السعودية العدائية، اضطرت أطرافٌ إقليميةٌ لأن توظف ورقة الحوثيين الجاهزة، وهي ورقة إيرانية في الأساس، لمواجهة التغول السعودي والأذى الذي يصدر عنها على أكثر من مستوى، سياسي واقتصادي ووجودي كذلك.

لكن لا أحد يستوعب مدى تأثير ذلك على الشعب اليمني، لأن الحوثيين كمشروع طائفي ماضوي وكهنوتي سيكون بوسعهم أن يطووا صفحتي ثورتين عظيمتين، هما ثورة 26 أيلول/ سبتمبر 1962 التي انتجت الجمهورية، وثورة 11 شباط/ فبراير 2011 التي أنهت الاستبداد واحتكار السلطة وأعادت الاعتبار للجمهورية وللديمقراطية والمواطنة المتساوية. وذلك يعني أننا بإزاء دفن لا يحتمل لهاتين الثورتين بأهدافهما ورموزهما وأدبياتهما، والوجدان الذي تشكل من وحيهما وأعاد الحياة لليمنيين من جديد.

تكمن مشكلة الشعب اليمني في أن الحوثيين يبنون نفوذهم على جماجم الشعب عبر الجرائم التي يرتكبونها دون هوادة، ومن التغطية الدولية التي تضعهم طرفاً يواجه بلداً مثل السعودية المعروفة بقدرتها الاقتصادية والعسكرية، ليبدو الأمر وكأنه استعلاء سعودي على اليمن الذي بات يختزل في هذه الجماعة الطائفية.

ومشكلة اليمنيين الإضافية أن الرئيس هادي الذي انتخبه أكثر من ستة ملايين، قد خذلهم وتخلى عنهم وخان الأمانة الدستورية، حينما جيّر الدولة وإمكانياتها ومقدراتها لصالح هذه الجماعة الإجرامية، ووضعها كذلك (ولا يزال) رهن تصرف القوى الإقليمية المتربصة باليمن.

لكن علينا أن لا ننسى أن السعودية والإمارات أول من منح الفرصة السخية للحوثيين، إبان انخراطهما الموتور في احتواء الربيع العربي عبر ثورة مضادة اُستخدمت فيها كلُّ الأدوات القذرة والأدوار الخطيرة لعصابات الدولة العميقة، والجماعات الطائفية والإرهابية على شاكلة جماعة الحوثي في شمال اليمن.

وساهمت السعودية والإماراتي مع القوى الغربية في تسوية الأرض اليمنية لمعركة مفترضة بين جماعة الحوثي، كجماعة شيعية متطرفة، وبين الجماعات التي تصنف في قوائم الإرهاب الغربية.

كان الهدف الحقيقي هو تصفية الطيف السياسي الواسع الذي ساند ثورة الحادي عشر من شباط/ فبراير 2011، وفي القلب منه التجمع اليمني للإصلاح الذي نُظر إليه على أنه الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، وما كان ذلك ليتم ما لم يجرِ التعامل مع الأزمة اليمنية على أنها وذلك في المحصلة يعني الخلاص من ربيع اليمن.

 

تتغاضى هذه الوكالات عن إعادة توجيه المساعدات الإنسانية لخدمة المجهود الحربي، والتحكم بهذه المساعدات من جانب جماعة الحوثي وفقاً لأولوياتها الحربية

وها هم اليمنيون بعد نحو ستة أعوام من الحرب الشاملة، يفقدون الأمل أو يكادون في إقناع المجتمع الدولي بأن التوصل إلى تسوية حقيقية في اليمن تعيد السلام والدولة والديمقراطية؛ لا يمكن أن يتحقق من خلال الانخراط الحالي للوكالات التابعة للأمم المتحدة في إدارة اقتصاد الحرب الواقع تحت سيطرة الحوثيين، حيث تتغاضى هذه الوكالات عن إعادة توجيه المساعدات الإنسانية لخدمة المجهود الحربي، والتحكم بهذه المساعدات من جانب جماعة الحوثي وفقاً لأولوياتها الحربية.

تدرك هذه الوكالات أن الجزء الأكبر من دورها الإنساني يتركز في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، والتي تضم نحو سبعين في المائة من السكان، وبأن معظم الدعم المالي الذي يؤمن النفقات التشغيلية لهذه الوكالات وخبرائها وطواقمها الإدارية إنما يأتي من الأموال التي تحصل عليها من تبرعات الدول، والمقدمة في شكل استجابة طارئة للاحتياجات الإنسانية في هذا البلد.

لهذا لا نستغرب أن يقود الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش؛ جهدا أممياً واسعاً يهدف إلى إقناع الإدارة الامريكية بالتراجع عن قرار وشيك قد يصنف الحوثيين ضمن قائمة الإرهاب، وأن يدفع بمدير برنامج الأغذية العالمي، ديفيد بيزلي، للقاء وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، والذي تم الثلاثاء الماضي، لإثناء واشنطن عن تصنيف الحوثيين كجماعة إرهابية، والتحذير من أن هذا القرار سوف يعطل الجهود الإنسانية في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون.

twitter.com/yaseentamimi68