قضايا وآراء

مرسي وإسرائيل في تسريبات هيلاري.. الاختبار العملي

1300x600
لم يكن الرئيس الشهيد محمد مرسي بحاجة إلى شهادة من أحد حول موقفه المبدئي من الكيان الصهيوني، ولم يكن بحاجة إلى تأكيد حبه لوطنه وتقديمه لمصالحه العليا على كل شيء آخر، لكن تسريبات وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون مثلت تأكيدا لتلك المواقف، خاصة أنها جاءت من طرف مغاير أو حتى معاد، وكما يقولون: "الفضل ما شهدت به الأعداء.

الحقيقة التي أكدتها تلك التسريبات أن المواقف المعلنة للرئيس مرسي كانت هي ذاتها المواقف السرية التي جرت في غرف مغلقة مع هيلاري وغيرها، فقد كان الرئيس مرسي رحمه الله صاحب رؤية جديدة للتعامل مع الكيان الصهيوني، تختلف مع الرؤية التي حكمت مصر منذ زيارة السادات للقدس عام 1977 وتوقيعه اتفاقية كامب ديفيد في العام التالي، والتي حوّلت البلدين من أعداء إلى أصدقاء، لكن السنة اليتيمة للرئيس مرسي كانت خروجا عن تلك الصداقة الحميمة، حيث عاد الفتور بل والنفور، وهبطت العلاقات إلى أدنى مستوياتها.

كان هذا الشكل الجديد من العلاقة تعبيرا عن روح ثورة 25 يناير بشكل أساسي، حيث كشفت إحدى الرسائل أن المسئولين ورجال الأعمال الغربيين أصبحوا يدركون بعد الثورة المصرية أن مصر لم تعد شريكة لإسرائيل، وأن العلاقات بين الدولتين ستتغير بشكل كبير حتى وإن لم تصل إلى الحرب في المدى القريب. كما كان هذا التغير في العلاقات تعبيرا عن قناعات سياسية مسبقة للرئيس مرسي، كونه منتميا لجماعة الإخوان ذات الموقف المعروف من الكيان الصهيوني.

ولكن على الرغم من هذا الموقف الجديد الذي برز إلى السطح في أكثر من موقف، إلا أن الرئيس مرسي وبحكم مسئوليته كرئيس دولة منتخب، فإنه كان حريصا أيضا أن يجنّب مصر مغامرات ليست جاهزة لها في تلك اللحظات التي كانت لا تزال تلملم جراحها بعد ثورة كبرى أطاحت برأس النظام وكبار معاونيه، وكانت أولويتها هي البناء الداخلي وتضميد الجراح، وسد الاحتياجات الرئيسية للمواطنين.

وبالتالي، فعلى الرغم من رفض الرئيس مرسي لمعاهدة كامب ديفيد التي تحكم العلاقات المصرية الإسرائيلية، إلا أنه لم يعمد لإلغاء هذه المعاهدة خلال سنة حكمه، بل أبدى التزاما بكل ما وقعته الدولة المصرية من اتفاقات ومن بينها كامب ديفيد، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب لإمكانية تعديل المعاهدة (حسب الرسائل) بما يحفظ السيادة والكرامة المصرية، وبحيث يتمكن جيش مصر من وضع قوات وطائرات هليكوبتر في سيناء على أساس دائم. وذلك رغم معرفته بأن هذا الأمر صعب قبوله من الإسرائيليين بسهولة، أو عرض الاتفاقية على استفتاء شعبي لإلغائها، ليكون هذا هو موقف الشعب وليس فقط الحاكم.

لعل الاختبار الأبرز الذي واجهه الرئيس مرسي في تعامله مع هذا الملف الشائك هو العدوان على غزة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، حيث صرخ الرئيس في خطاب عام: "لن نترك غزة وحدها"، وسارع إلى إيفاد رئيس وزرائه هشام قنديل إلى غزة وسط القصف بهدف وقف العدوان، ولو مؤقتا كما تشير إحدى الرسائل المسربة للمستشار الخاص بهيلاري كلينتون، سيدني بلومنتال، والذي نقل في رسالة أخرى عن مصدر مطلع أن الرئيس مرسي يعتبر أنه إذا استطاع أن يوقف العدوان الإسرائيلي على غزة، فإن ذلك سيكون من أكبر إنجازاته، وهذا ما صدقته الأحداث بعد ذلك.

لم تأت الرسائل المسربة بأكثر مما ورد في المذكرات المنشورة لهيلاري كلينتون "خيارات صعبة"، والتي تضمنت تفصيلا كاملا للقاءات كلينتون مع الرئيس مرسي خلال أزمة العدوان على غزة، والمساعي المشتركة لوقف العدوان التي نجحت في نهاية المطاف وعدت انتصارا للرئيس مرسي، وخرج أهل غزة للاحتفال به، فهذه هي المرة الأولى التي تتدخل فيها مصر لوقف عدوان إسرائيلي بهذه السرعة والكفاءة، وهذه هي المرة الأولى التي تجد فيها إسرائيل نفسها مضطرة لوقف عدوانها الذي جيشت له عشرات الآلاف من قوات الاحتياطي لاجتياح غزة.

ولمعرفة اختلاف موقف مصر بين عهدين، علينا أن نتذكر أن العدوان الأول على غزة في 2009 جرى الإعلان عنه من قلب القاهرة على لسان وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني، في لقائها مع وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط الذي لم يظهر أي غضب، ولكن رسائل كلينتون المسربة جاءت لتقدم المزيد من التوضيحات والتأكيدات على موقف مرسي الصلب من العدوان على غزة.

كان الموقف من غزة هو الاختبار الأكبر للرئيس مرسي، وقد نجح فيه باعتراف الأمريكان أنفسهم، حيث وصفت هيلاري في مذكراتها الرئيس مرسي بأنه "سياسي استثنائي قذفه التاريخ من الغرفة الخلفية إلى كرسي الرئاسة منكبا بطرائق كثيرة على تعلم سبل الحكم من النقطة صفر، فيما الأوضاع متأزمة جدا". كما أبدت هيلاري ارتياحها إلى اهتمامه بأن يكون صانع صفقات أكثر من ميله إلى "الغوغائية" (تقصد صفقة التسوية في غزة مثالا).

العلاقات مع إسرائيل لم تقتصر على موضوع غزة، بل تضمنت أيضا التعامل مع الوضع الملتهب في سيناء، وقد كان في بدايات التهابه في ذلك الوقت، وكانت ذروة الالتهاب في قتل 16 مجند مصري خلال الإفطار في أحد أيام رمضان (5 آب/ أغسطس 2012)، وهو الموقف الذي تعامل معه الرئيس مرسي بحسم، حيث أقال القيادات العسكرية المسئولة، سواء في المخابرات العامة أو الجيش، وفي الوقت نفسه وجدها فرصة لتعديل اتفاقية كامب ديفيد لتسمح بوجود قوات مصرية كاملة التسليح في كل مناطق سيناء على خلاف نصوص الاتفاقية الحالية، لكن القدر لم يمهله لإجراء هذا التعديل كحد أدنى أو كخطوة أولى لإنهاء تلك الاتفاقية المرفوضة شعبيا، والتي كان الرئيس مرسي يخطط لعرضها على استفتاء شعبي في وقت لاحق حين تستقر الأمور، وحتى يتم الوصول إلى تلك المرحلة فقد منح مرسي قيادة الجيش الحرية في التعامل مع الأوضاع في سيناء.

ومن هنا، ظهر في رسائل هيلاري أن السيسي والعصار كانا على صلات جيدة بنظرائهما الإسرائيليين، وأن القوات الخاصة المصرية كانت في تعاون مع القوات الخاصة الإسرائيلية، لكن الرسائل لم تقل أن ذلك كان بتعليمات من مرسي.

twitter.com/kotbelaraby