قضايا وآراء

سباق أمريكي ـ روسي نحو الأكراد

1300x600

مع انسداد الأفق السياسي في سوريا، بدأت الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة في الملف السوري إعادة ترتيب أوراقها، ليس من أجل خلق شروط جديدة في الميدان بعد الاحتباس العسكري ـ الجغرافي، وإنما من أجل خلق موازين قوى جديدة قد تؤثر في المشهد السياسي والعسكري لاحقا.

في ظل حالة الستاتيكو العسكري والسياسي، اتجهت موسكو وواشنطن إلى الورقة الكردية، باعتبارها الورقة القادرة على تحريك المياه الراكدة.

 

الرؤية الأمريكية

بالنسبة للولايات المتحدة، فقد آن الأوان لتحويل القوة الكردية من قوة عسكرية إلى قوة سياسية واقتصادية قادرة على مواجهة النظام وروسيا، مع ما يتطلبه ذلك من ضرورة فتح الأبواب على مصراعيها بين القوة الكردية والمعارضة السورية.

لتحقيق إدخال القوة الكردية ـ المُعطلة على المستوى السياسي ـ إلى معترك السياسة من بوابة ملف الدستور ومنصة جنيف، يتطلب الأمر أولا إنهاء الخلاف الكردي ـ الكردي، عبر إجراء شراكة فاعلة بين حزب "الاتحاد الديمقراطي" و"المجلس الوطني الكردي" أحد مكونات الائتلاف الوطني، لتحقيق جملة من الأهداف:

ـ تهيئة دخول حزب "الاتحاد الديمقراطي" الكردي إلى المجال السياسي كشريك للمعارضة عبر بوابة "المجلس الوطني الكردي".

ـ مشاركة "المجلس الوطني الكردي" في إدارة المناطق الذاتية مع حزب "الاتحاد الديمقراطي"، الأمر الذي سيجعل البنى الداخلية الحاكمة على الأرض موزعة بين ثلاث قوى (الاتحاد الديمقراطي، المجلس الوطني، العرب)، مما يجعل اتخاذ القرارات الاستراتيجية غير أحادية.

ـ محاولة قطع أواصر العلاقة بين "الاتحاد الديمقراطي" وحزب "العمال الكردستاني" أو تخفيفها للحد الأدنى بما يجعل تأثير "العمال الكردستاني" معدوما في الجغرافية السورية.

ـ إحداث تقارب بين "الاتحاد الديمقراطي" وتركيا بما يمهد الطريق لإنهاء حالة التوتر القائمة، وفي أسوأ الأحوال، سيمنع التقارب الكردي ـ الكردي من دفع تركيا إلى شن عمليات عسكرية جديدة في مناطق الجغرافيا الكردية.

أدركت روسيا الخطوات الأمريكية منذ اللحظة التي عقدت فيها الولايات المتحدة اتفاقا مع "الإدارة الذاتية" حول بيع النفط السوري، ولذلك سارعت روسيا إلى فتح مسار سياسي مع "الاتحاد الديمقراطي" بعدما فشلت في الحصول منه على تنازلات عسكرية واقتصادية لصالح النظام السوري.

رتبت روسيا لإجراء تفاهم سياسي بين "مجلس سوريا الديمقراطية" الجناح السياسي لـ "قوات سوريا الديمقراطية" وبين حزب "الإرادة الشعبية" برئاسة قدري جميل المدعوم من قبل موسكو.

من الناحية العملية، لا يحقق هذا الاتفاق أو التفاهم أي قيمة سياسية للطرفين السوريين، فلا "مجلس سوريا الديمقراطية" قادر على إعطاء حزب "الإرادة الشعبية" فرصة سياسية، ولا الأخير قادر على منح المجلس فرصة وشرعية سياسية.

 

أهداف روسية


الغاية من التفاهم هي تحقيق أهداف سياسية لروسيا، وهذه الأهداف تتمثل في ما يلي:

ـ رسالة سياسية روسية لـ "الاتحاد الديمقراطي" الكردي مفادها أن موسكو وحدها القادرة على إدخال الحزب في معترك السياسة، وبالتالي ثمة مصلحة للأكراد بالانفتاح عليها.

إن هذا الأمر سيسمح لروسيا بمتابعة مساراتها السياسية بعيدا عن مسار جنيف، خصوصا بعدما انتهى دور مساري أستانا وسوتشي، ولهذا، فإن موسكو بحاجة إلى مسارات فرعية أو ثغرات سياسية فرعية تبقيها داخل الحلبة السياسية.

ـ من شأن التفاهم مع "الاتحاد الديمقراطي" أن يعطي قوة لحزب "الإرادة الشعبية" المدعوم من روسيا ويعبر عن رؤيتها للحل، فضلا عن أن هذا التفاهم إذا ما تطور قد يشكل قوة في مواجهة المعارضة السورية المدعومة من تركيا.

 

تدرك روسيا، أن الظروف الحالية لا تسمح للقوى الكردية بترك الولايات المتحدة والانفتاح نحوها، لكنها بالمقابل تعول على متغيرات مستقبلية في الموقف الأمريكي كما جرى سابقا، حين سحب ترامب القوات الأمريكية من الشريط الحدودي مع تركيا العام الماضي.

 


ـ من شأن التفاهم مع "الاتحاد الديمقراطي" أن ينعكس إيجابا على بعض المسائل الداخلية المشتركة بين الأكراد والنظام السوري، وفي هذا تأمل روسيا أن تلين بعض مواقف "الاتحاد الديمقراطي".

تدرك روسيا أن القوة الكردية الداخلية هي ميزان القبان في أي حل مستقبلي لسوريا، سواء على صعيد الترتيبات العسكرية الجغرافية، أو على صعيد الترتيبات السياسية، ولا يمكن لها أن تترك الورقة الكردية بيد الولايات المتحدة وحدها.

كما تدرك روسيا، أن الظروف الحالية لا تسمح للقوى الكردية بترك الولايات المتحدة والانفتاح نحوها، لكنها بالمقابل تعول على متغيرات مستقبلية في الموقف الأمريكي كما جرى سابقا، حين سحب ترامب القوات الأمريكية من الشريط الحدودي مع تركيا العام الماضي.

ولذلك، فإن السياسة الروسية حيال القوى الكردية الداخلية تتمتع بالهدوء والروية واعتماد سياسة الخطوة خطوة حتى تحين اللحظة الممكنة.

وأمام هذا التنافس الأمريكي ـ الروسي، يضع حزب "الاتحاد الديمقراطي" ثقله في السلة الأمريكية، من دون أن يغلق الأبواب أمام موسكو، فدرس العام الماضي كان أليما عليهم.

*كاتب وإعلامي سوري