قضايا وآراء

قوى الحياة وقوى الموت في الشعوب العربية

1300x600

لا شك في أن دواعي الإحباط وافرة في الوطن العربي، فالأنظمة المعادية لتطلعات الشعوب قد علت علواً كبيراً، والثورات الشعبية التي أحيت الأمل في نفوس الناس بقدرتهم على حكم أنفسهم بأنفسهم وبناء أوطانهم قد أجهضت، وأعيدت الشعوب مرةً ثانيةً إلى ممالك الخوف والترهيب.. مصر منهكة، وتونس ضعيفة، وليبيا واليمن وسوريا والعراق ممزقون، والأطماع الإقليمية والدولية قد غرّها هواننا، وقاطرة التطبيع مع الكيان الاستعماري الصهيوني قد تسارعت في استهانة بالغة بإرادة الشعوب ومشاعرهم.

هذه الأسباب وغيرها أظهرت قوى التأقلم والتعايش، وبدا لوهلة أن التيار الغالب في هذه الشعوب قد اختار طريق السكوت والواقعية السلبية، وأن الثورة هي فكرة نخبوية تختص بها قلة من الحالمين السياسيين والأيديولوجيين في السجن أو في المنفى. ومع غياب صوت الشعب علت أصوات الإمّعات المسبحين بحمد أولياء نعمتهم من السلاطين؛ يزينون للناس معاني الرخص والهوان، واغتمَّ الأحرار لهذا الحال غماً شديداً، ولم يجدوا في وسعهم أكثر من إبداء الأسف وهم يرون هوان أمة أوتيت من أسباب الكرامة والقوة ما تستحق به مكاناً محترماً بين الأمم.

لكن الفصل الأخير من التاريخ لم يكتب بعد، والله يُجري الأقدار ليحق الحق ويبطل الباطل. وإن من تقدير الله القهار أن تدبير الظالمين يرتد إلى نحورهم، وأن مكرهم السيء لا يحيق إلا بهم، فهم يعملون ضد أنفسهم، وهم يحرضون في الناس دوافع الرفض وإرادة الحياة، لذلك لا يكتفي الظالمون بأن يسلبوا إرادة الناس وأن يستعبدوهم ثم يدّعون لهم الحياة المستقرة بعد ذلك لينشغلوا بها عن إرادتهم السليبة، بل إن الظالمين من حمقهم أن يزاحموا الناس في أشد ضرورات حياتهم، حتى يضطروهم إلى الإيمان بأن الحياة غدت مستحيلةً، وأن التأقلم ليس خياراً خاطئاً بالمعيار الأخلاقي وحده، بل هو خيار مستحيل واقعياً ونفعياً، فكيف يسع المرء أن يتأقلم إذا حرم من المياه النظيفة ومن الصحة ومن المسكن ومن توفير قوت عياله؟!

لو أن الظالمين يسلبون من الناس حريتهم ثم يفتحون لهم أبواب الحياة الرغيدة بعد ذلك، لكانت فتنة في الأرض وفساد كبير، ولتزينت العبودية في نفوس ضعفاء النفوس ولرضوا بحياة البهائم، يأكلون ويشربون ويتمتعون، ولشاعت بينهم تنظيرات الهوان؛ أن انشغلوا بطعامكم ومتعتكم ودعوا عنكم ما بعد ذلك، لكن كيانات الظلم تحمل في بنيتها الداخلية بذور الإفساد، ولا يستقيم أن تحمل مشروعاً تنموياً حقيقياً يعم نفعه البلاد والعباد، لأن التنمية نقيض الظلم، فكيف لمن تغذى في سلطته على امتهان كرامة الناس وانتهاك حقوقهم ونهب ثروات البلاد، وعلى تقريب طبقة يقتسمون معها المنافع والامتيازات، أن يتمثلوا هموم المكدوحين، وأن تتجرد عقولهم للتفكير في منافع العباد والحرص على إعطائهم حقوقهم، لذلك فإن تخبط الظالمين متجانس تماماً مع البدايات، وهو تمادٍ في العماية وزيادة في الطغيان: "ونذرهم في طغيانهم يعمهون".

إن سلب إرادة الناس ليس أمراً هيناً كما قد يبدو، لأجيال طال أمد معايشتها لواقع تظن فيه أن حرية الرأي ترف، وأن إعطاء الحاكم لها شيئاً من حقوقها منّة تستحق أن يشكر عليها، وأن يمنح الولاء الأعمى مقابلا لها.

سلب الإرادة يعني الاستعباد، يعني اتخاذ الناس بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، فتظن طبقة المستكبرين أن لها حقوقاً فوق حقوق الناس تؤهلها لأن تتصرف في حياتهم ومصائرهم دون إشراكهم في أمرهم، وأن طبقة المستضعفين ليس عليها سوى الطاعة والتسليم.

سلب الإرادة يعني الشرك والفرعونية: "أنا ربكم الأعلى". والفرعونية ليست كلمةً صريحةً تقال، بل هي حال القلب والواقع. فكل قوي متنفذ ظن في قرارة نفسه وصدّقت أفعاله ذلك الظن أن له من الحقوق والامتيازات فوق حقوق عامة الناس وامتيازاتهم، فذلك عين الفرعونية.

لذلك فإن الله تعالى الذي يحق الحق ويبطل الباطل قد أبت حكمته وتقديره أن تصفو الحياة وتدوم لطاغية يزاحم الإله في كبريائه وسلطانه، ولو حدث ذلك لاختل ميزان السماوات والأرض: "لقد جئتم شيئاً إدَّاً تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً". لذلك فقد أودع في طوية هذا الإنسان سراً يستعصي على الترويض: "ونفخت فيه من روحي"، هذا الأثر من روح الله هو الذي يتمرد على العبودية لغير الله، وهو الذي يؤثر الحرية على حسابات المنفعة ويأبى أن يقايضها برفاهية المعيشة، هذا الأثر من روح الله يخبو أحياناً من الدهر لكنه لا يموت، وكيف يموت ما هو إلهي! هذا الأثر هو الذي يفسر كيف تهاوت أعتى الأنظمة وأشدها بطشاً أمام غضب الفقراء المهمشين الذين لم يكن الطغاة يرونهم شيئاً!

الثورة ليست سوى لحظة تتجلى فيها روح الله في الإنسان فتحطم أغلال العبودية، فيعلم الناس أن روح الله أقوى وأبقى من كل ممالك القوة وأسباب الهيمنة: "فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك".

لقد حدث هذا ألف مرة في التاريخ، فلماذا قد نظن أنه لن يحدث ثانيةً، وأن الطغاة المحدثين أفطن من أسلافهم وأنهم محصّنون من مصائرهم؟ "وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ"، "ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً".

وإن من تمام تدبير الله تعالى أن يأتي الظالمين من حيث لم يحتسبوا، وأن يسلط عليهم أهون الأسباب إمعاناً في إذلالهم والمكر بهم. إن التفسيرات الجاهزة تميل دائماً إلى رسم "توقع بريستيجي نموذجي" لصيرورة الأحداث، لكن حركة الشعوب أوسع من حصرها في تلك التوقعات الجاهزة، إذ إنها تعبير عن إرادة الله غير المحدودة. ففي حين يحتسب الطاغية أن يأتيه الخطر من المثقفين يفاجئه مكر الله بأن يأتيه من العامة البسطاء، وحين يسحق قوى المعارضة السياسية ويظن أنه قد أمن بخلو الساحة، تفاجئه الأقدار بأن الخطر كامن في تلك القواعد العريضة المهمشة التي لا تكاد تعرف شيئاً عن الأحزاب ونظريات السياسة، وحين يأخذ حذره من ثورة المدن تندلع الثورة في الأرياف والقرى، وحين قتل فرعون أطفال بني إسرائيل مخافة أن يظهر فيهم عدوه أنبت الله موسى في قصره إمعاناً في السخرية منه!

إن مجيء الأقدار من خارج القوالب المتوقعة هو برهان على تجدد الحياة وحيوية الإنسان، وهو حماية لنا من الوقوع في تصنيم الأشخاص والهيئات. فالقوالب أصنام إذا ركن الإنسان إليها وعطل التفكير خارج حدودها، وكثيراً ما يودع الله سره فيمن لا يلقي لهم الناس بالاً، الذين إذا حضروا لم يُعرفوا وإذا غابوا لم يُفتقدوا.

تلك اللحظات التي يعلو فيها صوت الشعوب المثقلة من أغلال الظلم والاستعباد هي لحظات ممتلئة بالهيبة والقداسة، إنها لحظات انبعاث الروح من حطام اليأس وإعلان الحياة بعد الموت. الشعوب هي سيدة المكان والزمان، إذا حضرت تبددت مكائد الشيطان وتعدَّل مسار التاريخ. لا شيء يستحق الفرحة في وطننا العربي المثقل بالأحزان أكثر من لحظة يسترد فيها الناس حقهم في التعبير عن أنفسهم وفي السيادة على أوطانهم، ويقفون بنديَّة وثبات في مواجهة الطامعين الذين ظنوا أن هذه الأمة قد ماتت، فتداعوا عليها يتقاسمون تركتها وينهبون خيراتها ويمعنون في إذلالها.

هل أنا في عجلة من أمري أم أني قد أفرطت في التفاؤل؟ لا يهم، فالمسألة مسألة مبدأ لا ينال منها تقدم الزمان قليلاً أو تأخره: "ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله"..

 

twitter.com/aburtema