كتاب عربي 21

عن خطة "السلام الاقتصادي" بأموال إماراتية المحكومة بالفشل!

1300x600

أدى فشل محادثات "كامب ديفيد" عام 2000 إلى إنهاء حلم الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بإقامة دولة فلسطينية مستقلة بناء على اتفاقات أوسلو، وهو ما تسبب بشكل غير مباشر باندلاع انتفاضة الأقصى بعد انهيار أحلام الدولة. انتهت أحداث الانتفاضة الأشد في تاريخ الصراع الفلسطيني مع الاحتلال عمليا إلى خطة الانسحاب الأحادي لشارون، الذي قرر الانسحاب من قطاع غزة بشكل كامل، وكان يخطط للانسحاب الجزئي من بعض مستوطنات الاحتلال في الضفة الغربية، وبدأ بناء الجدار العنصري العازل، ولكن خطته لم تكتمل لأسباب تتعلق بالصراعات الحزبية "الإسرائيلية" وخروجه من منصب رئيس الوزراء عام 2006.

مشروع "السلام الاقتصادي"

تزامن فشل خطة "فك الارتباط" الأحادي مع توقف الانتفاضة الفلسطينية، ووصول الرئيس محمود عباس لرئاسة السلطة، فعادت "أوهام" السلام من جديد، ولكنها كانت هذه المرة تركز على الاقتصاد بدلا من السياسة، وصار الهدف الأمريكي "والإسرائيلي" منصبا على ما يعرف "بالسلام الاقتصادي"، وهو مشروع عمل عليه بجدية رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، الذي أصبح فيما بعد مبعوثا للرباعية الدولية المعنية "بالسلام في الشرق الأوسط".

بنيت فكرة "السلام الاقتصادي" على وهم إنهاء الصراع عبر الاقتصاد بدلا من السياسة والسيادة والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، فلا مكان هنا للدولة المستقلة ولا للقدس ولا لعودة اللاجئين، إنما كيان يحمل "شكل الدولة" دون سيادة على الحدود ودون قوة وبالتأكيد دون سيطرة على الحدود والعلاقات الدولية. في هذا المشروع ينظر للفلسطيني على أنه "كائن مستهلك" وليس مواطنا يريد حقه بوطنه وبالسيادة على هذا الوطن، ويتم التعامل معه بمنطق الرشوة، من خلال تحقيق رفاه اقتصادي وبحبوحة نسبية بالحياة ولكن دون طموحات وطنية، وبذلك فقد ولد المشروع ميتا، فالفلسطيني مثل غيره من البشر يريد رفاها اقتصاديا، ولكنه يريد قبل ذلك وطنه وحريته وكرامته.

وجدت فكرة "السلام الاقتصادي" صدى معينا عند السلطة الفلسطينية، وإن كان طموحها مختلفا عن جوهر المشروع، فهي تريد رفاها لمواطنيها، وتسعى لبناء مؤسسات حكم رشيد، ولكنها في نفس الوقت تريد حدا أدنى مقبولا من الحقوق الوطنية. ومع ذلك فقد تعاملت مع الفكرة وفق حسابات "حقلها" لا حسابات "بيدر" الاحتلال وتوني بلير. وفي هذا الإطار كان مشروع "بناء المؤسسات" قبل الدولة الذي تبناه رئيس وزراء السلطة السابق سلام فياض جزءا من خطة "السلام الاقتصادي"، بل إن فياض أتي به لمنصبه لهذا الهدف تحديدا، ولكنه فشل ولم ينجح في فكرة "بناء المؤسسات" لأنها فكرة ساقطة منطقا، وتريد وضع العربة أمام الحصان، فالمؤسسات لا تؤسس الدول، بل الدولة هي التي تبنى المؤسسات وتزدهر بها وعبرها، ولكن لا يمكن أن يبدأ البناء من فوق إلى أسفل!

لم يتأخر تبني مشروع "السلام الاقتصادي" تجاه قطاع غزة كثيرا، فبعد فشل الاعتداءات الصهيونية عبر ثلاثة حروب في إسقاط حكم حركة حماس في القطاع، صار التفكير يتجه جديا نحو تطبيق المشروع ولو بشكل مباشر. لم يعد الاحتلال يسعى عمليا لإسقاط حكم حماس في القطاع بعد الاعتداء الوحشي عامي 2008 و2009، لأسباب كثيرة، أهمها أن إسقاطها سيتطلب خسائر بشرية كثيرة وسيتسبب بمأزق عالمي سياسي بسبب حجم الخسائر المتوقعة في صفوف المواطنين الفلسطينيين، كما أن الاحتلال صار متقبلا للوضع في غزة مع محاولة تقليل الاشتباك بين جنوده وبين المقاومة الفلسطينية باعتباره يمثل فصلا سياسيا ووطنيا وجغرافيا مع الضفة الغربية، ولكن السبب الأهم هو أن الحصار أصبح أداة لفرض "سلام اقتصادي" على القطاع ولو بشكل غير مباشر.

وفق هذه المعادلة، صار الاحتلال يقدم "جزرة" التخفيف من الحصار مرة ويرفع "هراوة" التشديد مرة أخرى لتحقيق أهداف سياسية. صحيح أن الوضع يختلف جوهريا في قطاع غزة عن الضفة الغربية من ناحية عمل حماس على بناء قوة مقاومة وفق الظروف المتاحة وتحقيق نجاحات معقولة في هذا الجانب، ولكن في النهاية فإن الهدف الاستراتيجي صهيونيا واحد في كل من الضفة والقطاع: استخدام الاقتصاد لوقف الاشتباك بين الشعب الفلسطيني والاحتلال، فلا حقوق أساسية في العيش بالحد الأدنى المقبول اقتصاديا لأي إنسان فلسطيني دون ثمن سياسي، وهو ما يعني تطبيق "السلام الاقتصادي" بالإكراه والحصار والتحكم بأموال المقاصة للسلطة، وهو ما حول المشروع عمليا إلى "أمن إسرائيل مقابل الاقتصاد" بدلا من السلام الاقتصادي.

مشروع الوهم الإماراتي المحكوم بالفشل

ثمة أسباب وتفسيرات كثيرة لاتفاق التطبيع بين الاحتلال والإمارات، تناولناها بتوسع في عدة مقالات في "عربي21"، ولكن تفسيرا آخر يستحق التوقف عنده، وهو محاولة تطبيق "السلام الاقتصادي" بأموال إماراتية.

على الصعيد الإماراتي تم الحديث كثيرا عن أهمية الاتفاق في تقوية العلاقات التجارية بين الاحتلال وأبو ظبي، وهي علاقات لم تتوقف منذ عقدين أصلا، ولكن الاتفاق يسعى لجعلها فوق الطاولة بعد أن ظلت تحتها لمدة طويلة. والحديث هنا حسب التصريحات الإماراتية والصهيونية عن التعاون في مجالات التقنية المتفوقة والموانئ وحركة الطيران، وربما ستشمل أيضا قطاع الطاقة.

ولكن الأمر لا يتوقف على علاقات الإمارات بالاحتلال اقتصاديا، والترويج للفكرة الساقطة منطقيا حول اعتبار الاقتصاد بوابة للسلام بين العرب والاحتلال، وكأن الصراع بين الطرفين كان على قضايا تجارية! بل إن الإمارات والاحتلال يسعيان كما يبدو إلى اعتماد نفس المنطق على الصراع بين الشعب الفلسطيني وبين الاحتلال، وهو ما توكده تصريحات وزير الاقتصاد الإماراتي عبد الله بن طوق المري لصحيفة "غلوبس" العبرية، والتي قال فيها إن بلاده قدمت عرضا استثماريا كبيرا للسلطة الفلسطينية، بهدف محاولة إعادتها إلى طاولة المفاوضات، مشيرا إلى أنه "من المهم أن يفهم الفلسطينيون أنه على مدار التاريخ شجعت العلاقات التجارية والاقتصادية السلمية السلام، وهذا هو المبدأ الذي استندت إليه أبوظبي في تحركاتها الأخيرة"، داعيا في الوقت ذاته "رجال الأعمال الفلسطينيين للتقدم وقيادة الخطوة، على أمل أن تنضم حكومة رام الله لاحقا".

لا يجب أن تمر هذه التصريحات دون تدقيق، إذ إنها تعني بشكل واضح أن أبو ظبي ستسعى للوصول لرجال الأعمال الفلسطينيين دون المرور بالسلطة التي رفضت اتفاق التطبيع، بهدف وضعها تحت الأمر الواقع وجرها لمربع مشروع "السلام الاقتصادي"، حيث يتحول المشروع الوطني التحرري الفلسطيني إلى سلعة في بورصة العلاقات الصهيونية الإماراتية.


يبدو أن الاحتلال لا يتعلم من فشل تجاربه السابقة بتطويع الشعب الفلسطيني، والمؤكد أن الوهم الإماراتي قد تضخم لدرجة مرضية، جعلت وزير اقتصادها يعتقد أنه قادر على إنهاء أحلام التحرر الفلسطيني من خلال "رشوة" بعدة مشاريع استثمارية.


الفلسطيني يريد الرفاه الاقتصادي بدون شك، ولكنه يريد قبل ذلك وطنا وحرية وكرامة، وهذه أشياء لا تشترى لا بأموال إماراتية، ولا بأوهام صهيونية، ولهذا فإن مشروع "السلام الاقتصادي" محكوم بالفشل!