أخبار ثقافية

محمود درويش.. سؤال الشعر وتأزم الواقع

هيمن التصور الماركسي التقليدي للأدب على فكر درويش في مراحله المبكرة- أ ف ب

لم يكن من الغريب أن تشيع الواقعية الاشتراكية في الأدب العربي، تبعا لهيمنة الماركسية أو المادية التاريخية، منتصف القرن الماضي، بتأثير الظروف الاجتماعية والسياسية التي شهدها الواقع العربي، التي تطلبت أدبا يتسم بالالتزام القومي والثورية في مواجهة الاحتلال الصهيوني، والاستغلال السياسي والاجتماعي الذي يواجهه الإنسان العربي والفلسطيني بوجه خاص.

والناظر في بواكير تجربة درويش، سواء في كتاباته النقدية أو إبداعه الشعري، يجده، يصدر عن تصور واقعي اشتراكي للأدب، يستند في مرجعيته الفلسفية إلى الماركسية أو المادية التاريخية تبعا لذلك، نجده، في هذه المرحلة، مشبعا بالروح الاشتراكية وما يندرج فيها من فكر ثوري ينهض على فكرتي الالتزام والمقاومة.

 

ويتضح هذا التصور في قوله: "إن الشعر جزء من البناء الفوقي للهرم الذي تتألف قاعدته من الحياة الاقتصادية والاجتماعية.. والعلاقة بين البناء الفوقي والقاعدة ليست جامدة، بل متحركة خلاقة".

 

وفي تعريف آخر يحدد الأدب استنادا إلى نظرية الانعكاس، أحد تجليات الواقعية الاشتراكية، بقوله: "فإن الأدب، بما فيه الشعر هو انعكاس، غير فوتوغرافي، عن الطبيعة، وفي الطبيعة يوجد المجتمع، فمن البداهة أن يكون الأدب انعكاساً عن المجتمع.. ليس هناك إنسان يوجد في غير هذا المجتمع الإنساني. ولهذا لا تستطيع تجريد الأدب من الاجتماعية التي تلزمه بشكل موضوعي لا يقبل الجدل".


وواضح هيمنة التصور الماركسي التقليدي للأدب على فكر درويش في مراحله المبكرة، الذي يرى في الأدب، والفن عموما، جزءا من البنية الفوقية للمجتمع، المتمثلة بالجانب المادي، الذي يعد العامل الحاسم والجوهري في تحديد طبيعة الأدب، كما يغدو الأدب انعكاسا للواقع وتعبيرا عن قضايا المجتمع.

 

اقرأ أيضا : سميح القاسم .. رحل "منتصب القامة"

 

ولكنه، بحسب ماركس، ليس انعكاسا آليا، أو مجرد محاكاة للواقع؛ نظرا لأن العالم الواقعي يختلف عن العالم الذي يصوره الأدب، والفن عموما، فالأديب يغوص في أعماق الواقع، بظواهره وطبقاته وأشخاصه، ليعبر عنها تعبيرا فنيا، بما يمتلكه من ذاتية وعي وقوة تصوير.

 

ونظرا لأن الواقع الخارجي، في جوهره، يتسم بالتحول الدائم، فإن الشعر، بوجه خاص، يسارع إلى تجديد مضامينه استنادا إلى طبيعة العصر والموضوعات الاجتماعية التي يفرزها.

على مستوى آخر يرصد درويش حضور الواقعية الطاغي، ممثلة بالشعر الثوري، في الشعر العربي الحديث، ويذهب إلى أنها "أبرز ظاهرة في شعرنا"، محاولا الوقوف على المسوغات التي فرضت الواقعية على الشعر العربي، لعل من أبرزها عن قدرتها على تصوير الواقع العربي وما يعانيه من انكسارات وخيبات، حيث إن الشعر الثوري "وليد المأساة التي أصابت هذا الشعب، فكان عليه أن يكون رد فعل، ونتيجة حتمية لما أصابتنا من نكسات واعتداءات على كرامتنا وحريتنا. ودمنا، فكان الشعر الصوت الأول في الأدب الذي ارتفع في بلادنا معبّراً عن مأساتنا".

ولهذا كله، يذهب إلى أن الواقعية ضرورة لازمة للشعر العربي، إذ تمثل المذهب الفكري والأدبي الذي يتناسب مع الشعر العربي المعاصر وطبيعة المرحلة التاريخية التي أفرزته. لذا فقد "كان على الأدب أن يمشي في طريق الثورة، وكان الطابع الخاص بشعرنا هو الثورية".

يبدو درويش، منذ بدايات تجربته، شديد الاحتفاء بفكرة الالتزام من خلال تشديده على المضمون الاجتماعي للشعر، ورفضه القاطع لتغييبه.

 

وفقا لذلك، فالشعر ينهض بدور تنويري تحريضي، من خلال بث قيم الحرية والخلاص للناس، وتجاوز وضعية الركود والتخلف الاجتماعي والثقافي الذي يهيمن على المجتمع، ونجد أصداء لهذا الدور في قصائد درويش الأولى:

قصائدنا، بلا طعم، بلا لون، بلا صوت
إذا لم تحمل المصباح من بيت إلى بيت

فالشاعر، هنا يحمل عقيدة تنويرية يحاول أن يوصلها إلى المجتمع، فهو يحمل في أعماقه الدفينة، كما يرى كيتس، شهوة لتغيير العالم، بانحيازه إلى محاولة صياغة الواقع على صورة جديدة تخلصه من رواسب العبودية الساكنة بين جنباته، ولا يخلصها إلا الفكر الجديد القائم على الثورة السياسية والاجتماعية.

وفكرة الالتزام، لدى درويش، تتجاوز دائرة الاهتمام بالقضايا الوطنية والقومية إلى الإطار الإنساني الواسع، فهو خطاب للإنسان أيا كان جنسه وعرقه، فنجده يتساءل: "وما هو دورك، أيها الشاعر العربي، في معركة الدفاع عن الجنس البشري من خطر الفناء" ويؤكد، في هذا السياق، عن دور الشاعر العربي في إجلال السلام، ومنع الحروب، والبحث عن الحرية للكائن البشري، وحمايته من السقوط في الخطر الشامل الذي يواجه البشر. إن الشعراء منذورون للإنسان، أيا كان، وهم "مشغولون في البحث عن قطرة ماء وحفنة قمح للجائعين، وعن أسماء جديدة للوردة".

ومن الواضح أنه، في هذا الفهم، يوسع مفهوم الواقعية كما تطرحه الأدبيات الماركسية التقليدية، التي ترى أن الأديب عضو في جماعة وأنه ينتمي إلى طبقة، وأن لا وجود للفرد المطلق، لأن الفرد خارج المجتمع هو خارج نفسه.

 

تبعا لذلك، تحولت الفلسفة الواقعية الاشتراكية، في كثير من الأحيان لدى معتنقيها، إلى عقيدة تقريرية فقدت مرونتها، وركز كثير من معتنقيها على الجوانب الاقتصادية، وأهملوا شخصية الكاتب وذاته، بالرغم من أن ماركس ذاته لم يغفل الجانب الفردي للتجربة الفنية. ومن شأن حصر الشعر في إطاره الضيق، في نظر درويش، أن يلحق الأذى بشعرية الشعر، ويفضي إلى تراجعه وانحساره.

على أننا نشهد مع تطور وعيه الفكري والإبداعي، حضورا أوسع للذاتية، التي تبلورت بشكل واضح في المرحلة الأخيرة من تجربته، حيث بلغت فيها النزعة الذاتية ذروتها، في محاولة منه للتحرر النسبي من هيمنة الجماعي والانحياز نحو الفردي، في سياق فلسفي تجلى في الحوار العميق مع أسئلة الوجود.

سؤال الشعر وتأزم الواقع

 
نشهد فهم الواقعية المتجدد لدى درويش، منذ الثمانينات على وجه التحديد، في ظل الخيبات المتكررة التي شهدها الواقع العربي والفلسطيني بوجه خاص، من الرؤية الواقعية التقليدية التي تتسم بالوثوقية في فهم العالم والقدرة على تغييره، وفي الإيمان الراسخ بحيازته جماليا، إلى رؤية غير يقينية تظللها الحيرة والغموض والعبث إزاء سطوة الواقع وعبثيته، وتسببت في إحساسه الحاد بالاغتراب الوجودي، وعدم الوصول إلى إجابة حاسمة تجاه العالم؛ نتيجة شعوره بتعقيد الواقع وعبثيته.

في ظل ذلك يمكننا تفسير ما يميز تصور درويش للواقعية طابعها المتجدد، وعدم التحجر في خطابها التقليدي، وذلك بالإفادة القصوى من المنجز الفكري والنقدي والإبداعي واستيعاب منجزات الحداثة، كما يتجلى في إبداعه الشعري، ما يؤكد صيرورة وعيه الثقافي والإبداعي في تصوره لأسئلة الواقع والشعر.

 

وقد واكب هذه التحولات اللافتة تحول في مفهوم الشعر، تحولا في الفهم الواقعي التقليدي إلى فهم متجدد يطرح أسئلة متجددة للشعر، ويرفعها من مستواها الضيق إلى حدود إنسانية وكونية شاملة.

 

وهو ما يدلل على صيرورة وعيه النقدي والإبداعي، الذي منح تجربته هذا الثراء الهائل في الرؤية والتشكيل.