أفكَار

في الفقه المالكي والواقع، الحالة التونسية أنموذجا (1 من 2)

لماذا انتشر المذهب المالكي في تونس.. الدكتور أحمد القاسمي يجيب عن ذلك.. (الأناضول)

هل من حاجة أوكد اليوم من أحكام في معاملات تواكب العصر وتحد من غربة المسلمين عن العالم وعن تحوّلاته وتيسّر عليهم التأقلم مع الوجود الخارجي من حولهم، فتدعم وحدتهم وترأب التصدعات بينهم فتجنبهم الحروب المدمرة وتبذير الثروات الوطنية في صدامات طفولية وتخلصهم من الاستبداد؟ هل من حاجة أوكد من التجديد في الفقه وباعتباره سنا لهذه الأحكام المُتعلّقة بأعمال المُكلّفين وأقوالهم، والمُكتسبة من أدلّتها التفصيليّة؟ 

نعتقد أن هذا السؤال يشغل المحافظين والمجددين والمؤمنين والعلمانيين واللادينيين في بلاد المسلمين على حد سواء لما له من صلة وثيقة بالقوانين المنظمة للحياة العامة.
 
وهل من واقع أكثر تفاعلا مع الأصالة والمعاصرة في عالمنا الإسلامي هذه الأيام من الواقع التونسي؟  فالسمات النمطية للشخصية التونسية والعوامل الحضارية والتاريخية المؤثرة فيها ومناخ الحرية التي أضحت تتمتع به تنزّل نقاشها الفكري وتعاطيها العملي مع قضاياها ضمن جدل الأصالة والمعاصرة وتجعل التعاطي مع الأحكام الشرعية بؤرة لهذا الجدل. وهل من مذهب أكثر مراعاة للمصالح وسدا للذرائع وتعاطيا مع الواقع أكثر من المذهب المالكي ـ ضمن السائد من الانطباعات على الأقل؟ فليس غريبا أن تكون تونس مالكية أولا ونقطة ارتكاز لانتشار هذه المذهب في إفريقيا عامة وفي الغرب الإسلامي خاصّة.

لا شك أن إشكالية الفقه والواقع أوسع مما نطرح في هذه الورقة. وأجدر بالإجابة أن تكون مواضيع للأطاريح الأكاديمية الكثيرة. ولكن حسبنا أن نلقي حجرا في مياه الفكر العربي الراكد وأن نسلط شعاعا من الضوء على ساحة متحركة منه يمنعنا الظلام السابح من الانتباه إليها أو الانخراط فيها. فضمن هذا الأفق نعرض التحديات التي يواجهها الفقه المالكي في تونس اليوم خاصة لما فيها من حركية قد نعدمها في أقطار أخرى. وندرس ذلك في حلقة ثانية من هذه الورقة. لأن فهم هذه الحركية وفهم صلة هذا المذهب المالكي بالسياسة باعتبارها تدبيرا للشأن أساسا، يوجبان أن يكون سياق نشأته حلقتها الأولى .

أ ـ "عمل أهل المدينة" في الفقه المالكي والتفاعل مع الواقع

1 ـ عمل أهل المدينة أصولاً من أصول الفقه المالكي

نشأ أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك في بيئة متطلعة إلى العلوم الدينية، حافظا للقرآن والحديث، متفقها في الدين. ويعد كتاب الموطأ، ذلك المصنَّف الأول في الإسلام ليجمع فيه شرائع الحلال والحرام، من أكبر آثاره التي نقلت عنه. فقد ظل يحرره مدة زمنية طويلة ليجمع فيه آلاف الأحاديث ويصنّفها على الموضوعات الفقهية المختلفة.. وإليه تنسب "المدونة" التي صنفها سحنون التنوخي وراجعها علي بن القاسم وتعدّ أهم الكتب التي حفظت مذهبه. فقد احتوت على آراء مخرجة على أصوله وأصول تلامذته.

 

 


وله مؤلفات أخرى أقل إشعاعا مثل كتابه في النجوم، وحساب مدار الزمان ومنازل القمر. ولكن لم تكن له مباحث في أصول الفقه. فهذا العلم الذي يعرّف باعتباره منهاجاً أو أصلاً مما عليه الفقه علم لاحق بالفقه نشأ مع "رسالة" الشافعي. ويعرف فضلا عن ذلك باعتباره تلك القواعد الكلية التي تُعرف بها أحوال الأدلة وإثبات مشروعيتها بالاستناد إلى آليات استنباطها، ويعرّف بوظيفته فيشار إلى انه يتخذ مسافة نقدية ليراجع نفسه ويتساءل عن أصول منهجه مداره على السؤال: كيف تستنبط الأحكام الشرعية "معرفة أحوال الأدلة الشرعية واستنباط الأحكام الفقهية من مداركها عليها". ولكن أتباعه استقصوا مدونته واستنبطوا منها الأصول التي وجهت أحكامه وألفوه ينطلق من القرآن الكريم، والسنة النبوية والإجماع، وعمل أهل المدينة، والقياس وقول الصحابي، والمصالح المرسلة، شرع من قبلنا والاستقراء، والاستحسان، والعرف والعادات، وسد الذرائع، والاستصحاب والأخذ بالأخف ومراعاة الخلاف والبراءة الأصلية والاستدلال. فكان يشترك مع بقية المذاهب في الأصول، ولكنه يختلف عنها من جهة تنويعها وحرصه على مراعاة المصالح والاستئناس بعمل أهل المدينة مما خوّل له استنباط الأحكام بفعالية كبيرة تراعي متطلبات الواقع وتلمّ بتفاصيله. 

ويحسب له، انفتاحه على الشرائع السماوية والمذاهب الأخرى، ورفض تكفير المسلمين بالذنب والهوى، وحرصه على التعايش بين الأديان، منطلقا من قناعة مدارها على أن اجتهادات الفقهاء تبقى عملا بشريا لا يرتقي إلى الكمال ولا يتغاضى عن الواقع.
  
2 ـ صلته بالمدينة

كان مالك يستند في أحكامه إلى أقضية عمر وأقضية عثمان ويستأنس بما أضيف إليهما من آثار الصحابة والأئمة. وكان لعمل أهل المدينة وقعه في تشكل مذهبه. فقد قدم المخرج المناسب لكثير من النوازل. وصحيح أن البعض يرى في هذا الأصل تحجيرا للفكر وتكليسا للحاضر ومدخلا لإضفاء هالة من القداسة على رجال من الماضي عاشوا حياتهم باعتبارهم بشرا، وتعاملوا مع قضاياهم على هذا الأساس. 

ولكن وجهة نظر أخرى تفهم هذا الأصل فهما مغايرا. فترى أن مالكا كان يعتمده بوعي وقصد وكانت له فلسفته الخاصة في ذلك. فقد كان يفتي من منطلق قناعته بأن أهل المدينة أقرب إلى النص القرآني وإلى الحديث النبوي وإلى سياقاتهما، ويذهب البعض إلى قراءة عنوان كتابه "الموطأ" باعتباره الطريق المداس من قبل الكثير، النابض بالحركة والحياة، ويجدون فيه أمارة على أصل جوهري في تشريعه واختلافا منهجيا صريحا مع الشافعي الذي كان ينزع إلى جعل كل المسائل الفقهية مطابقة للمبادئ العقلية المتعالية عن الحياة والممارسة. 

 



ومن هنا تحول "عمل أهل المدينة" إلى مصطلح وإلى أصل من أصول فقهه. فيصنفه إبراهيم العيساوي في مقالته "عمل أهل المدينة وأثره في مذهب الإمام مالك"، الوارد ضمن الأعمال الكاملة لمؤتمر الإمام مالك، 1435 ـ 2013 الجامعة الأسمرية الإسلامية إلى قسمين "أولا: ما كان عن طريق النقل والحكاية، ويسمى العمل النقلي مما اتصل بنقل الكافة عن الكافة، وعملت به عملا لا يخفى، ونقله الجمهور عن الجمهور، عن زمن النبي صلى الله عليه وسلـم.. وثانيا: ما كان طريقه الاجتهاد والاستدلال، وهو العمل الاجتهادي، وهو ما اتفق عليه أهل المدينة أو أكثرهم من المسائل الاجتهادية، والمراد به عند القاضي عياض وكثير من محققي المالكية عمل الصحابة لا غير." 

ويرى دارسوه من المعاصرين أن في هذا الأصل جمعا بين النص وعوامل تشكله. ويجدون في ذلك توجها يتعاطى مع النصوص لا باعتبارها جامدة مغلقة تتعالى عن الواقع وإنما تتفاعل معه فتأخذ السياق الموضوعي والحضاري والتداولي بعين الاعتبار. ويستشهدون بما ورد في "تراجم أغلبية" المستخرجة من "مدارك "القاضي بن عياض  بتحقيق محمد الطالبي من أن أسد بن الفرات أفرط في عرض الفرضيات من نوع "إن كان كذا وكذا" فقال له "هذه سلسلة ابنة سليسلة.. إن أردت هذا فعليك بالعراق" ويعلق عبدالحليم الجندي على الواقعة حين يوردها في أثره "مالك بن أنس إمام دار الهجرة" بقوله "إنما كره الشيخ طريقة العراقيين لإيغالهم في المسائل وكثرة تفريعهم في الرأي"..

3 ـ الإمام مالك والشأن العام

لا مناص للفقيه من التعاطي مع الشأن العام ومع السياسة باعتبارها تدبيرا له. ولم يتأخر مالك عن ذلك ولم يختلف عما وسم العقل السني من ميل إلى الجماعة ومناصرة للحاكم وتحريم للخروج عليه. وبعيدا عن القراءة السطحية التي تجد في النزعة بأسرها تجسيدا لانتهازية المثقف وتبعيته للسلطان، نعتقد أن هذا العقل كان يفكر وهو واقع تحت وطأة الفتن التي اكتوى بنارها مرارا، كحروب الردة إثر وفاة الرسول أو الاقتتال بين البيت الأموي وعلي وأبنائه وشيعته من بعده، أو كالصدام الدامي بين البيت الأموي والبيت العباسي. فضمن بنية هذا العقل كان الإمام مالك ينزع إلى موافقة الخلفاء والحكام ودعم آرائهم بكل وضوح فيما يوافق منهجه واجتهاده. 

يؤكد الباحث لخضر دلهوم ذلك ضمن مقالته "الآراء السياسية للإمام مالك من خلال الموطأ" الواردة بالعدد التاسع من مجلة البحوث العلمية والدراسات الإسلامية. ويذكر خلفية تأييده لمبدأ دفع مال للمحاربين فداءً لأسرى مسلمين من بين الأدلة على آليات عمل هذا العقل. فالأصل هو تحريم دفع المال لمن يحارب المسلمين لكونه يقوي أعداءهم ويضير بهم، ولكنه أجيز مع ذلك دفعا لضرر أكبر ومراعاة لمصالح المسلمين ومنعا لحبس أفراد يمكن أن يكونوا عماد قوة للأمة. 

وضمن هذا العقل وضمن تصور السنة للإمامة المأخوذ بفكرة وحدة الأمة حرّم الخروج عن السلطان وألزم طاعة الإمام وعدم منازعته وتجند للوقوف دون الشيعة والمعتزلة والوصول إلى السلطة. فقد كان يراهم من الفرق المبدعة. وضمن هذا العقل أيضا اصطدم بالسلطان وعاش المحنة. فقد كان محكوما بمبدإ آخر هو وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن منطلقه لم يكن يجامل الحكام. فقد ثبتت مخالفته لهم في بعض اجتهاداتهم وإعلانه لذلك. ولعل هذا ما سبب محنته على عهد أبي جعفر المنصور، في العصر العباسي سنة 146هـ، أو سنة 147هـ وفق أغلب الروايات. 

فيُذكر أنه كان يقول "ليس على مستكره طلاق"، وفُهم الأمر، وفق عمل كيدي أو تلقائيا، على أنه غمز إلى بطلان بيعة أبي جعفر المنصور. ولنفهم الصلة بين الأمرين فلابد أن نعلم أن العباسيين كانوا يكرهون الناس على الحلف بالطلاق عند البيعة. ومن ثمة منحت هذه الفتوى بعدا سياسيا وفهمت باعتبارها نقضا لبيعة من حلف بالطلاق مكرها. فتم التنكيل به. فضُرب بالسياط، وقيل "مُدت يده حتى انخلعت كتفاه" ثم عاد إلى خطته بعدها ملازما درسه متجنبا الخوض في المسألة. 

لتوازنه وثراء مصادره وميله إلى التبسيط وانصرافه عن الجدل وحرصه على تحقيق مصالح العباد وعلى وحدة الأمة في الآن نفسه، انتشر المذهب المالكي وفي إفريقية خاصة. وأسهم علماؤه في ترسيخ مبادئه. فحدث ما يشبه التبادل التعاوني. فقد منحها انسجاما دينيا ووحدة ومنحته نقطة ارتكاز لينطلق منها إلى المغرب الأوسط والأقصى والأندلس وصقلية وإفريقيا جنوب الصحراء.

 

ولا يزال تأثيره قائما إلى اليوم فيها ولا تزال الزيتونة تعمل على نشره.. ولما كان الزمن غير الزمن والسياق غير السياق طرحت تحديات جديدة على صلة بالعصر تفاعل معها بجرأة حينا ووقف دونها مترددا حينا آخر. وهذا ما نتوسّع فيه في الشطر الثاني من هذه الورقة.