كتب

صورة الحسين بن علي بين هويتين سرديتين (1من3)

صورة الحسين بن علي في الروايتين الشيعية والسنية.. استعراض تاريخي- (عربي21)

الكتاب: "صورة الحسين بن علي في المتخيل الإسلامي: دراسة مقارنية بين الفكر السني والفكر الشيعي"
الكاتب: جيهان عامر
الناشر: الأطلسية للنشر تونس ومنشورات كلية الآداب والفنون والإنسانيات، منوبة- تونس 2015
عدد الصفحات: 350 صفحة.


1 ـ صورة الحسين في المتخيل الإسلامي ملتقى للمتنافرات

تجتمع في صورة الحسين في المتخيل الإسلامي بين ثنائيات كثيرة، فهي عند البعض رمز لتقديم النفس فداء للإسلام ولقيمه ونصرا للحق ومناهضة للباطل وفي الآن هي عند خصومه شخصية مارقة عرّضت وحدة الجماعة إلى التشتت وسكبت الزيت على الفتنة التي لم تخب نارها بعد، ونكأت جراحا اعتقد المسلمون أنها تلتئم. وهي ضحية لظلم بني أمية، فقد سلبها يزيد حقها في الخلافة كما سلب عليّ هذا الحق من قبل معاوية أو هي وفق تقييم مغاير ناكثة للعهد. فقد تنازلت عن المطالبة بالخلافة وقبلت هبات معاوية الكثيرة تعويضا عن هذا الحق. ثم حالما آل الأمر إلى ابنه يزيد خرجت إلى العراق تنشد الحكم من جديد. 

وهي رمز للإصرار على تحقيق كلمة الله وعلى تنفيذ وعده الذي وعد رغم علمها بسيرها نحو حتفها وفي الآن نفسه، جسّدت عند ناصحيها من الصحابة والتابعين، العناد على الإلقاء بنفسها وبذويها إلى التهلكة. 

هل أكثر تركيبا من شخصية الحسين بن علي في الثقافة الإسلامية إذن؟ ربما يعزى  جمعها بين المتنافر في ربق واحد إلى كونها صناعة لعقلين متنافرين، العقل الشيعي الذي يتعاطف مع الحسين ويرتقي بصورته إلى مصاف الأنبياء والقديسين والعقل السني المرتبك، "المجبر" على توقيره. فهذا الذي يمثل نموذجا صريحا للخروج عن الجماعة والفتنة أشد من القتل وفق منظومته الفقهية أحب الأحفاد إلى الرسول الذي وصفه بسيد شباب أهل الجنة. 

تدرس الباحثة هذه الصورة المزدوجة وتقارن بين مكوناتها وتعمل من خلالها على النفاذ إلى مبحث مهجور من مباحث الفكر العربي. وقد عهدنا الفكر العربي يهجر كل ما يحرجه من المباحث. ولأنّ المدونة ضخمة تقصر اهتمامها على الاتجاهين الرسميين: فتهتم بالمعتقد الشيعي الإمامي الاثنا عشري والموقف السني الرسمي الذي يمثله أهل السنة والجماعة. ولا تعمل عمل المؤرخ الذي يسعى إلى الإمساك بالحقيقة التاريخية من خلال بحثها المقارن هذا وإنما ترمي إلى دراسة بنى المتخيّل الإسلامي.
 
2 ـ من الحقيقة التاريخية إلى المتخيل

تستند الباحثة إلى المتخيل بما هو مفهوم إجرائي يساعد على دراسة الظواهر الاجتماعيّة والطبيعيّة والأعمال الأدبيّة والأساطير والأديان.. وتعرفه بكونه الصور الناشئة عن الظن وعدم اليقين والتشبيه والتوهم. ولكونه صورا لأشياء لا وجود لها في الواقع، على النحو المذكور في النصوص على الأقل، يُعد من الصور الذهنية التي تعكس التمثل الخاص المشروط بالسياقات الثقافية والروايات والمعتقدات.

وإلى ذلك تعرف الباحثة المتخيل، بكونه موضوع الخيال وحصيلة ما تفرزه عمليّة التخيّل في ذات الحين وتنطلق من تصور جيلبار دوران فتورد تعريفه بكونه "مجموع الصور والعلاقات بين الصور الذي يكوّن رصيد الكائن البشري من الفكر (فهو بذلك) يبدو كالقاسم المشترك الذي ينظّم كل آليات الفكر البشري" وبكونه "مجمل التمثلات الرمزية المبنية على تأويل ما للعالم". ومن ثمة تساعد دراسته في كشف تأويل جماعة ما للعالم. وفي إبراز لاوعيها الجماعي: صيغ إعرابه عن نفسه وآليات عمله.

وما يجعل المبحث متعسرا، مقتضيا للدقة أن هذه الصور الذهنية تنضوي ضمن مجموعات قد تنضوي بدورها في مجموعات أكبر. فتكون عنصرا من نظام ولبنة دنيا من تشكيله. على أنّ هذا النظام لا يفتأ يتغيّر أولا من عصر إلى آخر ومن مجموعة إلى أخرى. وهو حين يتغير لا يستند إلى نموذج مسبق وإنما يتشكل على غير مثال. 

 

تجتمع في صورة الحسين في المتخيل الإسلامي بين ثنائيات كثيرة، فهي عند البعض رمز لتقديم النفس فداء للإسلام ولقيمه ونصرا للحق ومناهضة للباطل وفي الآن هي عند خصومه شخصية مارقة عرّضت وحدة الجماعة إلى التشتت وسكبت الزيت على الفتنة التي لم تخب نارها بعد،

 



ولنتبسط في هذا الأمر نذكّر بأن صورة الحسين، مثلا، تتنزل ضمن مجموعة أكبر هي صورة آل البيت في الفكر الشيعي الذي يربطها بالقداسة ويصطلح عليها بالولاية التكوينية لآل البيت. ومدارها على "القدرة على التصرّف في موجود آخر من دون توسط البدن"، وتتحقق "بقدرة المعصوم علی التصرّف في الأُمور الكونيّة". وهذه الولاية مجال اختلاف في التأويل بين جماعة وأخرى. وصورة آل البيت متحولة بدورها ، وهي عنصر من تصور أشمل في الفكر الشيعي يؤمن باستمرار الوحي في شخص الإمام. 

إذن لا تستهدف دراسة المتخيل الحقيقة المرجعية والوقائع التاريخية. إنها "وسيلة من وسائل الكشف عن الأغراض الإيديولوجية التي تقصدها الجماعة" فيما تذكر الباحثة. فتقلب النظر في ما له صلة بسيرة الحسين من المؤلفات القديمة والحديثة من كتب ومجلات ومواقع إلكترونية وتنتهي إلى أنّ هذه الصورة تتحقق من خلال السرد وإلى أن السرد الشيعي يشترك في سمات والسرد السني يشترك في أخرى وإلى أن الحسين يُمنح هوية سردية لا تكشف عن شخصيته المتحققة في التاريخ بقدر ما تكشف عن الهوية الإيديولوجية لسارد قصته.

3 ـ السرد الشيعي بين المنقبة والملحمة

تخترق البنية العميقة المميّزة للمنقبة نصوص المدونة الشيعية على اختلافها فيما ترى الباحثة. فهي تستهل بذكر مناقب الحسين ثم تعرض ما رافق مولده ونشأته من ظروف خارقة. كأن يوضع وهو حديث الولادة بين يدي الرسول فيخضب يديه دما. ثم يسره ويلفه في خرقة ويتفل في فيه ويتكلم بكلام لا يدري أبو هريرة، راوي الخبر، ما هو ويقطع سرته بنفسه بعدما سبقته فاطمة بقطع سرة الحسن. ثم يعق عنه بكبش عظيم ويتصدق بوزن شعره فضة. ويهم عليّ بتسميته حربا فيسميه هو الحسين. ويتجاوز هذا الخارق الأرض ليشمل السماء. فقد أمر الله جبريل بتهنئة الرسول لولادته. ولما كان في طريقه إليه يصادف ملكا كسر الله جناحه عقابا له لإبطائه في تنفيذ أمر. فيأخذه ليتمسح على المولود فيبرأ الجناح ويطير الملك مع جبريل إلى السماء. 

ولا يخلو السرد الحديث من هذا الخارق بدوره. فمنشأ الحسين عنده، تفاحة من ثمر الجنة أكلها الرسول عندما أسري به. فكانت كلمة الله التي أنجبته وجعلته امتدادا للرسول وقطعة منه. فقد رأت زوجة العباس بن عبد المطلب، في المنام، عضوا من أعضاء الرسول يسقط في حضنها. فإذا الرسول يهدئ من روعها ويخبرها بأن ما رأت طفلٌ سيولد لفاطمة. وتذكر المصادر الشيعية أنه لم يرضع من صدر أنثى بل من إبهام الرسول، وفي مصادر أخرى، من لسانه. 

ولم يخل القص من تفاعل الكائنات العلوية الخارقة. فمن نوره خلقت الجنان وحور العين. ولولادته ضجت السماء. فهذا رضوان خازن الجنان يتلقى الأمر بأن يزخرف الجنة ويزينها كرامة لمولود يولد في الأرض. وهذه الملائكة تصطف بالتسبيح لله والثناء عليه. وتلك الحورية عيا تقطع سرته وتلفه بمنديل من مناديل الجنة وتتفل في فمه. وجليّ أن رواية عيا تجويد لرواية أبي هريرة. فتلقي الولدان من عمل القابلات لا من عمل الرسل. وفي المنديل من مناديل الجنة تكريم لا نجده في الخرقة التي لفه بها الرسول في الرواية الأولى. وينتهي هذا القص  إلى المهمة الاستثنائية التي يكلّف بها، وهي أن يفدي الإسلام بنفسه. 

وترد الباحثة بعضا من هذه النصوص إلى جنس الملحمة. فتحاول أن تقف على المشترك البنيوي الذي يجمعها بالملحمة البابلية. ولا يخلو اجتهادها من مغامرة. فالسرد فيها لم يتجسد عبر نصوص شعرية طويلة رمزية تعبّر عن المشاعر المشتركة لقوم في عصر من العصور أو تسهم في تشكل وعي المجموعة بذاتها ولم يكن يقصُّ عبر تعاقب الأحداث حكايات بطولية لشعب ما. ولم يكن فعل الجماعات بأكملها يتضافر في بناء الأمة والمجتمع. لم يكن فيها شيء من الملحمة إذن. لعلهّا كانت تريد ذلك السجل الملحمي، أي ذلك المكون الأدنى من جنس الملحمة الذي يكون على صلة بالأعمال الجليلة والظفر المبهر ويكون على صلة بالحرب خاصة وعلى حسن البلاء في خوضها، دفاعا عن القيم. فتغلب عليها الحماسة ولا يواجه البطل الأعداء فحسب وإنما يواجه الطبيعة أيضا. 

4 ـ السرد السني واستدعاء فن السيرة

وفق المنهج نفسه الذي اعتمدته في تصنيف سرود المدونة الشيعية، تصادر الباحثة على أنّ البنية العميقة لفن السيرة تخترق قصص المدونة السنية وتوحدها. وتجد فيها معنى السير على سبيل المجاز والطريقة في التعامل. فيكون محورها حياة الفرد وتنزع في عرضها إلى التخييل ولا تلتزم بالحقيقة التاريخية.

وجليّ أنّ هذا الاختلاف الأجناسي يخلص هوية الحسين من الفعل الخارق ويكشف عن تردد في مناصرته المناصرة التامة. وبالفعل فعلى مستوى المضمون تغلب عليه تبرئة يزيد من دم الحسين. فيعتبر مقتله نتيجة لسوء تقدير من رجاله. أما يزيد فقد طلب منهم أخذ البيعة منه دون قتله. ووصية معاوية التي أوردها الطبري في تاريخ الرسل والملوك تؤكد ذلك. فقد قال له  في مرضه الأخير "وأما الحسين بن علي فإنّ أهل العراق لن يدعوه حتّى يخرجوه، فإن خرج عليك فطفت به فاصفح عنه فإنّ له رحما ماسّة وحقا عظيما". 

ولا يتردد هذا القصّ في عرض ردة فعله عند سماعه خبر أحداث كربلاء، نحو اغتمامه أو أسفه أو بكائه في بعض الروايات. ومما أخبرت به هذه المدونة عن يزيد ورجاله وأورده ابن عبد ربّه في العقد الفريد: "فأحطناهم من كل ناحية، حتى أخذت السيوف مأخذها من هام الرجال. فجعلوا يلوذون منّا بالآكام والحفر كما يلوذ الحمام من الصقر، فلم يكن إلا نحر وجزر أو قوم قائم، حتى أتينا على آخرهم: فهاتيك أجسامهم مجزرة وهامّهم مرملة، وخدودهم معفّرة تصهرهم الشمس، وتسفي عليهم الريح بقاع سبسب، زوارهم العقبان والرّخم. قال فأدمعت عينا يزيد وقال لقد كنت أقنع من طاعتكم بدون قتل الحسين. لعن الله ابن سميّة. أما والله لو كنت صاحبه لتركته، رحم الله أبا عبد الله وغفر له." وهيّن على المتمرّس بتحليل الخطاب ملاحظة التماس النص المحكمِ الصياغة العاملِ على التأثير في المتقبل العذرَ ليزيد.
 
لا تصور المدونة السنية المعركةَ مواجهةً بين أخيار وأشرار. وتجعل الحسين بشرا خطّاءً، ففضلا عن خروجه عن الحاكم أخذ معه أهل بيته وبمن فيهم النساء والصبيان ولم يستمع إلى النصيحة. أما أثناء المنازلة فلا تصوره بطلا يسير إلى حتفه مسلما بقدره وإنما تركز على ما أصابه من الهلع. فكان يعرض الصلح على عمر بن سعد بن أبي وقاص ويلحّ فيه "فجعل يكلّم القوم بعد القوم والرجل بعد الرجل، فيقولون ما ندري ما تقول".

لقد بدت الهوية السردية التي منحها المتخيل الإسلامي للحسين خاضعة لفعل الإيديولوجيا مجسّدة للمنازلة بين العقلين الشيعي والسني. وبقدر ما عملت الرؤية الشيعية على الارتقاء به إلى مصاف القداسة وما أضفت عليه من فعل خارق معجز كانت الرؤية السنية مترددة مرتبكة. فقد كانت تركز على مجازفته وعلى تعريض أهله للخطر وتبرئ السلطة الرسمية من قتله وتنسبه إلى رجال مارقين نالوا جزاءهم العادل. ولم تكن قادرة على إدانته الإدانة الصريحة تهيبا لنسبه ولحب الرسول له حينا ولعدم تبرئة الأمويين من دمه حينا آخر خاصّة أن أحداث مقتله دوّنت في بداية العصر العباسي. فكان أصحاب السلطة يعملون على إدانة أسلافهم الأمويين وعلى تجريد صورة الحسين من هالة القداسة في آن. وبقدر ما مثلت سيرته مجال منازلة بين العقلين سيمثل مقتله مجال سجال أيضا. وهذا ما تتوسع فيه الباحثة ونعرضه في حلقتنا الثانية من هذه الورقة.