أفكَار

عسر الانتقال الديمقراطي في العالم العربي في مرآة السياسيين

لماذا يتعثر الانتقال الديمقراطي في منطقتنا؟ سياسيون ومفكرون يجيبون- (عربي21)

لم يكن حذر عالم السياسية الأمريكي لاري دايموند في تحليله لأحداث الربيع العربي نابعا عن مجرد تخوف بحثي من استباق أحداث لم تتضح صورتها بعد حين طرح السؤال عن جوهر الثورات العربية في مجلة "الفورين أفيرز" الأمريكية وهل تؤشر على موجة رابعة من الانتقال الديمقراطي أم أنها مجرد انطلاقة خاطئة، فالرجل له خلفية أكاديمية صلبة بخصوص موجات الانتقال الديمقراطي الثلاث، ومخاضاتها في بيئاتها السياسية المختلفة، وله أيضا خبرة بتعقيدات السياق السياسي العربي، ولذلك لم يجازف في تقييمه لهذه التطورات، واكتفى بوضع علامات استفهام كثيرة عن طبيعة هذه التحولات، وما إذا كانت ستقود بالفعل إلى ديمقراطية تسود العالم العربي، أم أنها مجرد تحولات سيتم احتواؤها من قبل الفاعلين السياسيين في الداخل والخارج.

اليوم مر على مقالة لاري دايموند حوالي عقد من الزمان، واتضح أن التجربتين الوحيدتين اللتين صمدتا في وجه موجة خريف الديمقراطية بفعل التشبت بمقولة الوفاق الوطني (تونس) أو الشراكة في البناء الديمقراطي (المغرب)، تعيشان تحديات كبيرة، إذ أظهرت توالي الأزمات الحكومية في تونس هشاشة التجربة الديمقرطية، وحاجتها إلى إعمال منطق التنازل والمحاصصة الحكومية لتحصين التجربة ومنع تونس من العودة إلى ما قبل ثورة الياسمين، فيما اتجهت التجربة في المغرب إلى مزيد من تقليص السياسي، وإحلال التكنوقراطي محله، بما أفضى إلى قتل السياسة التي كانت ىقد استعادت بعض مؤشرات الثقة مع حكومة بن كيران، حتى أصبح سؤال الانتقال الديمقراطي في المغرب سؤالا راهنا تقاس فيه تجربة العدالة والتنمية بتجربة التناوب التوافقي التي خاضها الاتحاد الاشتراكي، ويطرح سؤال سبب عسر الانتقال الديمقراطي ومكامن العطب في التجربتين.

غراهام فولر: حيث وجد النفط فلا ديمقراطية

لكبير باحثي كارنيغي للسلام الدولي غراهام فولر ورقة قديمة ذات إثارة بخصوص هذا الموضوع، هي ورقة "الإسلاميون في العالم العربي والرقص حول الديمقراطية" نشرها سنة 2004، حاول فيها أن يطرح بشكل مبكر سؤال عسر الانتقال الديمقراطي في العالم العربي، وانتهى فيها إلى أنه "حيث وجد النفط فلا ديمقراطية في العالم العربي".

والرجل لا يكتفي بحمل الصفة البحثية، فقد سبق له أن شغل مهمة المسؤول الكبير في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أواخر الثمانينيات، ونائب رئيس المخابرات القومي أوساط التسعينيات، هذا فضلا عن كونه يحظي بمكانة خاصة في الأواسط الإعلامية الأمريكية كأحد الخبراء الأمريكيين في المنطقة العربية.

 

يرى الرئيس الممنصف المرزوقي أن عسر الديمقراطية في العالم العربي، يتمثل في تحول بعض القوى اليسارية والعلمانية إلى خادمة للسلطوية، من حيث كان يفترض أن تكون القوى الرائدة والقائدة للتحول الديمقراطي، وأنها بسبب عدائها الإيديولوجي للإسلاميين، لم تنتبه إلى أنها أضحت أداة طيعة بيد الأنظمة الاستبدادية

 



يعزو غراهام فولر عسر الديمقراطية في العالم العربي إلى ثمانية أسباب أساسية، أولها، أن النفط وعائداته، وثانيها، انخفاض الدخل في بعض الدول العربية وأثر في ترتيب وضع غير ملائم للديمقراطية، وثالثها، الأنظمة الاستبدادية، ورابعها، الصراع العربي الإسرائيلي، وخامسها، أن الاحتياطي النفطي الضخم الذي يوجد في العالم العربي جعل القوى الغربية تنظر إليه نظرة استعمارية هيمنية، وسادسها، التوترات الإقليمية التي لا تساعد على التطورات الديمقراطية وسابعها، تأييد الأنظمة الغربية للأنظمة الاستبدادية في العالم العربي، وآخرها بروز الحركات الإسلامية كقوى معارضة أساسية للأنظمة الاستبدادية.

من المهم أن نشير إلى أن ورقة غراهام فولر لا تذكر ضمن معيقات الديمقراطية الثقافة العربية الإسلامية أو التراث الإسلامي، بل تذهب إلى ظهور ملامح للتطور في الفكر الإسلامي في اتجاه  التكيف مع الديمقراطية، ومفردات الفكر السياسي الغربي، وتبلور نظرات تأصيلية تعطي الأولوية لتحقيق العدالة الاجتماعية، وتمنع تسويغ الاستبداد بقضية الحفاظ على الأمن، وتؤصل لفكرة أن الحاكم المستبد إذا لم يحقق العدالة وجب عزله والإطاحة به.
 
وبغض النظر عن تركيزه على قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، أو على بعض التوترات الإقليمية، وأثر ذلك في إعاقة توطين الديمقراطية في الوطن العربي، فإن جوهر ورقة فولر تركز على الإعاقة الغربية للتجربة الديمقراطية، سواء من مدخل الهيمنة على احتياطيات النفط التي توجد في العالم العربي، أو من مدخل دعم الأنظمة الاستبدادية لتأمين مصالحها في الأمن والاستقرار وتوسيع قاعدة هيمنتها الاقتصادية على المنطقة، أو من مدخل دعم هذه الأنظمة خوفا من صعود الإسلاميين إلى الحكم. وفي المقابل، لا يعتبر فولر الإسلاميين كابحا من كوابح الديمقراطية، بل يقر بأن عقلهم السياسي يتطور ويتكيف في اتجاه الاندماج مع البيئة السياسية وقواعدها.

عبد الله العروي: الليبرالية مرحلة ضرورية لتوطين الديمقراطية في العالم العربي

خلافا للتشخيص الذي انتهى إليه غراهام فولر، الباحث الذي يشتبك بوقائع السياسة وتفاصليها اليومية بحكم معرفته بتفاصيل الوضع السياسي في منطقة الشرق الأوسط، يلقي الدكتور عبد الله العروي باللائمة على الثقافة السلفية التي تؤطر العقل العربي، وأنه لا يمكن الانتقال نحو الديمقراطية من غير إجراء فطام عسر وضروري عن هذا التراث، ويطرح خيار التاريخيانية كأفق لتفكيره، أي بدل الرهان على توطين الماركسية، لابد من المرور بمرحلة وسيطة، تمهد لهذا الأفق، وتقوم بوظيفتها في تفكيك البنى الثقافية التقليدية، والانخراط في الثقافة الحداثية، ومن ثم التفكير في الأفق الاستراتيجي الماركسي.

عل أن العروي حين يطرح الليبرالية كمرحلة وسيطة، فإنه يركز على لحظتها المعيارية، أي اللحظة الأنوارية التي تفتقت فيها مبادئ الحرية والمساواة، أي الليبرالية قبل أن ينتهي بها المسار إلى الانحرافات التي تعيشها اليوم (النيوليبرالية).

 

يلقي الدكتور عبد الله العروي باللائمة على الثقافة السلفية التي تؤطر العقل العربي، وأنه لا يمكن الانتقال نحو الديمقراطية من غير إجراء فطام عسر وضروري عن هذا التراث، ويطرح خيار التاريخيانية كأفق لتفكيره

 



والملفت في نظرة العروي، أنه بقدر ما يعتبر أن عائق توطين الديمقرطة في العالم العربي هو الماضوية التي يشكلها التفكير السلفي، فإنه يقترح ماضوية أخرى تتمتع بنفس القدر من المعيارية التي للفكر السلفي، وذلك حين يطرح المرور بمرحلة الأنوار كشرط أساسي لإجراء التحول في المجتمع وتهييئه نحو الديمقراطية.

تتغير أطروحة عبد الله العروي قليلا بعد كتابي "العرب والفكر والتاريخي" و"الإيديولوجيا العربية المعاصرة"، ثم كتاب "أزمة المثقفين العرب"، فيزيد إلى تصوره طرحا آخر، يعتمد على دور الدولة في القيام بتغيير قسري من فوق في اتجاه الحداثة، ويضطره واقع بروز الإسلاميين وهيمنتهم على المشهد الثقافي لطرح هذا الخيار التاريخاني.

تتلخص إذن فكرة العروي عن عسر الديمقراطية في هيمنة الفكر السلفي، واستحالة توطين أي تجربة ديمقراطية دون إجراء فطام قسري عنه، والرهان على الليبرالية حتى ولو كانت إجراء قسريا تجريه الدولة من فوق.

محمد عابد الجابري: الأزمة في العلق العربي والحل في الكتلة التاريخية

يخالف الجابري العروي في طرحه لفكرة الفطام عن التراث الإسلامي أو عن السلفية كما يعبر عنها، ورغم أنه يبحث في أزمة النهضة من داخل النظم المعرفية التي تؤطر العقل العربي، إلا أنه يؤمن بأن  النهضة لا يمكن أن تتأسس إلا من خلال الانتظام في التراث الإسلامي، وإعادة تجسير العلاقات بين نظم المعرفة البيانية والبرهانية على نحو يساعد على تأسيس النهضة تأسيسا عقلانيا.

لا يجد الجابري أفضل من ابن رشد في تجسيد الفكر البرهاني القادر على تجسير هذه العلاقة والخروج من أزمة الأسس التي يعاني منها العقل العربي، والتأسيس لخيار معرفي برهاني يتعايش مع الخيارات المعرفية التي تنطلق من النظام البياني.

 

يؤمن الجابري بأن النهضة لا يمكن أن تتأسس إلا من خلال الانتظام في التراث الإسلامي، وإعادة تجسير العلاقات بين نظم المعرفة البيانية والبرهانية على نحو يساعد على تأسيس النهضة تأسيسا عقلانيا.

 



يترجم الجابري هذه الخلاصة المعرفية في واقع السياسة، فيرى أن توطين الديمقراطية لا يمكن حصوله من غير كتلة تاريخية تجمع الإسلاميين والديمقراطيين واليسار ومختلف المكونات الوطنية تناضل بشكل جماعي من أجل الدمقرطة وتحقيق مختلف الأهداف الوطنية الكبرى.

يستلهم الجابري نظرية غرامشي من جهة، وتجربة الانتقال الديمقراطي في أمريكا اللاتينية التي رفعت شعار لاهوت التحرير باجتماع القوى الدينية بالقوى اليسارية الثورية، كما يستثمر ملاحظته لأوجه الإقصاء الذي تمارسه القوى الديمقراطية واليسارية على التيارات الإسلامية من جهة، وأيضا الإقصاء الذي مارسته الثورة الإيرانية على القوى اليسارية والليبرالية، وملاحظته الأثر ذلك على الدمقرطة ومشروع النهوض، وينتهى إلى خلاصة محورية يرى فيها أن أي حركة تغيير في المجتمع العربي الراهن لا يمكن أن تضمن لنفسها أسباب النجاح، إلا إذا انطلقت من الواقع العربي كما هو، وأخذت بعين الاعتبار الكامل جميع مكوناته، "العصرية" منها و"التقليدية"، النخب وعموم الناس، الأقليات والأغلبيات، صفوف العمال وصفوف الطلاب، وقبل ذلك وبعده صفوف المساجد.

ومع أن الجابري كان يؤسس لتركيب يسعى به إلى تلمس الطريق نحو الديمقراطية في العالم العربي، إلا أن مفهومه للكتلة الديمقراطية، يضمر تحليلا عميقا لأسباب عسر الديمقرطية في الوطن العربي، والذي يشخصه الجابري في سوء العلاقة بين مكونات الفعل الديمقراطي في الوطن العربي، وحالة الإقصاء والإقصاء المضاد التي يمارسها البعض ضد البعض، مما يسهل توظيف بعضها ضد بعض من قبل الأنظمة الاستبدادية، ويعني بذلك صراع الإسلاميين مع القوى اليسارية، وصراع القوى الحداثية مع القوى التقليدية، وعدم الوعي بأهمية النخب الاقتصادية الوطنية كشريك في إنجاز التحول الديمقراطي، وتبخيس دور القوى الاجتماعية، واستبعاد نخب داخل الحكم مقتنعة بضرورة التغيير في اتجاه تحقيق الأهداف التاريخية المذكورة. 

المرزوقي: أزمة الديمقراطية في تحول بعض اليسار إلى مواقع خدمة الاستبداد

يتقاسم الرئيس الأسبق لتونس، منصف المرزوقي قناعة الجابري، ويرى أن عسر الديمقراطية في العالم العربي، يتمثل في تحول بعض القوى اليسارية والعلمانية إلى خادمة للسلطوية، من حيث كان يفترض أن تكون القوى الرائدة والقائدة للتحول الديمقراطي، وأنها بسبب عدائها الإيديولوجي للإسلاميين، لم تنتبه إلى أنها أضحت أداة طيعة بيد الأنظمة الاستبدادية، تستعملها من جهة في تذكية الصراع الإيديولوجي والهوياتي ضد الإسلاميين، كما تستعملهم من جهة أخرى، لتزكية الاستبداد وخلق اصطفافات إيديولوجية تنتهي إلى إيقاف عجلة التحول الديمقراطي وتبرير شرعية الاستبداد.


راشد الغنوشي: التغريب يعيق التحول نحو الديمقراطية

في تقييم مبكر للشيخ راشد الغنوشي، يرى أن ما يجعل الديمقراطية وتوطينها عسيرا في الوطن العربي هو التغريب وخدمة بعض النخب لأجنداته القيمية، إذ استقرأ الغنوشي الواقع العربي، فتبين له أنه كلما تعمقت تجربة التغريب في بيئة سياسية عربية، كلما كانت الديمقراطية عنيدة، وكان توطينها متعثرا، ولذلك اتجه إلى بناء جسور الحوار مع النخب العلمانية والحداثية في تونس، حتى يبني معها قاعدة  لمواجهة الاستبداد وتوطين الديمقراطية، تستبعد العداء الإيديولوجي بين المكون الإسلامي والعلماني، وتضع على رأس مهمات الانتقال الديمقراطي ملف الحرية والعدالة الاجتماعية.

وهو لا يزال إلى اليوم يعاني من المشكلة ذاتها التي كان يعانيها لحظة توظيف نظام بن علي لنخب من اليسار للتغطية على استئصتال حركته، إذ تقوم نخب من اليسار والعلمانيين بتكتيكات فوضوية لمنع تجدر التجربة الديمقراطية في تونس وعودتها جائما إلى نقطة الصفر.

مالك بن نبي: عسر الديمقراطية في الوطن العربي هي مشكلة تنمية الشعور الديمقراطي في ثقافة المجتمع

للمفكر الجزائري مالك بن نبي نظرة أخرى لتوطين الديمقراطية، فهو يبتعد عن تلك المقارنات التي تحاول قياس الإسلام بالديمقرطية أو مقارنته بها، ويتجه إلى جوهر المشكلة، أي إلى قراءة مضمون الديمقراطية ومفهومها، كما ارتسمت وتشلكت في تجريتها التاريخية، وينتهي إلى أن الديمقراطية لا تختصر في صناديق الاقتراع أو تسليم السلط أو فصلها، وإنما هي شعور ديمقراطي، تضطلع الثقافة بتنميته في عقل ونفسية المجتمع، فتجعله محصنا من جهة ضد الاستبداد، ومحصنا من جهة أخرى ضد العبودية.

يبحث مالك بن نبي من داخل التجربة الإسلامية عن هذا الشعور الذي يقتلع الاستبداد والعبودية من نفسية المجتمع، ويرى أن الإسلام هو المرجعية التي صنعت هذا الشعور ورعته وحصنته، وهي قادرة على أن تقوم بهذه الوظيفة من جديد، وأن توطين الديمقراطية هو مهمة الثقافة ووظيفتها، وأنه حالما تعجز هذه الثقافة عن القيام بهذه الوظيفة، بحيث تبقى مرتهنة للتقليد الصانع لحالة القابلية للاستعمار أو مرتهنة للتبعية للاستعمار وقواه الغربية، فإن الرهان على الديمقراطية يصير مجرد حلم غير قابل للتحقق.

لا يناقش مالك بن نبي الديمقراطية من زاوية علم السياسة، أي بالنظر إلى دور الأنظمة الاستبدادية في شرعنة الاستبداد، وتوظيف النخب بعضها ضد بعض لتزكية مواقعها الخادمة للقوى الأجنبية، ولكنه ينظر إلى المشكلة من زاوية أعمق، أي زاوية الثقافة التي تصنع المجتمع، وتصنع فكره وشعوره الديمقراطي، إذ لا يمكن لأي نظام سياسي كيفما كان أن يسوغ للاستبداد داخل مجتمع يرفضه، ولا يمكن في المقابل، لحكم ديمقراطي أن يوطن الديمقراطية في مجتمع تشجع ثقافته على الاستبداد  ولا تناهض العبودية الذي تستدعيه.