قضايا وآراء

المصارف اللبنانية بين دور الإنقاذ أو ضياع الدور

1300x600
المصارف اللبنانية عنوان نجاح دائم لثلاثة عقود متتالية في مسيرة الاقتصاد اللبناني، فلقد كانت القاعدة الثابتة أن رافعة لبنان الاقتصادية تتمثل في القطاع المصرفي، الذي شكل صمام الأمان في أقسى الأوقات وأحلك الظروف التي مرت على الوطن الجريح الصامد أمام كثافة الضربات من القريب والغريب على حد سواء.

أرقام وحقائق

إن العدد الفعلي للمصارف يتألف من 63 رخصة مصرفية. وتنتشر المصارف اللبنانية في 26 دولة في العالم بشكل شركات تابعة أو فروع، ويمتلك 13 مصرفا 41 شركة تابعة في 21 دولة. ويبلغ عدد فروع المصارف اللبنانية في الخارج، مباشرة أو عبر شركاتها التابعة، نحو 330 فرعا. ووفق إحصاءات مصرف لبنان حتى بداية العام 2020، فإن 47 مصرفا تجاريا بينها تسعة أجنبية وأربعة مصارف اسلامية يبلغ عدد فروعها 1058 فرعا، بينها 16 مصرفا للتسليف المتوسط والطويل الأجل تابعة لهذه المصارف، بما يدلل على قوة الانتشار والثقة التي كانت تتحلى بها المصارف والتي باتت على المحك داخليا وخارجيا.

لقد بلغت موجودات المصارف التجارية في لبنان 208 مليارات و500 مليون دولار في آخر آذار/ مارس 2020، فيما بلغت التسليفات للقطاع الخاص ما 45 مليار دولار حتى آخر آذار/ مارس 2020. وبلغت التسليفات للقطاع الخاص المقيم في لبنان 40 مليار دولار، أما بالنسبة للتسليفات الممنوحة للقطاع الخاص غير المقيم فبلغت خمسة مليارات دولار. وهذا يعني أن التسليفات للقطاع الخاص تقلصت نحو أربعة مليارات و800 مليون دولار في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2020، وذلك تبعا للمخاطر القائمة منذ أشهر والتي القت بظلالها على المشهد المالي والمصرفي عموما.

أما بالنسبة للودائع فقد بلغت 149 مليارا و600 مليون دولار في نهاية آذار/ مارس 2020، بتراجع 6 في المئة منذ نهاية 2019 و13.3 في المئة منذ آذار/ مارس 2019، بما يعني أن مجموع الودائع المصرفية تراجعت تسعة مليارات و800 مليون دولار في الأشهر الثلاثة الأولى من 2020، وهذا أمر طبيعي بفعل حالة الخوف التي تلف حالة اللبنانيين والمودعين في المصارف اللبنانية، فالقلق عنوان المرحلة.

وبلغت الودائع بالدولار 78 في المئة من مجموع الودائع في نهاية آذار/ مارس 2020، مقارنة مع 71 في المئة عن العام المنصرم. وهنا أشد أنواع المخاطر، حيث السؤال الأكبر: من أين ستستطيع المصارف دفع أموال المودعين الدولارية؟! كذلك وصلت الودائع للقطاع المصرفي في المصارف المراسلة (المصارف الخارجية الوسيطة) خمسة مليارات و100 مليون دولار حتى آذار/ مارس 2020، وهي حكما أقل عن العام الماضي بفعل الطلب منها لتسديد التزامات الداخل المتزايدة.

المصارف تحت رحمة السياسيين

إن حال المصارف اليوم بات في قلب العاصفة الاقتصادية والسياسية التي يمر بها لبنان بفعل العديد من السياسات الاقتصادية والنقدية؛ التي هي موضع مساءلة من أهل الاختصاص من جهة، وفشلها في تخطي الأزمات المتلاحقة من جهة أخرى، غير أن المنصفين من الاقتصاديين والماليين يؤكدون أن القيمين على السياسة الاقتصادية والنقدية في البلاد يدفعون ضريبة فشل السياسيين في وضع مقاربة حقيقية للحد من خلافتهم التي لا تنتهي، من الفراغ السياسي في المواقع الأساسية في البلاد لا سيما موقع الرئاسة الأولى، وصولا إلى الوقت المستهلك في الخلافات لتشكيل الحكومة.

أما المرض القاتل فكان مزيجا من الفساد الإداري والحكومي ضمن أطر الدولة، وغياب الإصلاحات المطلوبة محليا ودوليا، خاصة بعد مؤتمر سيدر الذي انعقد في باريس، عاكسا مطلوبات واضحة عنوانها الأول الإصلاحات الاقتصادية البنيوية، وإيقاف هدر الكهرباء، وإنهاء فائض القطاع العام، ومعالجة جدية لتكلفة خدمة الدين العام الذي حوّل الدولة إلى رجل مريض يحتضر أمام أبنائه.

لم يكن هذا الوضع ليزداد سوءا برأي الكثيرين لولا تموضع لبنان السياسي في مقلبين متناقضين؛ الأول مع محور المقاومة والممانعة في المنطقة بقيادة الجمهورية الإسلامية في إيران، والثاني يدور في محور الغرب وأمريكا وحلفائهم، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، وبالتالي فإن لعنة الاختيار السياسي بعيدا عن سياسة النأي بالنفس الميقاتية (نسبة إلى الرئيس ميقاتي) زادت الطين بلة، حتى وصول انتفاضة اللبنانيين وصرختهم في السابع عشر من تشرين الأول، أكتوبر 2019.

الحكومة والمصارف لا بد من توحيد الرؤية

إن واقع المصارف لا يخفى على أحد، وقد تجلى في مهاجمة جمعية المصارف علنا خطة الحكومة الديابية الحالية، إلى أن تمت تسوية الأرقام والخسائر في المالية العامة من خلال اللجنة التي ترأسها النائب إبراهيم كنعان، بعد أن ظهر الوفد اللبناني المفاوض لصندوق النقد على أنه وفود متناحرة، كل طرف لديه رؤية وأرقام مختلفة عن الآخر.

وقد انتقدت الجمعية خطة الحكومة للإنقاذ المالي، لأنها تتجاهل المساهمة الإيجابية للقطاع المصرفي في الاقتصاد اللبناني، وتتحدث فقط عن استحالة إنقاذ البنوك، وهذا أمر مضلل وغير دقيق. فالقطاع المصرفي في لبنان سليم ولا يحتاج إلى إنقاذ، والبنوك تحتاج فقط إلى أن تدفع الدولة المستحقات المترتبة عليها للبنوك، ولكن كيف وبأية أثمان؟!! وعلى حساب من؟ علما أنه يبدو أن حسابات البنوك السياسية أن تكون على حساب كل اللبنانيين؛ في الاستيلاء على مقدرات الدولة وممتلكاتها!

وبحسب ما تقترحه جمعية المصارف، ستتم حماية ثلاثة ملايين مودع، وتجنيب لبنان العواقب في الذهاب إلى السالب من النمو الاقتصادي من جهة، وتجنيب المواطنين اللبنانيين كوارث على كل الأصعدة ما عادوا يمتلكون القدرة في تحملها.

وتقوم خطة الجمعية على إنشاء صندوق حكومي لتخفيف الديون، وتكون مساهمة الحكومة في الأصول العامة بقيمة 40 مليار دولار أمريكي في الصندوق العام، مقابل 100 في المئة من الأسهم. ويقوم الصندوق بإصدار الأوراق المالية المغطاة طويلة الأجل، والتي تحمل فائدة بمبلغ 40 مليار دولار إلى مصرف لبنان، مقابل تسوية نهائية لديون الحكومة. ويتم تسليم المصرف المركزي للصندوق الحكومي لتخفيف الديون، وجميع حقوق الملكية والفوائد المتعلقة بالممتلكات الحكومية.
 ويسلم الصندوق للحكومة جميع الحقوق المذكورة، مع إلغاء الحكومة للديون المستحقة سابقا للمصرف المركزي.

وقد ذكّرت الجمعية في معرض طرحها للخطة، بأن المصارف "ساهمت في تمويل البلاد عبر شراء الغالبية العظمى من السندات الصادرة عن الجمهورية اللبنانية"، وأوضحت بأن لبنان "يعاني من نقص في السيولة، ولكنه غني بالأصول. وهنا بيت القصيد في الصراع بين المصارف والحكومة، وربما لاحقا شريحة كبرى من اللبنانيين".

إعادة الرسملة أمر واقع لا محالة

وللحقيقة فإننا أمام نموذج جديد للمصارف في لبنان له عدة عناوين، في مقدمها يأتي انكشاف المصارف على الدولة ومخاطره الكبيرة، في وقت تعجز الدولة عن تسديد مستحقاتها المالية. كما أنّ ديون المصارف على القطاع الخاص حالها ليس أفضل، لا بل سنشهد حالات تعثر كثيرة. تاليا لا خيار إلا إعادة الرسملة، حيث لا خيار إلا الدمج بين المصارف كمقدمة لمواكبة المرحلة القادمة.

لذلك ستعمد عدة مصارف في سبيل الحرص على دورها المحوري؛ إلى عمليات "البايل إن- bail in"، بمحاولة إقناع كبار المودعين لديها بتحويل نسبة مئوية من ودائعهم نحو الرسملة في ظلّ عجزها عن منحهم ودائعهم، فتدخل نسبة قليلة من الودائع الكبيرة ضمن رأسمال المصرف، بمعنى أن يتحول جزء من مال المودع إلى أسهم في البنك، وهكذا ترفع المصارف رأسمالها.

إن غرق لن يسلم منه أحد مهما بلغ علو كعبه!!

لا يختلف اثنان على أن المصارف تملك أوراقا كثيرة في لعبة الحل في الداخل اللبناني، وهي جزء لا يتجزأ من الحل الخارجي، خاصة إذا فشلت الحكومة في مفاوضاتها مع صندوق النقد، وهو متوقع في ظل القبضة الأمريكية على لبنان وبعد خطاب أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله الناري الأخير، والذي كان خطاب مواجهة مع الولايات المتحدة وأهدافها من قانون قيصر في لبنان وسوريا.

إنه تصريح واضح المعالم، وعليه فإن لبنان معرض أكثر إلى هزات من النوع الثقيل على كل المستويات. فحذار الحكومة وخطتها من اللعب في ورقة المصارف ودورها، حيث شئنا أو أبينا فإن المصارف جزء من الحل، أكان مع صندوق النقد أو بدونه، وذلك يبدو مرجحا حيث صوت أمريكا المدوي في قرارات الصندوق. وهنا يتجلى دور المصارف الإنقاذي والضروري والحيوي في آن للبنان الدولة، أو ما تبقى منها!!

وكذلك حذار المصارف من استغلال المودعين وأموالهم كرهائن عندها في ظل السياسات المالية المتخبطة والضائعة، مع عدم إقرار قانون الكابيتال كونترول الواضح المعالم، خاصة إذا ما بدأت الدعاوى من المودعين عليها في محاكم العالم، من أمريكا إلى أوروبا، عندئذٍ تفقد المصارف دورها الفاعل وكل مبررات وجودها، وتاليا خسارة سمعتها التي تحتاج إلى عقود كي تعود!

للمصارف وللحكومة ولكل من في السلطة والمعارضة: اعلموا أن مركب الدولة اللبنانية إن غرق لن يسلم منه أحد مهما بلغ علو كعبه!!
الأكثر قراءة اليوم
الأكثر قراءة في أسبوع