كتاب عربي 21

تركيا والسعودية مستهدفتان ولكن..

إسماعيل ياشا
1300x600
1300x600
قام ولي العهد ووزير الداخلية السعودي الأمير محمد بن نايف الأسبوع الماضي بزيارة للعاصمة التركية أنقرة في الوقت الذي تتعرض فيه تركيا والسعودية لمؤامرات يحيكها "العقل المدبر" الذي يبدو في الظاهر حليفا لكلا البلدين ولكنه في الحقيقة يكن لهما العداء ويستهدفهما بخطط خبيثة.

هذه الزيارة فرح بها المطالبون بالتقارب التركي السعودي لمواجهة التحديات والمخاطر التي تحيط بكلا البلدين ودعاة تشكيل تحالف سني للحد من التمدد الإيراني الشيعي في المنطقة، وسط تكهنات متفائلة حول التحركات المشتركة لحل بعض الملفات كالملف السوري.

الأمير محمد بن نايف، في المؤتمر الصحفي الذي عقده مع رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، عقب لقائهما في أنقرة، أكَّد أن بلاده مستهدفة، وقال: "الاستهداف واضح ولا يختلف عليه اثنان، ولا نستطيع أن نقول لهم لا تستهدفونا، لكن المهم أن نحصن أنفسنا قدر الإمكان"، مضيفا أن "تركيا بلد شقيق، ويهمنا دائما أن يكون التنسيق بيننا قويا والعمل مشتركا، لأننا بالفعل بحاجة إلى بعضنا البعض".

نعم، تركيا والسعودية مستهدفتان وبحاجة إلى بعضهما، وهناك قواسم مشتركة، بالإضافة إلى ظروف تجعل تعزيز التعاون الاستراتيجي أمرا ضروريا لمواجهة المؤامرات التي تهدد كلا البلدين، كما أن هناك مواقف متباينة من قضايا هامة تعيق وصول التعاون الثنائي إلى المستوى المطلوب.

ومما لا شك فيه أن موقف تركيا عموما، وأردوغان على وجه الخصوص، من الديمقراطية والربيع العربي والشعوب الثائرة من أجل الحرية والكرامة يأتي على رأس تلك المواقف المتباينة. ومنذ فترة طويلة تحاول أطراف تدعو إلى تشكيل تحالف تركي سعودي لمواجهة إيران أن تدفع تركيا باتجاه التخلي عن الوقوف إلى جانب ثورة الشعب المصري والاعتراف بشرعية الانقلاب والمصالحة مع مصر السيسي. 

تصريحات أردوغان، في الحوار الذي أجراه الكاتب السعودي القدير جمال خاشقجي وبثته قناة روتانا خليجية، حول الانقلاب العسكري الذي قام به الجيش المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي وشروط أنقرة لعودة العلاقات مع مصر إلى طبيعتها، تؤكد أن سياسة الجزرة التي تمارسها تلك الأطراف لاستمالة الرئيس التركي إلى المصالحة مع السيسي والإيقاع بينه وبين الملايين من محبيه العرب والمسلمين لن تنجح في تحقيق أهدافها، لأن أردوغان أذكى بكثير وأكثر حنكة من تلك الأطراف.

تركيا نجت قبل أقل من ثلاثة أشهر من محاولة انقلاب دموية قامت بها مجموعة من الضباط الموالين للكيان الموازي، وأطلقت الحكومة التركية عملية شاملة لتطهير أجهزة الدولة من خلايا هذا التنظيم الإرهابي، وارتفعت شعبية أردوغان والحكومة بين المواطنين بشكل غير مسبوق، في ظل تأييد المعارضة لمكافحة الكيان الموازي، كما أن الاقتصاد التركي تجاوز صدمة محاولة الانقلاب وآثارها السلبية. ولكن القوى الداعمة للانقلابيين ستواصل محاولاتها لاستهداف تركيا وإرادة شعبها.

المملكة العربية السعودية هي الأخرى مستهدفة من قبل القوى ذاتها التي تستهدف تركيا، ولعل قانون جاستا خير دليل على ذلك، كما أن هناك مشاكل اقتصادية تعاني منها المملكة لأسباب عديدة كتراجع أسعار النفط وغيره، بالإضافة إلى ما يقال حول وجود تنافس بين ولي العهد الأمير محمد بن نايف وولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

رغبة تركيا في التقارب مع السعودية لمواجهة المخاطر والتحديات والمؤامرات صادقة، وتدرك أنقرة جيدا أن هذا التقارب لصالح البلدين والمنطقة بأكملها. وبالتالي أعلن أردوغان بشكل صريح وقوف تركيا إلى جانب السعودية في مواجهة قانون جاستا. وإن كان ما يدور حول وجود تنافس داخل الأسرة المالكة في السعودية صحيحا فإن ذلك لا يعني تركيا، لأنه شأن سعودي داخلي لا تتدخل فيه تركيا، ولا تدعم طرفا ضد آخر. 

ولكن هناك أمر آخر يجب ألا تتغافله أنقرة، وهو وجود تيار خليجي يعادي تركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان، لأن عداء هذا التيار للرئيس التركي متأصل لا يتزعزع، ويتمنى سقوطه مهما كانت عواقبه. ولم يخف المنتسبون لهذا التيار الخليجي فرحتهم باحتمال نجاح محاولة الانقلاب في الخامس عشر من تموز/يوليو الماضي. وكمثال واضح لموقف هؤلاء من محاولة الانقلاب في تركيا، كتب رئيس اللوبي السعودي في الولايات المتحدة، سلمان الأنصاري، في حسابه بموقع التواصل الاجتماعي الشهير "تويتر"، ليلة محاولة الانقلاب، أن "تركيا بلا أردوغان: استقرار أكثر لمصر في سيناء وانفراجة أمنية أكبر في ليبيا وانحسار لميليشيات فجر ليبيا ووضوح أكبر في الموقف مع سوريا".

قد يقول قائل إن ما كتبه الأنصاري يمثل نفسه، وقد يكون ما يقوله صحيحا، إلا أن ذلك لا يغير شيئا من الحقيقة، وهي أن ذلك التيار الخليجي المعادي لأردوغان له نفوذ قوي في السعودية، وأن هؤلاء الذين يعادون الرئيس التركي ويعملون ليل نهار لتشويه سمعته ويقال إنهم لا يمثلون إلا أنفسهم، أقرب إلى قلوب صناع القرار في السعودية من الإخوة الطيبين الذين يرون ضرورة التقارب بين أنقرة والرياض للدفاع عن أنفسهما وحل مشاكل المنطقة والأمة.

* كاتب تركي
التعليقات (1)
هشام ميشلان
الأربعاء، 05-10-2016 07:43 م
الغرب عمل دائما على مبدأ فرق تسد ، و هم فعلا قاموا بالتفرقة و التفريق بين الدول العربية من جهة ، و بين الشعوب العربية من جهة أخرى ، كما قاموا بالتفريق و التفرقة بين الشعب الواحد في القطر العربي الواحد كما حدث في العراق و فلسطين و سورية و مصر و دول عربية أخرى ، فقد قسموا الشعب الواحد إلى شعبين ! إلى درجة أن تفتقت قرائح الفن بأغنيات من طراز ( إحنا شعب و انتو شعب ، لينا رب و ليكو رب ) ، وهذه التقسيمات المخطط لها خارجيا بأدوات داخلية ، شملت كل الفئات المجتمعية من أسفل الهرم إلى أعلاه ، مما خلق تيارات ذات تأثير اقتصادي و اجتماعي و سياسي داخلي و خارجي ، و من هنا تبدأ المؤامرة ، يا من تنكرون مبدأ المؤامرة ، فهل تقهقرت أمتنا و تأخرت حضارتنا و انتكست جيوشنا و تشرذمت دولنا إلا بالمؤامرة الخارجية و الخيانة الداخلية !؟ . إن المملكة العربية السعودية و منذ اعتلاء الملك سلمان عرش المملكة ، عمل على لم الشمل و توحيد الكلمة و إنشاء تكتل عربي بمقومات اقتصادية و عسكرية ، فنجح إلى حد كبير ما عدا المقوم السياسي الذي وجد فيه تشعبات و تشابكات مصلحاتية بينية بين الدول العربية كل على حدة مع جهات و دول غربية و شرقية جعلت من المستحيل خلق توافقات سياسية متطابقة و لا حتى محاور مشتركة حيوية لمصلحة التكتل العربي كمجلس التعاون الخليجي مثلا ، مما هدد باقي التوافقات العسكرية و الاقتصادية بالإنهيار و التعطيل ، و كل هذا بمبدإ التفرقة في التوجهات الفكرية و السياسية . فلقد أخذ الملك سلمان يبحث عن شركاء من الدول العربية فلم يجد إلا المملكة المغربية و قطر و الدولة التركية بقيادة رجب طيب أردوغان ، إذا ما استمر على رأس السلطة و لم تنجح المخططات المستقبلية لإسقاطه و إعادة تركيا للأتاتوركيين ، فثلاثة دول غارقة في مشاكلها و صراعاتها اليومية ، و منهمكة في الوفاء بالتزاماتها و معاهداتها الدولية البينية ، تجعلها غير مؤهلة للإنغماس في مشروع شراكة جدي من أجل المصالح العربية و الإسلامية ، و هذا يجعل السعودية مستهدفة لمخططات الغرب الخبيثة ، فما قانون جاستا إلا دليل على محاولة الانفراد بالسعودية و ثنيها عن القيام بدور الزعامة لإفشال مؤامراتهم ضد الأمة العربية و الإسلامية ، فهم يحاولون اليوم إشغالها بالتهديدات الإيرانية ، كما شغلوها في حرب الاستنزاف اليمنية ماليا و عسكريا و سياسيا ، و أشغلوها بالمراهنة على اسقرار مصر بملايير الدولارات ، فتبين أن تلك الأموال كانت لدعم انقلاب جاء ليفتت الأمة العربية و الإسلامية من تونس مرورا بليبيا و وصولا إلى سوريا ، فدولة بثقل مصر إذ تدعم بشار الأسد ضد الرؤية السعودية لخير دليل على مبدإ فرق تسد ، فكيف يمكنك أن تجمع كلمة العرب في خضم هذا التفتت و التشتت السياسي و التطاحن الداخلي سياسيا و عسكريا ، لا يمكن للسعودية أن تراهن على تركيا وحدها ، لأن تركيا بحكم موقعها الجغرافي و التاريخي ، و بحكم شراكاتها مع الغرب ، و حساباتها الخاصة بها سوف لن تستطيع أن تكون سندا قويا لهذه الأمة المتشرذمة ، فأية محاولة لخلق أية مبادرة لتقوية الموقف العربي سوف تكون سهلة الإفشال ، قد يقول قائل بأنها رؤية تشاؤمية و سلبية في وقت أننا في حاجة لرؤى و خطابات تفاؤلية غير مثبطة ، لكن الواقع ليس كما يريده أن يكون كثير من الوطنيين الغيورين على الهوية العربية و الإسلامية . إن من أهم عناصر جمع كلمة العرب و المسلمين تبدأ من أسفل الهرم الاجتماعي ، فعندما ثارت الشعوب تعاملت مع ثوراتعا برومانسية من جهة ، و بسذاجة و غوغائية من جهة أخرى ، فسهل على الغرب و الدولة العميقة بتياراتها الفاسدة و لوبياتها المستأجرة أن يقلبوا الطاولة على الشعوب و من ثم إحباط أهم عنصر للم كلمة العرب و هو الشرعية الشعبية ، و حريتها في اختيار من يمثلها ، لقد أضاعت الشعوب فرصة لا تعوض بسبب السذاجة و الرومانسية السياسية ، لكنني أعجب لدول عربية تشتكي خيانة الغرب ، و هي من قامت بدعم انقلابات عميلة تخدم المصالح الغربية ضد شعوبها و دولها ، فكيف تنتظرون منها رص الصفوف لمواجهة مؤامرات و مخططات الدول الغربية .