تقارير

ماذا وراء إلحاح بايدن على إنجاز التطبيع بين إسرائيل والسعودية؟

لا أي رئيس أمريكي سابق أو قادم لديه الرغبة الحقيقية أو الاهتمام برؤية دولة فلسطينية مستقلة، على أراضي فلسطين المحتلة..
لا أي رئيس أمريكي سابق أو قادم لديه الرغبة الحقيقية أو الاهتمام برؤية دولة فلسطينية مستقلة، على أراضي فلسطين المحتلة..
يسعى الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى إنجاز اتفاق تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل، والذي توقف بعد السابع من أكتوبر، إثر الحرب الإسرائيلية على غزة، بعد عملية طوفان الأقصى التي قام بها مقاتلون من حركة المقاومة الإسلامية حماس.

ووفقا لوزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن فإن ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان أكدّ على "اهتمامه" بإقامة علاقات مع إسرائيل لكنه يريد وضع حد لحرب غزة، ومسارا نحو دولة فلسطينية.

وأضاف في تصريحات صحفية أدلى بها في السادس من الشهر الماضي: "لكنه أوضح أيضا ما قاله لي من قبل، وهو أنه من أجل القيام بذلك، لا بد من أمرين، إنهاء النزاع في غزة، ومسار واضح وموثوق، ومحدد زمنيا لإقامة دولة فلسطينية".

وفي ذات الإطار أكد السفير السعودي في بريطانيا، الأمير خالد بن بندر أن "بلاده مهتمة بتطبيع العلاقات مع إسرائيل بعد حرب غزة، ولكن أي اتفاق للتطبيع "لا بد أن يؤدي إلى إنشاء دولة فلسطينية"، وكشف في تصريحات صحفية أن الاتفاق كان "وشيكا" قبل السابع من أكتوبر.

وأضاف أن السعودية لا تزال تؤمن بإقامة علاقات مع إسرائيل، على الرغم من الخسائر الفادحة في الأرواح في غزة، مستدركا أن ذلك لا ينبغي أن يكون "على حساب الشعب الفلسطيني".

وبحسب مراقبين فإن الرئيس الأمريكي بايدن يسعى لأخذ موافقة الحكومة الإسرائيلية الحالية على مجرد الاعتراف بدولة فلسطينية، من أجل إتمام اتفاق تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل، والإعلان عن ذلك، لكن نتنياهو يرفض ذلك، وقد سارع إلى نفي أن يكون قد أبلغ الرئيس الأمريكي بايدن بإمكانية قيام دولة فلسطينية وفق ما قاله الأخير في تصريحات صحفية سابقة.

تصريحات الرئيس الأمريكي المتتابعة حول ضرورة إقامة دولة فلسطينية تثير تساؤلات حول مصلحة الإدارة الأمريكية الحالية في إتمام اتفاق تطبيع العلاقات السعودية الإسرائيلية، وحول دوافع الرئيس الأمريكي وأهدافه من وراء ذلك؟ وما مدى جدية تصريحاته بشأن إقامة دولة فلسطينية، وهل سيمارس ضغوطا جدية على إسرائيل للقبول بها؟

في إجابته على الأسئلة المثارة أرجع الباحث المغربي المتخصص في العلوم السياسية، الدكتور خالد العسري ذلك إلى عدة أسباب، من أبرزها أن "وضعية (الستاتيكو) التي يمارسها الكيان الصهيوني مع سلطة رام الله منذ عقود لا يمكن تفعيلها تجاه غزة".


                         خالد العسري..  باحث مغربي متخصص في العلوم السياسية

وأضاف في حديثه لـ"عربي21": "كما أن الولايات المتحدة الأمريكية التي تبدو مشاركا فعليا أكثر منها مساهما في هذه الحرب العدوانية غير المسبوقة ملزمة بتقديم أطروحة تبرز حرصها أيضا على الحق الفلسطيني حتى لا يكون انحيازها إلى الكيان الصهيوني انحيازا متطرفا إلى أقصى الحدود".

وتابع: "يضاف إلى ذلك أنها تفكر في اليوم التالي للحرب على غزة، وهو يوم لا يمكن تسويقه إلا تحت شعار (دولة فلسطينية مستقلة) لمنح الشرعية لتفكيك سلطة المقاومة في غزة، وإعادة تركيب القطاع من خلال دمج حضور السلطة مع شرعية يضفيها النظام العربي الرسمي – وعلى رأسه السعودية ـ على كل خطواته التبعية للرؤية الصهيو ـ أمريكية".

ولفت الباحث المغربي العسري إلى أن "المقايضة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية لاستكمال التطبيع مع السعودية تبدو المعادلة الممكنة في هذه اللحظة من أجل تحقيق ثلاثة أهداف مركزية على الأقل، يتعلق الهدف الأول منها بإمكانية تفعيل تصورات الإدارة الأمريكية فيما يخص اليوم التالي بعد الحرب على غزة، ذلك أن شعار الدولة الفلسطينية يرفع بدون أي تفاصيل".

وأردف: "لكن الجميع يعلم أنها تحمل العديد من اللاءات: لا لعودة اللاجئين، ولا للسيادة على القدس، ولا لتفكيك كل المستوطنات، ولا للسيادة على الأجواء.. مع دولة منزوعة السلاح، وهذه كلها أمور سيترك التداول في تفاصيلها نظريا لسنوات طوال كما كان الشأن بالنسبة لاتفاق أوسلو..".

أما الهدف الثاني، تابع العسري "فيتعلق بضمان حاضنة غير رافضة للكيان الصهيوني في محيطه العربي الإسلامي، وبعد نجاح هذا الكيان في التطبيع، بل التحالف مع مجموعة من الأنظمة العربية، فإن دمج السعودية سيعتبر الخطوة العملاقة في هذا الاتجاه، لا سيما أنها الحاضرة بشكل أكبر في النظام الإقليمي العربي بعد تراجع أدوار كل من مصر والعراق وسوريا..".

الهدف الثالث، حسب العسري "يتعلق بتجاوز مرحلة التطبيع إلى مرحلة التحالف ضد عدو مشترك، وهذا العدو المشترك سيتمثل في كل من يهدد الوضعية الجديدة لمشهد التحالفات في المنطقة، والتي تستدعي تغيير العقيدة القومية للعديد من الشعوب من أجل تقبل الكيان الصهيوني المحتل ضمن دوله العربية المسالمة.." على حد تعبيره.

من جانبه رأى الكاتب والأكاديمي المصري، الدكتور رامي عزيز أن هدف بايدن من وراء إتمام اتفاق تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل هو "الحصول على أي نصر أو إنجاز كبير، فبايدن الذي قربت فترته الرئاسية من الانتهاء، لم يستطع تحقيق أي إنجاز ملموس على المستوى الداخلي، أو على مستوى السياسة الخارجية".


                                             رامي عزيز كاتب وأكاديمي مصري

وواصل حديثه لـ"عربي21" بالقول: "فسياسة إدارة بايدن تسببت في اندلاع الحروب والأزمات، وجعلت المشهد على المستوى العالمي أكثر خطورة، ففي فبراير 2022 اندلعت الحرب الروسية- الأوكرانية، التي وصل تأثيرها إلى جيوب دافعي الضرائب الأمريكية، وعلت الكثير من الأصوات في الداخل الأمريكي بالشجب والرفض لدفع الولايات المتحدة مئات المليارات في حرب وصفت بالعبثية".

وتابع: "ثم تسببت سياسة إدارة بايدن المتساهلة مع الحكومة اليمينية المتطرفة في إسرائيل في تعقيد المشهد الفلسطيني الإسرائيلي، وزادت من وحشية الاحتلال الإسرائيلي، ومصاعب الحياة بالنسبة للفلسطينيين، وقتل أي أمل لديهم في مستقبل أفضل، حتى وصلنا إلى مشهد السابع من أكتوبر، الذي أدّى إلى حرب إبادة جماعية برعاية أمريكية على غزة مستمرة حتى هذه اللحظة".

ولفت إلى أن "بايدن الذي فاز في الانتخابات السابقة؛ لأنه قدم نفسه كمخلص للولايات المتحدة، والقادر على إصلاح الضرر الذي أحدثه ترامب، لم يفلح في أي شيء، بل ألحق مزيدا من الضرر بأمريكا وصورتها حول العالم، لذا فإنه يبحث عن نصر كبير من خلال صفقة التطبيع بين السعودية وإسرائيل، ليصنع بها إرثا له في حالة عدم انتخابه لفترة أخرى..".

وعن مدى جدية بايدن في تصريحاته حول قيام دولة فلسطينية، قال عزيز: "لا يمكن أخذ تصريحاته على محمل الجد، فلو كانت إدارته جادة في هذا الصدد لكان الأولى بها أن توقف حرب الإبادة الدائرة في غزة على المدنيين العزل، ولكنها حتى آخر لحظة ما زالت تستخدم حق الفيتو في مجلس الأمن، لإجهاض أي قرار يُلزم إسرائيل بوقف الحرب، وتسريع دخول المساعدات الإنسانية..".

وردا على سؤال حول إمكانية قيام الولايات المتحدة بالضغط على الكيان الصهيوني لإعلان قيام دولة فلسطينية من أجل تمرير صفقة التطبيع مع السعودية، أكد أن "أمريكا بوصفها الراعي الرسمي والرئيسي للكيان الصهيوني، تستطيع الضغط عليه، لكن لا بايدن ولا أي رئيس أمريكي سابق أو قادم لديه الرغبة الحقيقية أو الاهتمام برؤية دولة فلسطينية مستقلة، على أراضي فلسطين المحتلة، ربما قد يحدث هذا في وقت ما في المستقبل، الأمر الذي سينعكس على تغير الطبقة الحاكمة في واشنطن، لكن هذا الأمر يتطلب الانتظار لعقود طويلة".

بدوره علق الأكاديمي اليمني، أستاذ علم الاجتماع السياسي، الدكتور عبد الباقي شمسان على تصريحات الرئيس بايدن بشأن إقامة دولة فلسطينية بالقول: "هذا كلام عام، وحمَّال أوجه، وقابل للتأويل، فما مفهوم الدولة الفلسطينية التي يتحدث عنها؟ هل هي دولة بحدود الـرابع من حزيران سنة 1967، وعاصمتها القدس، وتكون مستقلة وكاملة السيادة، وقابلة للعيش والحياة"؟


                            عبد الباقي شمسان.. أستاذ علم الاجتماع السياسي

وتابع: "أم سندخل في حوارات ومفاوضات طويلة حول مفهوم الدولة، والتي قد تكون، حسب التصور الأمريكي والإسرائيلي قطعة من الأرض تدار إداريا من قبل الفلسطينيين، لكنها تبقى تحت الهيمنة الأمنية الإسرائيلية، فتكون منقوصة السيادة، ولا تكون عاصمتها القدس، وفي نفس الوقت غير قادرة على العيش والبقاء"؟

وقال شمسان في حديثه لـ"عربي21": "نحن أمام استراتيجية أمريكية في المنطقة وهي تسعى لتحقيق المصالح الأمريكية والإسرائيلية، وتحقيق المصالح الغربية كذلك، والتي تريد العودة بشكل مباشر إلى منطقة الشرق الأوسط وتصبح لها حظوظ، كما ستصبح كثير من الدول في المنطقة غير قابلة للبقاء لأنها تعيش أزمة مشاركة وصراعا داخليا، وهو ما يتطلب رعاية وحماية دوليتين".

وأردف: "وكذلك يمكن تفجير الحقول السياسية في أي لحظة، ما يجعل من التدخل الغربي العسكري أمرا واردا وممكنا، فقد ينفجر الحال في سورية أو اليمن أو العراق، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى انتهاك السيادة الوطنية، والتدخل الخارجي، وهو ما يجعل المنطقة تحت الاحتلال الغربي والأمريكي المباشر، وهذه المشاريع تم التخطيط لها منذ عام 1990".

وختم كلامه بالإشارة إلى أن "ضغوط اللوبي الصهيوني فيما يتعلق بالسياسات الأمريكية والغربية بشأن الشرق الأوسط والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لا تأتي من سياسات آنية، وهو ما ينطبق تماما على موضوع إقامة دولة فلسطينية، فهم يتعاملون من منظور الاستراتيجيات الكلية الشاملة".
التعليقات (0)