قضايا وآراء

الثورة التي نريد (4)

أحمد عبد العزيز
1300x600
1300x600
في هذا المقال، أستكمل الجملة الاعتراضية التي بدأتها في المقال السابق، قبيل موعد دعوات الخروج للتظاهر ضد نظام ياسر جلال، في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، وقد مر هذا الحدث (الذي ترَقّبه الجميع) في صورة لافتة، لا تخلو من دلالات بالغة الأهمية، سآتي على بعضها في هذا المقال..

تنسيق لأول مرة منذ سنوات!

لاحظنا تنسيقا بين المقاول محمد علي صاحب الدعوة، والإعلامييْن عبد الله الشريف ومعتز مطر، وقد تمثل هذا التنسيق في اتفاق ثلاثتهم على "ساعة الخروج" وتفويض أو تكليف عبد الله الشريف بالإعلان عن "خطة الخروج"، مع تأكيد من جانب علي ومطر على ما أذاعه الشريف، وهي "الفضيلة" التي غابت عن معسكر مناهضي الانقلاب لسنوات، بعد اندثار "تحالف دعم الشرعية" الذي كان يدعو (منذ وقوع الانقلاب في تموز/ يوليو 2013 وحتى نهاية 2015) إلى الخروج كل جمعة، تحت عنوان مختلف، دون رؤية واضحة، لاستغلال زئير تلك الحشود الهائلة التي كانت تتفاعل مع هذه الدعوات، وتخرج في ربوع مصر، منددة بالانقلاب ومطالبة بعودة الشرعية. وقد كلفت هذه الدعوات مؤيدي الشرعية الكثير الكثير، معنويا وماديا واجتماعيا.

وجدير بالذكر، أن بعض الفرقاء في "تحالف دعم الشرعية" اتهموا الدكتور محمود حسين الذي كان يدير جماعة الإخوان المسلمين وقتذاك، بأنه السبب الرئيس في تفجير هذا التحالف، بتعنته واستبداده بالرأي، في كثير من الأمور.
أشادت أبواق الانقلاب الإعلامية بهذه الصورة "المفزعة" واعتبرتها فشلا لهذه الدعوة "المشؤومة" التي لا تهدف إلا لزعزعة أمن مصر واستقرارها، وهدم الإنجازات العظيمة التي تمت على يد الجنرال ياسر جلال، ولم ير المصريون لأي منها أثرا في حياتهم التي تزداد بؤسا وضنكا كل يوم!

أرض الخوف!

استجاب نفر قليل لدعوة الشريف، فور إذاعة حلقته الأسبوعية على يوتيوب، وتحديدا في مدينة السويس (شرق القاهرة)، ومدينة أسوان (أقصى جنوب مصر). فخرجوا في السويس بسياراتهم، بناءً على ندائه، أما في أسوان فقد خرجوا سيرا على الأقدام، بينما خلت الشوارع والميادين الرئيسة في القاهرة والإسكندرية من المارة تماما، إلا من عناصر الشرطة ومدرعاتها! وفي اليوم التالي، أشادت أبواق الانقلاب الإعلامية بهذه الصورة "المفزعة" واعتبرتها فشلا لهذه الدعوة "المشؤومة" التي لا تهدف إلا لزعزعة أمن مصر واستقرارها، وهدم الإنجازات العظيمة التي تمت على يد الجنرال ياسر جلال، ولم ير المصريون لأي منها أثرا في حياتهم التي تزداد بؤسا وضنكا كل يوم!

إن صورة فراغ الشوارع من الحياة التي تباهت بها أبواق الانقلاب، وصوَّرتها دليلا على قوة سلطة الانقلاب وسيطرتها، لا تدل (في الحقيقة) إلا على هشاشة هذه السلطة، ورعبها من الشعب (إذا ركب)، وتدل أيضا على خوف الشعب من سلطة غشوم لا يمنعها أي مانع من إراقة الدماء بلا حساب؛ لتبقى في مكانها..

وعلى ما يبدو أن "العقول الجبارة" في سلطة الانقلاب أدركت دلالات هذه الصورة شديدة السلبية، في الداخل والخارج على السواء، فحاولت ترميمها، بأن أوعزت إلى أجهزة أمن الانقلاب، بإخراج أعداد من البلطجية تجوب الشوارع بالسيارات، مرددة الهتافات "المعتادة" بحياة "المنقذ" وسقوط "الإرهابيين" الذين هم الإخوان بطبيعة الحال! ولكن بعد فوات الأوان، فالصورة قد انطبعت في الأذهان، وكونت انطباعا وأثرا لا يمكن محوهما!

نغمتان نشاز

على التوازي، ضج الفضاء الأزرق بنغمتين، كلاهما أشد نشازا من الأخرى:

الأولى: الشعب المصري جبان، ولا يستحق الحرية.

الثانية: أين الإخوان؟ لو كانوا نزلوا الشارع لحسموا الأمر.

وأقول للعازفين الأعزاء..
الإخوان، فهم جماعة دعوية إصلاحية منذ نشأتها، والثورة ليست من أدبياتها، وما كانت مشاركتها في انتفاضة 25 يناير 2011 إلا استثناءً، لا يمكن اعتباره نهجا (إخوانيا) للتغيير.. وقياداتها التي تتحدث عن الثورة (منذ ذلك التاريخ) إنما تناقض نفسها؛ لأنها تُربي كوادرها على التغيير بالدعوة لا بالثورة

الشعب المصري ليس جبانا.. وإنما يعاني من غياب قيادة ثورية قادرة على كسب ثقته، وخائف من بطش سلطة غشوم لا يروي عطشها إلا الدم..

أما الإخوان، فهم جماعة دعوية إصلاحية منذ نشأتها، والثورة ليست من أدبياتها، وما كانت مشاركتها في انتفاضة 25 يناير 2011 إلا استثناءً، لا يمكن اعتباره نهجا (إخوانيا) للتغيير.. وقياداتها التي تتحدث عن الثورة (منذ ذلك التاريخ) إنما تناقض نفسها؛ لأنها تُربي كوادرها على التغيير بالدعوة لا بالثورة، إلا قيادات قليلة طالبت بالمراجعة والتطوير، فتم تهميشها..

وهذا ليس خطأً بالكلية، في ظل أنظمة دموية، جعلت من الجماعة هدفا للاعتقال والاغتيال على مدى تاريخها كله؛ لأنها تطمح إلى جعل المجتمع مسلما بحق، وحينئذ لن يكون أمام أي سلطة إلا أن تنافق المجتمع، أو تحاول استرضاءه (بعبارة أخف) رغبة منها في البقاء.. فلا تضطهد المصلحين، ولا تدس أنفها في الدين، ولا تشجع على النيْل منه، ولا تسرق إلا في حدود يمكن تبريرها، ولا تفاخر بتماهيها مع العدو الصهيوني.. إلخ؛ كي لا تصطدم مع الشعب الذي بات متمسكا بدينه، واعيا بحقوقه وواجباته..

إن غياب الوعي لدى "أغلبية" المجتمع المصري، يفقدها القدرة على التمييز بين السلطة المستبدة والسلطة العادلة، ما دامت توفر لها احتياجاتها الأساسية، أو قادرة على استمالتها ودغدغة عواطفها! فإذا عجزت السلطة عن ذلك، فستسخط عليها هذه الأغلبية، لكنها لن تثور عليها؛ بسبب الخوف من التنكيل!
غياب الوعي لدى "أغلبية" المجتمع المصري، يفقدها القدرة على التمييز بين السلطة المستبدة والسلطة العادلة، ما دامت توفر لها احتياجاتها الأساسية، أو قادرة على استمالتها ودغدغة عواطفها!

فلا أحد يلوم الناس على عدم النزول، ولا يصح اتهامهم بالجبن والتخاذل.. الناس بحاجة لأن تقتنع بجدوى النزول الذي قد يكلفها حياتها، أو يلقي بها في ظلمات السجن، أو يجعل ذويها بغير عائل، في وضع اقتصادي شديد البؤس!

هذا الاقتناع لا يتشكل بالحديث عن سوء الحال، وكآبة المآل، ولكنه يتشكل من خلال قيادة ثورية رشيدة متجانسة، قادرة على كسب تأييد (غير مشروط) داخليا (كيانات ومؤسسات) وخارجيا (دول) على أساس المصلحة المشتركة، وتكون قادرة (أيضا) على كسب ثقة الجماهير، بتبنيها رؤية واضحة وخطة مدروسة لتغيير أحوالهم، وليس خطة للنزول التي هي آخر ما يجب الحديث عنه.

الشخصية العامة والقيادة الثورية

من الأمور التي يجب الوعي بها، ولفت الأنظار إليها، ضرورة التمييز بين "الشخصية العامة" و"القيادة الثورية" أو "الشخصية القيادية الثورية"!

فالشخصية العامة، شخصية معروفة لدى قطاع عريض من الجماهير، تملك موهبة التأثير فيها، لكنها لا تستطيع تحريكها على الأرض، وليس بالضرورة أن يكون لديها رؤية شاملة للتغيير، وهذا حال أصحاب دعوة 11/11 الأخيرة، والدعوات التي سبقتها! أما القيادة الثورية، فقد تكون معروفة للعامة أو مجهولة.. وفي الحالتين، فإنها تنطلق من فكرة (أيديولوجية) ورؤية واضحة، وهي قادرة على التأثير في الجماهير وتحريكها، في آن، من خلال أتباعها على الأرض، فهي تستعيض عن غيابها أو "جهل الناس بها" بأتباعها المنتشرين بين الجماهير.. مثال على ذلك: لينين والخميني..
قيادة ثورية رشيدة متجانسة، قادرة على كسب تأييد (غير مشروط) داخليا (كيانات ومؤسسات) وخارجيا (دول) على أساس المصلحة المشتركة، وتكون قادرة (أيضا) على كسب ثقة الجماهير، بتبنيها رؤية واضحة وخطة مدروسة لتغيير أحوالهم، وليس خطة للنزول

العوام لا يعرفون أن "لينين" ومعظم قادة الحزب الشيوعي الذين قادوا الثورة في روسيا ضد آل رومانوف، كانوا "مجاهيل"، فلم يكن أحد يعرف صورهم ولا أسماءهم الحقيقية، إلا قلة قليلة.. كانوا معروفين لدى الجماهير والعالم بأسماء "مستعارة" ظلوا يحملونها، حتى بعد وصولهم إلى السلطة.. فاسم "لينين" الحقيقي هو "ڤلاديمير إليتش أوليانوڤ"، واسم "تروتسكي" الحقيقي هو "ليڤ داڤيدوڤيتش برونشتاين"، على سبيل المثال..

ولم يكن مهما للجماهير معرفة أشخاصهم؛ لأن تشكيلات الحزب الشيوعي (على الأرض) كانت تنشر أفكار الحزب بين الجماهير، وتحشد للثورة التي ستجعل من الطبقات الكادحة حكاما للكرملين! "حكم البروليتاريا"، أو "ديكتاتورية البروليتاريا" وهو الأمر الذي لم يحدث، حتى انهيار الاتحاد السوفييتي في نهاية عام 1991، فقد جلس على عرش القياصرة المنظّرون والانتهازيون، أما الشعب الروسي فقد عاش على الشوربة والخبز 70 سبعين عاما، ما عدا كوادر الحزب الشيوعي التي غرقت في شتى الامتيازات!

أما "الخميني" فكان معروفا بمعارضته لنظام الشاه، منذ ستينيات القرن الماضي، وترقى في السلك الحوزوي، حتى أصبح مرجعا دينيا برتبة "آية عظمى"، وكان منفيا في فرنسا.. صفة الخميني كـ"مرجع ديني" كبير، ضمنت له الولاء المطلق من جانب أتباعه أو "مقلديه" (حسب التعبير الشيعي) وهم بالملايين، موزعين على طبقات الشعب والمجالات كافة.. ومن ثم، كان يمكنه تحريكهم على الأرض، وفق الرؤية والخطة اللتيْن تبنَّاهما، وهذا ما كان..

تجدر الإشارة إلى أن قيادة الثورة الروسية كانت مدعومة من ألمانيا التي كانت في حرب ضد روسيا (أثناء الحرب العالمية الأولى)، وهذه أولى مثالب الثورة الروسية، أما الخميني فكان مدعوما من فرنسا..
لا ثورة بلا دعم داخلي وخارجي.. وللدعم صور شتى.. مادي، معنوي، إعلامي، دبلوماسي.. إلخ.. أما الدعم الداخلي فيأتي من الشعب، ومؤسسات الدولة المنحازة للتغيير، وأما الدعم "الخارجي" فيأتي من الدول "الصديقة"، ويجب أن يكون "غير مشروط"، ويكون على أساس المصالح المتبادلة

الخلاصة:

* لا ثورة بلا قيادة لها تمثيل واسع على الأرض، إذا حالت الظروف دون وجودها بين الجماهير.

* لا ثورة بلا أيديولوجيا (فكرة مركزية) تبني عليها رؤيتها، وخطتها، وتصورها للنظام الذي تهدف إلى بنائه.

* لا ثورة بلا دعم داخلي وخارجي.. وللدعم صور شتى.. مادي، معنوي، إعلامي، دبلوماسي.. إلخ.. أما الدعم الداخلي فيأتي من الشعب، ومؤسسات الدولة المنحازة للتغيير، وأما الدعم "الخارجي" فيأتي من الدول "الصديقة"، ويجب أن يكون "غير مشروط"، ويكون على أساس المصالح المتبادلة بين النظام الذي ستقيمه الثورة والدول الداعمة لها، بعد سقوط النظام الفاسد المستبد المزمع إسقاطه.

وأخيرا..

النخبة المصرية أمام مسؤولية أخلاقية ووطنية وتاريخية عظيمة! فتقاعسها (منذ وقوع الانقلاب وحتى الآن) عن التنادي والتوافق على قيادة ورؤية وخطة لإنقاذ وإدارة البلاد، حال إسقاط (أو سقوط) ياسر جلال، ومحاولة كسب ثقة الشعب، وتحريكه، سيسمح لجناح آخر في السلطة بالقفز إلى سدة الحكم، ليطلب من الشعب "تصفير العداد" والصبر عشر سنوات أخرى، وربما أكثر، بينما تظل هذه النخبة في ممارسة المعارضة والتنظير، وطحن الكلام الذي لن يطعم جائعا، ولن يوفر الدواء لمريض، ولن يُخرج مصر من البئر السحيقة التي سقطت فيها!

إن هذا الحال سيفضي (حتما) إلى فوضى عارمة، لا يعلم إلا الله إلى متى ستستمر، وكيف ستنتهي!

اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد.

(يُتبع)..

twitter.com/AAAzizMisr
aaaziz.com
التعليقات (0)