أفكَار

لهذا تسعى أمريكا لتطبيع علاقات إسرائيل مع الأنظمة العربية

المطلوب من الأنظمة العربية التطبيع لتصفية القضية الفلسطينية- (الأناضول)
المطلوب من الأنظمة العربية التطبيع لتصفية القضية الفلسطينية- (الأناضول)

أعاد الاتفاق الثلاثي الإماراتي-الإسرائيلي-الأمريكي بتطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل، مسألة التطبيع العربي مع إسرائيل إلى الواجهة، لا سيما في ظل انسداد آفاق الحل السياسي للقضية الفلسطينية، وغياب أي دور دولي فعال ليس من أجل مناصرة الحقوق الفلسطينية، وإنما من أجل تنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة بالصراع العربي-الإسرائيلي.

الكاتب والباحث التونسي توفيق المديني، يعمل في هذه الورقة الخاصة بـ "عربي21"، على قراءة حقيقة التطبيع الإماراتي-الإسرائيلي، وتداعياته المرتقبة على مستقبل القضية الفلسطينية أولا وعلى المنطقة العربية والإسلامية برمتها.

 

 


ليس هناك -ولا يمكن أن تقوم- علاقات طبيعية بين العرب والكيان الصهيوني، ذلك أنَّ طبيعة التناقض التناحري، والعلاقة الصراعية بينهما محكومة بنسبة موازين القوى. فما يطلق عليه اسم التطبيع مفروض بشروط المنتصر أي شروط الكيان الصهيوني، وهذا ما حصل في اتفاق أوسلو.
 
والتطبيع كما يستدل من السياق الذي نشأ منه اللفظ/المصطلح، أو الرمز، هو تطبيع سياسي وعسكري واقتصادي وثقافي وحقوقي، بين الأنظمة العربية والكيان الصهيوني، وعلاقة حسن جوار، وتعايش مع العدو القومي الذي هو في طريقه إلى أن يصبح شريكاً وحليفاً وصديقاً، إِنْ لم يكن قد أصبح كذلك في نظر الحكام الإماراتيين، من دون أنْ يتخلى عن تهويد القدس وكل فلسطين، واستمرار تفوقه العسكري الاستراتيجي والنوعي على جميع الدول العربية منفردة، وعلى أي تحالف عربي محتمل، دون أن يتخلى عن امتيازاته أو يغير في وظيفته وبنيته.

ولا شك أن المنطقة العربية تخضع منذ مدة ليست بالقصيرة لهندسة سياسة الفك وإعادة التركيب لكي تخضع بالكامل لشروط ومتطلبات "إسرائيل"، واستراتيجية إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تريد فرض ما يسمى "صفقة القرن" على العرب، وإنشاء نظام إقليمي شرق أوسطي جديد يلغي وجود الدول الوطنية العربية، ويحتل فيه الكيان الصهيوني مركز القيادة.

ضمن هذه الرؤية يشكل الإعلان الثلاثي الأمريكي-الإسرائيلي-الإماراتي، حول تطبيع كامل للعلاقات بين دولة الاحتلال الإسرائيلي ودولة الإمارات العربية المتحدة، إعلانًا انتخابيًا يخدم مصلحة الرئيس ترامب في الداخل الأمريكي، لا سيما أن ترامب على أبواب حملة انتخابية شرسة، في ظل الصعود القوي للمرشح الديمقراطي بايدن.

كما أنَّ هذا الاتفاق  يقدم خدمة كبيرة لرئيس الحكومة الصهيونية الفاشي بنيامين نتنياهو الذي يواجه صعوبات كبيرة داخل الكيان الصهيوني،بسبب فضائح الفساد، على حدِّ توصيف المستشار القانوني للحكومة الصهيونية بأنه خائن ومرتشي وفاسد وكاذب. فالاتقاق الذي رعاه الرئيس ترامب، وسارع نتنياهو الاحتفاء به، يفصح عن العلاقات السياسية والتجارية القائمة بين النخبة الحاكمة في دولة الإمارات العربية المتحدة والأجهزة الصهيونية، منذ سنين طويلة، ويعبر عن ارتماء دولة الإمارات في أحضان الكيان الصهيوني مقدمة تنازلات مجانية في قضية إنهاء الصراع العربي ـ الصهيوني، وإنهاء حالة العداء مع إسرائيل، ما دامت الدولة الصهيونية لا تقدم شيئا ملموساً يمكن أن يحدث تقدماً جوهرياً في مجال إقامة الدولة الفلسطينية.

كالعادة، قدم الإماراتيون وبعض الأنظمة العربية الأخرى ـ وبسخاء طالما عرفوا به ـ كل ما لديهم، وبالغوا في"غواية" إسرائيل وهم يفترضون أنها مثلهم ستقبل شفاعتهم فتعطي الفلسطينيين البؤساء ـ وبشفاعة النفط ـ الحد الأدنى من حقوقهم في أرضهم، فإذا بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يكتف بالاعترف بالقدس عاصمة أبدية للكيان الصهيوني، بل وقع في 25 آذار (مارس) 2019 مرسومًا يعترف بالسيادة الصهيونية على هضبة الجولان التي احتلتها إسرائيل من سوريا في حرب عام 1967.
 
ولم يكتف ترامب  بالاعتراف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان المحتلة، بل قال في مستهل اجتماع مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو إنَّ أي اتفاق للسلام في الشرق الأوسط يجب أن يتضمن حق "إسرائيل" في الدفاع عن نفسها. وتعهد أمام نتنياهو بأن الولايات المتحدة "تعترف بالحق المطلق لإسرائيل بالدفاع عن نفسها".

فالاتفاق الإماراتي حول التطبيع مع الكيان الصهيوني، يكرّر التجربة المرَّة دائماً من غير أنْ يتعلم العرب: يذهبون بلا سلاح، متنازلين في طلب السلام، فيواجهون بإسرائيل تعرض عليهم الاستسلام والتخلي عن فلسطين وإلا الحرب... إنها هزيمة عربية جديدة وشاملة عنوانها: خروج العرب من فلسطين نهائياً، وتركها بكاملها للاحتلال الإسرائيلي المعز بالدعم الأمريكي المفتوح.

الاتفاق الإماراتي-الإسرئيلي يدفن مبادرة السلام العربية  
 
ليس من شك أن اتفاق التطبيع بين دولة الإمارات والكيان الصهيوني يمثل طعنة أخرى لمبادرة السلام العربية، التي أطلقت في عام 2002، من قبل الملك عبد الله، الذي كان في ذلك الوقت وليًا للعهد. والمبادرة العربية  التي وافق عليها العرب بالإجماع "معتدلين و متشددين"، والمدعومة من قبل الأكثرية الفلسطينية، تتميز بالبساطة. تنسحب "إسرائيل" إلى حدود الرابع من يونيو 1967، وتستعيد سوريا الجولان، وتقام الدولة الفلسطينية في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية. وفي المقابل تقيم الدول العربية الإثنتين والعشرين علاقات دبلوماسية كاملة مع "إسرائيل" إضافة إلى علاقات تجارية وتعهد بضمان أمن حدودها. أي انسحاب كامل مقابل سلام كامل.

المبادرة العربية للسلام لا تحمل أي شيء جديد، ولا هي ابتكار في الفكر السياسي العربي، بل إنَّ كل من يدرس القرارات الدولية الخاصة بالصراع العربي ـ الصهيوني، لا سيما القرارين 242 الصادر عام 1967، و338 الصادر عام 1973، يلمس بوضوح أنَّ هذين القرارين اللذين تبناهما مجلس الأمن الدولي، يطرحان مبدأ مقايضة الأرض بالسلام.

وعلى أرضية هذا المبدأ، أي السلام مقابل الأرض، أبرم الرئيس السابق أنور السادات اتفاقيات كامب ديفيد مع "إسرائيل"عام 1979، حيث استعادت مصر بموجبها شبه جزيرة سيناء المحتلة بعد أن فككت المستوطنات الصهيونية التي أقيمت فيها رغم معارضة اليمين الصهيوني المتطرف، مقابل إخراج مصر من دائرة الصراع العربي ـ الصهيوني. وكان مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، عقد وفق مبدأ الأرض مقابل السلام، كما أَبرمت اتفاقيات أوسلو عام 1993، التي أطلق عليها شارون رصاصة الرحمة في الانتفاضة الثانية ،على أرضية المبدأ عينه.

 

الأمريكيون والصهاينة يعرفون السلام أنَّه تسوية تنهي المطالبة العربية بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني في استرداد أرضه السليبة، ويطرحون على الدول العربية المعتدلة اللاهثة وراء التطبيع بإقامة محور على مستوى منطقة الشرق الأوسط تكون "إسرائيل " مركزه، يقف في وجه إيران و سوريا و"حزب الله" وحركتي "حماس" و "الجهاد الإسلامي".

 



"إسرائيل" لا تريد إسلامها الخاص الذي يقوم على اعتراف العرب بها كدولة يهودية خالصة، أي أنها تسعى  إلى الحصول على اعتراف بأرض الميعاد، وهي فكرة تستند إلى دعوى توراتية ونهاية رمزية للاضطهاد الذي عانى منه اليهود على مرِّالعصور، والذي بلغ ذروته مع الاضطهاد النازي، حسب وجهة نظرهم.

ومن وجهة النظر العربية عامة، والفلسطينية خاصة، يمثل هذا التطبيغ الإماراتي استسلامًا شاملاً لمطالب الحركة الصهيونية العالمية وتجسيدها المادي ـ الكيان الصهيوني ـ ونفيًا مطلقًا لحق الشعب الفلسطيني أن يكون سيدًا على أرضه التاريخية المعترف بها من قبل الشرائع والأديان السماوية، إضافة إلى القانون الدولي الحديث. 

"إسرائيل " تأسست على أساس القرار 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1947، الذي ينص على تقسيم فلسطين التاريخية إلى دولتين يهودية وعربية. وقد خاضت دولة الكيان الصهيوني الناشئة الحرب وسفك الدماء العربية في العامين 1948 ـ 1949، إذ انتصرت "إسرائيل" في تلك الحرب، وتمكنت من مضاعفة الأراضي التي كانت مخصصة لها باحتلالها صحراء النقب غير المأهولة بالسكان. وأوقف القتال باتفاق لوقف النار وليس باتفاقية سلام.

ورغم أن "إسرائيل" كسبت كل حروبها مع العرب، وصدرت عدة قرارات دولية عن مجلس الأمن تنص على التفاوض بين العرب والصهاينة لإيجاد حل للقضية الفلسطينية، فإنَّ الكيان الصهيوني في كل تسوية أو عملية سلام كان يجريها مع العرب والفلسطينيين، كان يرفض دائما التحدث عن حق العودة لللاجئين الفلسطينيين.

بيد أن أي تسوية عادلة للقضية الفلسطينية على أساس القرار 242 الصادر عن مجلس الأمن في الأمم المتحدة يجب أن تفضي إلى تطبيق القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة.. من هنا، وعلى الرغم من أن الرئيس الراحل ياسر عرفات اعترف بوجود "إسرائيل" ووقع اتفاقيات أوسلو، فإنَّه في المفاوضات الأخيرة التي دارت في كامب ديفيد في نهاية ولاية كلنتون الثانية تموز (يوليو) 2000، والتي شارك فيها رئيس الوزراء الصهيوني آنذاك باراك، والرئيس كلينتون شخصيا، الذي جمع فرقاء الصراع، أعطى المتحدثون الرسميون الأمريكيون والصهاينة انطباعا أنَّ عرفات، فيما خص مسألة الأراضي، سوف يقبل بتلهف العرض الذي اقترحه باراك لاحقا بشكل رسمي ( التخلي عن  95 في المئة من الأراضي المحتلة في الضفة الغربية) وأنَّه، فيما يخص مسألة القدس، سوف يرضى بإنشاء عاصمة فلسطينية في إحدى ضواحي القدس التي كانت قد ضمت من قبل "إسرائيل" إلى القدس الكبرى، لكن اتضح أنَّ هذه الاقتراحات الصهيونية لم تلق أي قبول من جانب عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية، اللذين رفضا التنازلات عن حق العودة مقابل العروض الصهيونية. 

 

ماذا يبقى لو تم التخلي عن حق العودة؟ في الواقع ستتحول القضية الفلسطينية الذي يمثل حق العودة جوهرها إلى مجرد قضية إنسانية تعنى بها المنظمات غير الحكومية لا كقضية وطنية لشعب شرد من أرضه.

 



وفي الواقع ترفض "إسرائيل: الاعتراف بحق العودة للاجئين الفلسطينيين، رغم أنَّها هي المتسبب الرئيس والأساس في عملية اقتلاع شعب من أرضه، وتشريده في مختلف البلدان العربية المجاورة. بيد أنَّ الشعب الفلسطيني حتى وإِنْ أقرَّ بقبول تسوية للقضية الفلسطينية، فإنَّه يرى وجوب أن تفضي هذه التسوية إلى تطبيق قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة رقم 194 الذي كان يجري تأكيده سنويا منذ العام 1948، والذي ينص صراحة وبالتحديد على "السماح لمن يرغب من اللاجئين بالعودة إلى ديارهم في أقرب وقت ممكن و العيش بسلام مع جيرانهم".

ماذا يبقى لو تم التخلي عن حق العودة؟ في الواقع ستتحول القضية الفلسطينية الذي يمثل حق العودة جوهرها إلى مجرد قضية إنسانية تعنى بها المنظمات غير الحكومية لا كقضية وطنية لشعب شرد من أرضه.

ولو افترضنا أنَّ العرب وافقوا على التطبيع والتخلي عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين، فهل يضمن لهم أنَّ "إسرائيل" ستنسحب من الضفة الغربية والجولان وما تبقى من الأراضي اللبنانية وتقبل بإقامة دولة فلسطينية مستقلة؟

الأمريكيون والصهاينة يعرفون السلام أنَّه تسوية تنهي المطالبة العربية بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني في استرداد أرضه السليبة، ويطرحون على الدول العربية المعتدلة اللاهثة وراء التطبيع  بإقامة محور على مستوى منطقة الشرق الأوسط تكون "إسرائيل " مركزه، يقف في وجه إيران و سوريا و"حزب الله" وحركتي "حماس" و "الجهاد الإسلامي".
  
صفقة القرن كبوابة للتطبيع بين العرب والكيان الصهيوني
 
إنَّ التطبيغ الإماراتي-الصهيوني يأتي في سياق "تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي" الذي دعت إليه الدول الخليجية لمواجهة إيران وسوريا وقوى المقاومة في الإقليم، يستهدف شرعنة التطبيع بين الكيان الصهيوني والدول العربية، وربط الاقتصاد العربي بعجلة التطور الصهيوني، إذْ أنَّ الاندماج الصهيوني في النسيج الاقتصادي والاجتماعي للأمة العربية لتمزيقها من الداخل وتفتيتها، بعد أن عجز عن تحقيق ذلك بوساطة الحروب رغم تفوقه العسكري، ورغم الوظيفة الرئيسية التي كانت مناطة به في خدمة النظام الإمبريالي العالمي ألا وهي دور رأس جسر عسكري، وقاعدة استراتيجية متقدمة للغرب بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية.
 
إنَّ مواجهة التطبيع مع الكيان الصهيوني يتطلب من الشعوب العربية والإسلامية أفراداً وأحزاباً وجماعات ومنظمات، التمسك بخيار مقاومة المشروع الإمبريالي الأمريكي ـ الصهيوني، وإقامة السوق العربية المشتركة، وتحقيق التكامل الاقتصادي العربي واستمرارالمقاطعة العربية للكيان الصهيوني، ومقاومة سياسة التطبيع، وخلق وضع عربي مقاوم مناهض للهيمنة الإمبريالية الأمريكية الصهيونية.
 
إن القضية الفلسطينية هي قضية الصراع العربي مع الإمبريالية الأمريكية وللحركة الصهيونية في فلسطين دور وظيفي تؤديه في هذا المجال. ولذلك يجب أن يبقى الصراع دائراً وألا يجزأ، لأنَّ تجزئته في فلسطين ومحاولة الفصل بين الإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني قاد الحركة الفلسطينية إلى الضلال وأضاع فلسطين، وأية محاولة لاعتبار إدارة ترامب الأمريكية حكماً سيقود إلى الضلال والضياع. ثم إنَّ أية محاولة لاعتبارالمشكلة فلسطينية ـ صهيونية سيقزم المسألة وسيجعلها مثل مئات قضايا اللاجئين في العالم وستطرح الحلول الإنسانية لمشكلة اللاجئين. 

 

إن القضية الفلسطينية هي قضية الصراع العربي مع الإمبريالية الأمريكية وللحركة الصهيونية في فلسطين دور وظيفي تؤديه في هذا المجال. ولذلك يجب أن يبقى الصراع دائراً وألا يجزأ،

 



إنَّ الكيان الصهيوني كان مصلحة استراتيجية أمريكية بامتيازولايزال، وسيظل كذلك في منطقة الشرق الوسط. فالكيان الصهيوني واقع استعماري استيطاني. وقد أجمع المثقفون العرب من اليمين واليسار أنَّ الكيان الصهيوني هو جزء من "الظاهرة الاستعمارية "الأوروبية. وقد تبنى هذا الموقف العالم الثالث على أوسع نطاق. ويحارالمرء في الانتقاء من بين التأكيدات العربية.

الكيان الصهيوني في نظر الشعوب العربية والإسلامية قاعدة امبريالية، وهي جزء من النظام الإمبريالي العالمي. ونشاطها في العالم هو منذ وجودها مرتبط بالنشاط الإمبريالي سواء أكان لمصلحتها الخاصة أو لحساب الإمبرياليات الأوروبية والأمريكية. هذا هو على الأقل التصور الأكثر شيوعاً في العالم العربي والإسلامي. وتشعر الشعوب العربية بالمهانة من جراء فرض عنصر غريب في قلب أمتهم  تسانده قوى العالم الأوروبي ـ الأمريكي.

وجاء قيام الكيان الصهيوني عام 1948 ضمن مخطط استعماري استهدف المنطقة كلها بما فيها فلسطين. وكان الوجود الصهيوني في فلسطين جزءاً منه، إذ قام المخطط الاستعماري على تجزئة العالم العربي، وضمان تخلفه، وتنصيب فئات رجعية قيادات في كل "دولة" من دوله. وهدف الوجود الصهيوني الحفاظ على هذه الفسيفساء. وظل  الكيان الصهيوني مرتبطاً بحركة الرأسمالية العالمية عندما كان مركزها في أوروبا، وأصبح جزءاً من المخطط الإمبريالي الأمريكي حين انتقل مركز هذه الرأسمالية العالمية إلى أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية.

لكن ما إن بدأ مشروع العودة اليهودية إلى فلسطين يأخذ مجراه والدولة الناشئة تظهر إلى الوجود وتنتصرعلى أعدائها وتثبت وجودها في أراض جديدة، حتى عادت صورالتاريخ التوراتي المقدس تظهر في واجهة الذاكرة الجماعية لأوروبا العلمانية. وتصادمت زمانية قديمة من طبيعة توراتية، ومحصورة حتى ذلك الحين ضمن حدود دينية وصوفية في الوعي الأوروبي مع زمانية حديثة نشأت في القرن العشرين ومعاشة على نمط دنيوي ـ علماني في عالم أزيل عنه طابع الأثر "السحري" للدين، لينجم عن هذا التصادم تشوش في المقولات والمفاهيم وإدراك الحقيقة التاريخية وطبيعة الأحداث الحاصلة في الشرق الأدنى.

إنَّ الاستعمارالاستيطاني الصهيوني في فلسطين، هو اقتطاع  ظالم لأرض شعب فلسطين، حصل بقوة ودعم القوى الاستعمارية الأوروبية. فخلق "إسرائيل" إنما كان إهانة  للعرب كشعب، فضلاً عن أن الدول الاستعمارية الأوروبية برَّرت وجودها كأداة قمع لحركة التحررالوطني العربية. ثم إن وعي الطبيعة الاستعمارية لدولة "إسرائيل" هو البدء الحقيقي في يقظة الوعي الأوروبي من سباته العميق .

 

الكيان الصهيوني في نظر الشعوب العربية والإسلامية قاعدة امبريالية، وهي جزء من النظام الإمبريالي العالمي. ونشاطها في العالم هو منذ وجودها مرتبط بالنشاط الإمبريالي سواء أكان لمصلحتها الخاصة أو لحساب الإمبرياليات الأوروبية والأمريكية.

 



ما هي الأسباب التي تدفعنا إلى اعتبارالقضية الفلسطينية من القضايا التي تتيح في نظرنا تقييم كرامة الخطاب السياسي العربي ومسؤوليته؟ إن القضية الفلسطينية قضية قومية عربية وإسلامية وكونية.

"إسرائيل" ـ إحدى أقوى الدول عسكرياً في منطقة الشرق الأوسط، وصاحبة التحالف الوثيق مع الولايات المتحدة والحائزة على أفضل تشكيلات الحرب الحديثة ووسائلها ـ قامت في عام 1948، وشنت حرباً على الشعب الفلسطيني، وطبقت خططها البعيدة المدى للتطهير العرقي. بينما يزعم المؤرخون الصهاينة في قراءتهم المتناقضة مع الحقائق التاريخية، بمن فيهم "المؤرخون الجدد"، أن الحرب قد شنها العالم العربي ضد دولة "إسرائيل" لكي يقضي عليها، وأنها أسفرت عن عمليات طرد للفلسطينيين،علماً أن العالم العربي حين حاول أن يمنع ذلك التطهير العرقي، كان ممزقاً مشتتاً غارقاً في شؤونه الداخلية، وغير قادر على وقف اقتلاع نصف سكان فلسطين من وطنهم، وتدمير نصف قرى فلسطين وبلداتها وقتل الألوف من سكانها الذي كانت تقوم به القوات الصهيونية.

ولما كان ذلك التطهير العرقي قد طبق بنجاح في ما يقارب 80% من أرض فلسطين دون أن يكون لذلك أي أصداء عالمية أو إقليمية، فإنَّ "إسرائيل" تواصل تطبيق هذه السياسة منذ سنة 1967 على مساحة الـ 20% الباقية من البلاد. ولا يزال خلق دولة يهودية خالصة في فلسطين التاريخية المطهرة من الفلسطينيين، هو البنية التحتية الأيديولوجية التي تقوم عليها "إسرائيل". ولايزال اليوم أكثرمن ثلث الفلسطينيين يعيشون لاجئين تعساء في غالب الأحيان من دون أن تقر لهم دولة الكيان الصهيوني بأي حق في العودة، على الرغم من صدور القرار 194، ومن دون أن تقدم الدول العربية على استيعابهم  ومنحهم حقوق المواطنة الفعلية، مخافة من التوطين.
   
إنَّ أمريكا لا تزال موجودة في الشرق الأوسط، وهي متورطة اليوم في المنطقة أكثر من أي وقت مضى نتيجة لانتشار قواعدها العسكرية في بلدان الخليج والعراق، واحتلالها الجزء الشمالي الشرقي من سوريا، وجهودها المستمرة لتعزيز استراتيجيتها من أجل تفكيك الدول الوطنية في الشرق الأوسط. 

من وجهة نظر الكيان الصهيوني، إنّ ما يقف عائقاً أمام تحقيق تسوية للصراع العربي ـ الصهيوني هو المشكلة النووية الإيرانية، وبقاء حركات المقاومة في لبنان وفلسطين، إضافة إلى العلاقات التحالفية بين سوريا وإيران. الكيان الصهيوني يريد بناء دولة يهودية خالصة، ولكن الذي يعيقها هو وجود أقلية عربية من سكان الـ 48 ضاقت ذرعاً بها، وهو يريد أن يتخلص منها بأي شكل. ويبدو أن الوقت أصبح مناسباً.. 

وفضلا عن ذلك يريد الكيان الصهيوني استغلال حالة الضعف الشديد التي يتسم بها النظام الرسمي العربي، لا سيما في ضوء إبرام عدة دول عربية معاهدات علنية مع الكيان الصهيوني، ودعوة النظام السعودي بقيادة ولي العهد محمد بن سلمان، إلى إقامة تحالف استراتيجي بين الدول الخليجية والكيان الصهيوني لمواجهة العدو المشترك إيران من وجهة نظره . 

التعليقات (0)