كتاب عربي 21

نهاية الإمبراطور نجيب ساويرس!

1300x600
لم يكن المهندس نجيب ساويرس، مجرد رجل أعمال، ولكنه كان إمبراطورا، لم يكن بمقدور سلطة أن تنهي نفوذه، سوى حكم العسكر، فبدلا من ظنه أنه شريك في الحكم لدوره في الانقلاب، جردوه من حزبه، فصار يقلب كفيه على ما أنفق!

صديقنا المؤرخ  الدكتور محمد الجوادي، هو أول من أطلق على نجيب ساويرس وصف رئيس الشركة القابضة للأحزاب؛ ذلك بأنه لم يكن يملك فقط حزبا واحدا كما كان شائعا، ولكنه يملك بالتمويل مجموعة أحزاب أخرى، وبعد ثورة يناير تم الاعتراف بأنه كان ينفق على حزب "الجبهة الديمقراطية" لصاحبه أسامة الغزالي حرب، وقد تم دمجه في حزب "المصريين الأحرار" في ديسمبر 2013، ليصبح "زيت نجيب في دقيقه"، وقد تولى الغزالي حرب رئاسة "المصريين الأحرار" بعد الدمج لبعض الوقت، ولعله هو الوحيد المعروف من بين الذين تولوا رئاسة الحزب منذ نشأته.

إنفاق نجيب ساويرس على حزب "الجبهة الديمقراطية"، تم بالمخالفة لقانون الأحزاب الذي وضع قواعد لعملية التبرع للأحزاب، لم يتم الالتزام بها، لكن لم يتم الاعتراف بهذا الإنفاق إلا بعد الثورة، وعندما قرر ساويرس أن يخرج للعلن وينشئ حزباً خاصا به أنشأ "المصريين الأحرار" في ديسمبر 2013، وفي أول انتخابات نيابية بعد الثورة، قاد الحزب ائتلاف "الكتلة" المشكل من عدد من الأحزاب من بينها حزب التجمع التقدمي الوحدوي، الذي رضي بالاختفاء في قائمة كان يطلق عليها شعبيا قائمة نجيب ساويرس، لأنه من كان ينفق على دعايتها الانتخابية!

حزب التجمع، هو ثالث ثلاثة مثلوا أضلاع مثلث تجربة التعددية السياسية في سنة 1977، بعد تجربة المنابر داخل الاتحاد الاشتراكي، فكان التجمع منبر اليسار، كما كان الأحرار الاشتراكيين منبر اليمين، ومثل الوسط حزب مصر الاشتراكي. ولا تتعجب من وجود صفة "الاشتراكية" في أسماء منبري الوسط واليمين، فقد كان النص القانوني أن تؤكد الأحزاب ولاءها للاشتراكية كشرط لمنحها الرخصة القانونية!

ورغم أن حزب التجمع، نشأ مع "كشري أبو طارق"، برأي العضو القديم في هذا الحزب زميلنا محمد منير، وهو أشهر محل كشري في القاهرة، وقريب من المقر الرئيسي للحزب، فإنه رضي بالدنية في أمره، وبأن يخوض الانتخابات في قائمة نجيب ساويرس، ذلك بأن التجمع الذي أريد له أن يكون تجمعاً لليسار، انتهى بقبول قياداته الالتحاق بالسلطة، والانتقال من المعارضة الجذرية إلى خندق المعارضة المستأنسة، في الوقت الذي تحول فيه "كشري أبو طارق" من مجرد عربة في الشارع، إلى بناية متعددة الطوابق. ومن يهن يسهل الهوان عليه. فالحزب اليساري قبل بنفس راضية أن يلتحق بقائمة حزب عضو في الليبرالية العالمية!

كانت النتيجة التي حصلت عليها قائمة "المصريين الأحرار"، تؤهله لأن يحلم بمستقبل واعد، ولم يكن أحد ممن انتخبوا هذه القائمة أو عزفوا عن انتخابها، يعرفون الأحزاب الأخرى، بل لم يكونوا يعرفون قيادات حزب "المصريين الأحرار" أنفسهم، فقط هم يعرفون أنه حزب نجيب ساويرس، وقائمة نجيب ساويرس، وقد أطلعت الآن على أعضاء الأمانة العامة للحزب فاكتشفت أنني لا أعرف أحداً منهم سوى صحفي بدأ حياته في صحيفة "الحزب الوطني"، وربما انضم للحزب ليضمن تقديم برنامج في قناة "أون تي في" التي كان يملكها نجيب ساويرس!

فقد حرص ساويرس على أن يأتي بالمجهولين ومقطوعي النسب السياسي ليكونوا قيادات هذا الحزب، أما الأعضاء المشهورين سواء من المؤسسين أو مما يسمي بمجلس الأمناء، فليس لهم باع في العمل السياسي، مثل الأديب جمال الغيطاني، والكاتب محمد سلماوي، والناقد الأدبي صلاح فضل، والعالم الذي تم تعيننه مستشاراً للسيسي: فاروق الباز.فهؤلاء قبلوا أن يكونوا في الحزب، من أجل مصالح يقدر ساويرس على تحقيقها باعتباره من أغنى أغنياء العالم!

وهؤلاء وهؤلاء هم في النهاية مقطوعي النسب السياسي، وكان هذا هدف ليلتصق الحزب باسم نجيب ساويرس، وفي مرحلة التمهيد للانقلاب العسكري، وباجتماعات جبهة الإنقاذ، تعرفنا على رئيس حزب "المصريين الأحرار"، ويدعي "أحمد سعيد"، والذي لا نعرف شخصه أو سابقة أعماله، فلم نقرأ له مقالاً، أو كتاباً، ولم نشاهده قبل رئاسته للحزب ضيفاً في برنامج تلفزيوني، أو مشاركاً في ندوة، أو متحركاً في مظاهرة، وإذا كان يسبق اسمه بـ "دال نقطة" فلا نعرف إن كان أستاذا جامعياً أم طبيبا؟!

والأزمة الأخيرة في الحزب دفعتنا للبحث عبر "جوجل" عن اسم من حل محله في رئاسة الحزب لنكتشف أنه اسمه "عصام خليل"، فمن هو عصام خليل هذا ليكون رئيسا لحزب سياسي، وما هي سابقة نشاطه السياسي قبل هذه الرئاسة، أو بعدها؟، لكنها اختيارات نجيب ساويرس، الذي اكتفى بدور المرشد العام للحزب، ويحتفي بالنكرات، وقد أخذ من مأمنه، فمن خلال هؤلاء تم تنفيذ القرار الفوقي بإلغاء مجلس الأمناء، والتخلص بالتالي من نجيب ساويرس، ولا نعرف هل القيادة الحالية من المؤسسين في الحزب، أم اختارهم ساويرس لمناصبهم من غير المؤسسين واستدعاهم كما استدعى المؤسسين، وكما استدعى المؤسسين لصحيفته من بين العاملين في شركة "موبينيل"، التي كان يملكها؟، فهل يمكن من خلالهم تصفية وجوده في الجريدة أيضا، لاسيما وأنه باع "موبينيل"، وبالتالي فإن سيطرة الأجهزة الأمنية عليهم ستكون أقوى، ويكفي أن يجتمعوا ويقرروا بيعها لرجل الأعمال أبو هشيمة، الذي اشترى "أون تي في" لتؤول ملكيتها للأجهزة، وبإجراءات بسيطة، لأنه لا توجد صفة رسمية لساويرس، في الجريدة، على عكس "أون تي في"!

ولعل سؤالا يتبادر الآن للذهن: ما هي الدوافع لصدور هذا القرار الفوقي، باختطاف الحزب من نجيب ساويرس، على النحو الذي جعله يري فيه أنه قرار تأميم؟.. وفكرة التأميم تعني في العقل الجمعي المصري استحواذ السلطة على الملكية الخاصة، كما فعل حكم الضباط في سنة 1960 مع المؤسسات الصحفية المملوكة لأفراد وتحويلها إلى ما سمي بالصحافة القومية، وكما فعل هذا الحكم مع الممتلكات الخاصة في سنة 1961، وتحويلها إلى ما سمي بالقطاع العام!

لا يغيب عن فطنة المتابع أمران: الأول: أن نجيب ساويرس تصرف بعد الانقلاب العسكري على أنه شريك في الحكم، بفضل دوره في هذا الانقلاب، فقد دعمه كثيراً، وبالمال وبعلاقاته الخارجية، وبالمال أمكن فعل الكثير!

والأمر الثاني: أن الحكم العسكري كالفريك لا يحب شريكاً، وهو إن بدأ في التخلص من خصومه فسوف يلتفت ليلتهم أصدقائه، فعلها الحكم العسكري في سنة 1952، بالاعتداء على الرئيس محمد نجيب الذي أكلوه لحما ورموه عظما، وقضى حياته تحت الحراسة المشددة يشكو الفاقة والعوز، كما فعل عبد الناصر ذلك مع معظم الضباط الأحرار، ومن يوسف صديق، إلى حسين حمودة، وانتهى الأمر بعبد الحكيم عامر مسموماً، وبصلاح نصر مسجوناً، وبعبد المنعم عبد الرؤوف هاربا!

ولا يخفي على أحد أن طموح نجيب ساويرس، كان سببا في تأجيل الانتخابات البرلمانية رغم أنها من الاستحقاقات المبكرة لخارطة المستقبل، لأنه كان يخطط لحصول حزبه على الأغلبية، ولم تجر الانتخابات إلا عندما تم تأسيس حزب "مستقبل وطن" بهدف خطف الأغلبية المحتملة من "المصريين الأحرار"، أما قوائم المستقلين فلم يكن ساويرس ينافس عليها، وبالتالي لم يتم فقط حرمانه من الأغلبية البرلمانية، ولكن من أن يكون الحزب صاحب الأغلبية!

وكانت هذه هى الخطوة الأولى التي تبعتها خطوات، فقد تم إجباره على التخلص من ذراعه الأيمن في قناة "أون تي في"، "ألبرت شفيق"، ثم كان الأمر المفاجئ بإجباره لبيعها لـ "أبو هشيمة"!
وإذ لم يكن حزب "المصريين الأحرار" لم يحصل على الأغلبية في الانتخابات، فقد رأي ساويرس أن يستخدم نوابه في المناوشات داخل مجلس النواب، لكنه اكتشف في وقت مبكر، أن هذا ليس مسموحا به، فالنواب خضعوا للسيطرة الأمنية المباشرة، ثم كان القرار الأخير بتصفيته وإخراجه منه تماما، فقد احتفى بمن ليست لهم سوابق في العمل السياسي، وبشخصيات غير معروفة، وظن أن هذا وحده كاف للسيطرة، ولم يعلم أنه إذا كان الاختيار تم بمواصفات تسهل السيطرة والتحكم، فقد سهل مهمة الأجهزة الأمنية في السيطرة على الحزب وقيادات بما تملكه من قدرة على التصرف في ملف ليس مقبولا المزاح فيه أو المناورة، فالسيسي لا يقبل بأي شريك أو من يظن في نفسه أنه صاحب فضل!

لقد جرب نجيب ساويرس في الانتخابات البرلمانية أن يكسب المسيحيين للتصويت لحزبه، لكن السيسي فطن لهذا فذهب للكنيسة في أحد الأعياد وتودد إليهم، ومن في السلطة دائماً يكسب، صحيح أن بعض الشباب المسيحي بدأ في التمرد على قيادته الدينية ورفض السلطة القائمة، إلا أن هذا الملف لن يسمح لساويرس باللعب فيه وقد جرد من أسلحته جميعها!

والسؤال: ماذا يمكن لساويرس أن يفعل ردا على هذا الموقف؟!

والإجابة: ليس أمامه إلا أن يرضى بالمكتوب،  فهو ليس زعامة حقيقية يمكن أن تتحمل الصدام مع السلطة ودفع الفاتورة، وليس مناضلاً سياسيا، هو فقط مجرد صاحب مال، لعب في أيام مبارك في الهامش، ووجد السلطة سانحة ليحلم، فما الذي يمنع أن يكون رئيساً للحكومة، أو رئيساً للجمهورية؟!

وربما كان هذا الحلم قابلا للتحقيق في مرحلة ما، بددها بتصرفات صبيانية، فكثيرون كانوا ينظرون إليه بعيدا عن الطائفية، لكنه قبل الانتخابات البرلمانية ارتكب حماقة برسومات روج لها عبر مواقع التواصل مثلت سخرية من الحجاب ومن اللحية، فاستخدمت للدعاية ضده، فحجبت عنه أصوات الدولة القديمة التي سعي للتقرب منها، وقد عقد اجتماعات مطولة بقيادات الحزب الوطني في محافظات الصعيد بعد الثورة.

وفي عهد الرئيس محمد مرسي كانت الفرصة مواتية لأن يمثل حزبه بديلا ببعض الجهد، وبتحالفات مع قوى سياسية وإسلامية أخرى، ونظام مرسي بدا حريصاً على عدم معاداته فقد تركه يقوم بتشويهه وادعاء اضطهاده على خلفية ديانته، ولم تكلف الجماعة أو الحكومة أو الرئاسة خاطرها وتروي حقيقة الموضوع، فلو فعلت لألبت عليه الرأي العام فقد كان متهرباً من ضرائب ولا يريد أن يدفعها للدولة، وعندما تمت التسوية، أرسلت الرئاسة من يستقبله في المطار وفي صالة كبار الزوار، وكان هذا التصرف تعبيرا عن البدائية السياسية التي تحكم، وعن ضعف السلطة التي جرأ عليها كل الخارجين على القانون!

لقد عاد ساويرس الذي تم استقباله من صالة كبار الزوار، ليقود عملية إسقاط الرئيس محمد مرسي، لكن السيسي ليس محمد مرسي. فالسيسي يمكن أن يضع ساويرس في المعتقل، كما فعل مع رجل الأعمال صلاح دياب، وعندما يتدخل الغرب تكون الاهانة قد وقعت، وعندئذ سيكون استوعب الدرس تماما، وأظنه ليس في حاجة إلى ذلك!

لقد نكل العسكر بالوالد أنسي ساويرس في سنة 1952، وها هم يعيدون الكرة مع الابن في سنة 2016، فليس الإخوان فقط من تكرر معهم نفس الدرس مرتين، ليس لذكاء العسكر، ولكن لغباء ضحاياهم!

نقول لهم: ثور.. فيقولون: احلبوه!