أفكَار

أسئلة الشباب القلقة لماذا ينفر منها علماء الدين؟

يثير الشاب الكثير من الأسئلة القلقة دون أن يلقوا جوابا من العلماء- أرشيفية
يشتكي كثير من الشباب نفور مشايخ ودعاة من مناقشة أسئلتهم القلقة، وإشكالاتهم العويصة، وأنهم إذا ما تجرأوا بطرحها عليهم، بادروهم بالزجر والتعنيف، بحسب مراقبين وباحثين.

ووفقا للأكاديمي الشرعي السعودي، الدكتور سلطان العميري فإن النفور من الأسئلة القلقة، والتبرم بطرحها، وعدم قبول نقاش تلك الإشكالات، والاستخفاف بجدواها حالة موجودة بكثرة عند قدر واسع من الشيوخ والمربين وغيرهم.

ووصف العميري المتخصص في العقيدة الإسلامية، تلك الحالة "بالخلل الكبير المنافي للهدي النبوي، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقبل الحوار والنقاش في قضايا مستغربة جدا".

واستشهد العميري في منشور له عبر صفحته على الـ"فيسبوك" بقصة الرجل الذي جاء يستأذن الرسول عليه الصلاة والسلام في الزنا، وكيف استمع الرسول إليه، وناقشه في كل ما قاله، ثم دعا له بقوله: "اللهم كفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه".

ولفت العميري إلى أن قبول الأسئلة ونقاشها منهج نبوي، وعلى المشايخ والعلماء والمفكرين، تقبل الحوار والنقاش مع أي شخص في أي مسألة ـ ما دام لم يظهر من تصرفه التعنت وعدم قصد الحق ـ، وعليهم أن يسعوا إلى كشف الحق بالأدلة والأسلوب الأمثل، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام مع ذلك الشاب.

ونبه العميري إلى أن منهجية الحوار والنقاش، أدعى إلى إقبال الشباب المسلم على المربين والمفكرين والموجهين، وأقوى في احتفائهم بهم والتفافهم حولهم، ولو علم ذلك الشاب أن النبي عليه السلام يضيق ذرعا بأسئلته، أو أنه ينتقل من الحوار والنقاش إلى التعنيف والتوبيخ والاستخفاف بعقل السائل لما عرض عليه حاله، وسأله تلك الأسئلة الحرجة.

ورأى العميري أن كثيرا من المفكرين والشيوخ والعلماء بحاجة إلى مراجعة منهجيتهم في إقامة الحجج والبراهين، ومراجعة أسلوبهم وطريقتهم في إدارة الحوار والنقاش مع الأسئلة المطروحة في هذا العصر، ويحتاجون إلى أن يتمثلوا بالخلق النبوي الشريف.. وألا يعتمدوا في حوارهم على الأساليب الوعظية فقط، ولا على الطرق الخطابية فحسب، فكل ذلك مخالف للهدي النبوي الكريم.

أسباب نفور العلماء والمشايخ

من جهته اتفق مدرس الحديث النبوي وعلومه بكلية أصول الدين في جامعة الأزهر، الدكتور إيهاب أبو عمر مع العميري في توصيفه لتلك الحالة، مشيرا إلى أن أسباب تلك الحالة تختلف باختلاف نوعية السؤال.

وأرجع أبو عمر أسباب نفور علماء ومشايخ من أسئلة الشباب القلقة المتعلقة بقضايا ومسائل دينية، إلى الضعف العلمي والفكري، الذي لا يمكنهم من مناقشة تلك الأسئلة، ومحاورة الشباب في إشكالاتهم العويصة التي يطرحونها عليهم. 

وقال أبو عمر لـ"عربي21": "إن كثيرا من علماء الدعوة في مصر ليس لهم نشاط سياسي، فإذا ما سئلوا أسئلة سياسية محرجة، لا يجدون أمامهم إلا التهرب من الإجابة عنها، أو نهر السائل وتعنيفه".

 وأضاف: "يتهرب العلماء والدعاة من تلك الأسئلة الحرجة حتى لا يتحملوا تبعة ذلك، أو حتى لا تعرف توجهاتهم السياسية، فيلحقهم الأذى بسببها، نظرا للمناخ السياسي الخانق الذي تعيشه مصر حاليا".
 
وذكر أبو عمر في سياق ذكره لأسباب تلك الحالة، أن من علماء الدين من لا يختلف كثيرا عن المستشرقين، إلا بأداء الصلاة، فإذا ما واجههم الشباب من ذوي الحمية الدينية، وحملة الهم الدعوي، بأسئلتهم نفروا منهم، ولم يستجيبوا لأسئلتهم الملحة.

بدوره أرجع الداعية الأردني والباحث الشرعي، سمير مراد أسباب ذلك النفور إلى أحد أمرين: أولهما يعود إلى أن الكثيرين من العلماء والدعاة يفضلون الاشتغال بالتراث القديم، لأنه قدم إجابات مكتملة على المسائل المطروحة والمثارة فيه، أما الانخراط في تفكيك الإشكالات المعرفية المعاصرة، فهي وإن تطرق إلى بعضها المتقدمون لكن لا توجد بين أيديهم صياغات متكاملة تسعفهم في المناقشة والمجادلة.

أما السبب الثاني وفقا لمراد فهو راجع إلى ما يعتبره البعض خروجا عما كان عليه أهل العلم والسلف الصالح، تحت عناوين متداولة: لم يقله السلف، ولم يفعله السلف، ومن سلفك في هذا، فينفرون من التصدي لتلك الأسئلة القلقة، وينفرون من طرحها ونقاشها لأنها تخرج عن منهج السلف، كما يرون ذلك. 

وجوابا عن سؤال "عربي21": هل لضعف التأهيل العلمي، وهشاشة التكوين المعرفي حضور في ذلك النفور من التصدي للأسئلة القلقة المثارة راهنا؟ قال مراد: "بالتأكيد إن ضعف الأهلية العلمية، وهشاشة التكوين الفكري والمعرفي، يفسران جانبا مهما من تلك الحالة".

نموذج العالم المطلوب لمواجهة التحديات

من جانبه ذكر الأكاديمي الأردني، المتخصص في أصول التربية، الدكتور محمد الفقيه أن العلماء والدعاة باتوا يواجهون ألوانا جديدة من الأسئلة الفكرية والمعرفية، في ظل عصر العولمة، وانفتاح فضاءات المعرفة، وانسياب المعلومات، وانهيار الجدران.

وأضاف في حديثه لـ"عربي21": "لم نعد نعيش في قرية كونية واحدة كما كان يطلق على الواقع سابقا، وإنما أصبحنا نعيش الآن في حجرة كونية واحدة، ما أتاح للشباب بمختلف مستوياتهم التعليمية والفكرية الاطلاع على ثقافات وأيديولوجيات متنوعة لم يكن بمقدورهم الاطلاع عليها ما قبل عصر العولمة. 

ورأى الفقيه أنه ترتب على تلك المستجدات نضوج الكثير من الأفكار، وأحيانا بروز ظاهرة التمرد الفكري إن جاز التعبير، إلى درجة إعادة النظر بكثير من العقائد الفكرية، وطرح أسئلة كانت من المحرمات سابقا.

ولاحظ الفقيه أن المتصدرين للدعوة الإسلامية لم يواكبوا ذلك التطور والانفتاح، إضافة إلى أن الظروف السياسية، خاصة ما آلت إليه الظروف بعد الربيع العربي، والمناخ العالمي الذي يشيطن الإسلام السياسي، أوجد مناخات غير ملائمة لنمو وتطور الخطاب والفكر الإسلامي المعتدلين.

وتابع الفقيه: "ونتج عن ذلك تفريغ الساحة من الدعاة والمفكرين الذين يملكون خطابا دعويا جامعا وجماهيريا، وفي الوقت نفسه استقطاب وعاظ ودعاة يطرحون خطابا رديء المحتوى والمضمون، بعيدا عن الواقع، ولا يلامس حاجات المواطن العربي ولا همومه، فضلا عن مخاطبة المثقفين الذين يمتلكون فكرا واعيا بمستوى المرحلة وإشكالياتها.

وجوابا عن سؤال: ما مواصفات الداعية القادر على أداء عمله بما تتطلبه المرحلة الراهنة؟ قال الفقيه: "ينبغي أن يكون لدى الداعية معرفة عميقة بأصول الإسلام ومقاصده، والقدرة على ترتيب أولويات العمل الإسلامي، وتجاوز التعصب الطائفي والحزب، وفي الوقت نفسه يمتلك اطلاعا واسعا على الأيديولوجيات والأفكار المعاصرة". 

وأضاف: "الساحة الإسلامية تحتاج إلى الداعية الذي يحمل فكرا إسلاميا إنسانيا عالميا، يتجاوز حدود المذهب والطائفة، وفي الوقت نفسه يتجاوز الموروث والأطر الضيقة التي تجعل الداعية داعيا محليا وطائفيا وحزبيا، حاثّا الدعاة على الترفع عن ذلك كله، والارتقاء إلى مستوى دين الله في حمل أمانته ورسالته". 

وفي السياق ذاته أكد الباحث الشرعي سمير مراد على ضرورة اطلاع العلماء والدعاة اطلاعا جيدا على الأفكار والمذاهب السائدة في زماننا، مع امتلاك المهارات التي تؤهلهم لمحاورة الآخرين ومجادلتهم بالتي هي أحسن.

ودعا مراد العلماء والدعاة إلى الارتقاء لمستوى أداء الأمانة، بتحصيل معرفة علمية وفكرية متينة، والتلطف في مجادلة أتباع المذاهب الفكرية المختلفة السائدة، من غير تشنج ولا تعنت ولا استعلاء، وتقبل أسئلة الشباب والمثقفين بأريحية تامة، والاجتهاد في الرد عليها ردا علميا، بعيدا عن النزعة الاتهامية التي تنزع لتجريم الآخر وإسقاطه.