كتاب عربي 21

السجون التي لا تغلق أبوابها!

1300x600
التراث المصري في مسألة السجون ذو شجون، قصة نبي الله يوسف عليه السلام أطلعتنا على جانب من هذا العالم البائس الذى يقتل في الإنسان كل أمل، وحفلت كتابات ونصوص أدبية وشعرية كثيرة بحكايات السجون ومناخها النفسي الذي يؤثر في بنية الشخص العاطفية والنفسية والفكرية رغما عنه وتجعل منه إنسانا آخر، أفرزت المعتقلات والتعذيب في فترة الستينات جيلا من التكفييرين والإرهابيين الذين استباحوا كل المخالفين، وانتقل تأثيرهم من مصر إلى بقاع مختلفة من العالم أفرزت تنظيم القاعدة قبل ذلك ودعمت صفوف داعش حاليا بالعديد من الكوادر والقيادات. 

السجون في مصر تحولت الآن لمحطات تفريخ داعشيين جدد كما جاء في التقرير الخطير الذي نشرته جريدة الشروق المصرية بتاريخ 21 أبريل 2016، وجاء فيه نقلا عن معتقل سابق قضى عاما بسجن استقبال طرة (أنه تحدث خلال فترة حبسه الاحتياطي إلى بعض ممن يصنفون أنفسهم بأعضاء في «تنظيم الدولة»، ويوضح محمد الذي رفض الكشف عن هويته، أن سجن الاستقبال مكون من 4 عنابر هي (أ ــ ب ــ ج ــ د)، وكل عنبر منها مكون من عدة طوابق يضم كل طابق 28 زنزانة، والزنزانة الواحدة تستوعب نحو 13 سجينا، مؤكدا أنه خلال معايشته للأوضاع في عنبر (أ)، "لا يقل عن 300 مسجون" أغلبهم بايع التنظيم بعد وصوله للسجن، كان الأمر بالنسبة لمحمد مفاجأة «أن يبايع سجناء بالاستقبال تنظيم داعش»، لأن سجن الاستقبال ليس من بين سجون طرة الـ7 المصنفة شديدة الحراسة، والأوضاع به ليست صعبة، وهناك شيء من التساهل مع السجناء، داخل السجن بات معروفا الانتماءات الخاصة لكل سجين، فسجناء داعش لهم زنازينهم الخاصة بهم، ولهم طقوسهم حيث يتجمعون في حلقات، ومنظمون لدرجة جعلتهم يقسمون أنفسهم إلى خلايا صغيرة داخل السجن على غرار الأسر الإخوانية. 

ويؤكد محمد، أنه «مع دخول منتصف الليل يبدأ أعضاء تنظيم داعش في السجن بالهتاف من خلف (نضارة) باب الزنزانة، وترديد الأناشيد الخاصة بهم ويكون ذلك على مرآى ومسمع من إدارة السجن»، مضيفا أن من بين ما يقومون بترديده: " الآن الآن بالسيف وبالقرآن نقول لخليفتنا قولا ندرك معناه.. لو خضت بنا يا أبا بكر بحر الموت لخضناه".

ويعرب محمد عن تعجبه من سماح إدارة السجن لأعضاء تنظيم داعش بالاختلاط ببقية السجناء، مما يوقع بالكثير من الشباب الصغير فريسة بين أيديهم، مؤكدا: «الشاب لا يأخذ أكثر من عشرة أيام بين أيديهم إلا ويكون أعلن بيعته للتنظيم»، مضيفا: «تحدثت مع أحد الشباب الذي كان زميلا لي في بادئ الأمر قبل أن يعلن انضمامه لهم، وما الذي دفعه لذلك فأجاب: إنهم أمل الأمة ويعلمون من الدين ما لا نعلمه، للأسف أعضاء التنظيم داخل السجون يجيدون التلاعب بالنصوص سواء الأحاديث أو القرآن، في وقت معظم الشباب الصغير فيه ثقافتهم الدينية ضئيلة جدا أو أنها سماعية في الأساس، في ظل إدارة تمنع دخول أي من المشايخ وعلماء الدين الوسطيين للرد على ما يروجه أعضاء التنظيم بين السجناء، أو حتى من باب الثقافة الدينية لهؤلاء الشباب الصغير الذين تتراوح أعمار معظمهم بين 19 و23 عاما).

 أما سجين آخر، خرج حديثا ورفض كشف هويته فقال: (في سجن العقرب يختلف الوضع بعض الشيء، فالظروف المعيشية الصعبة والتعنت داخل السجن، يجعل معدل انضمام الشباب صغير السن للتنظيم أسرع، وأضاف بعد أن قضى بسجن العقرب نحو 5 أشهر احتياطية قبل أن يخلى سبيله أن «الأوضاع غير الإنسانية والمعاملة القاسية تجعل كثيرا من الشباب صغير السن يرى في تنظيم الدولة البطل المخلص الذي سيأتي ليحطم أسوار السجن ويخرجهم منه، لفقدانهم الأمل في الخروج منه بشكل قانوني، وهو ما يجعل الشاب من هؤلاء لا يستغرق سوى جلسة واحدة في أيدي أفراد التنظيم داخل السجن، ليعلن بيعته لأبي بكر البغدادى زعيم التنظيم الذي يتخذ من العراق مقرا له)، ويضيف السجين السابق: (أن يكون أكبر نضالاتك داخل السجن الحصول على (شبشب) وألا تقف حافي القدمين، أو أن يسمح لك بإدخال فرشاة أسنان، أمر يصيب الشباب المليء بالحماس بفقدان الأمل في أي حياة سوية، ويبدأ بالتفكير في الانتقام). 

قبل عدة أيام اعتصم أهالي المعتقلون بسجن العقرب الذي يسمونه بالمقبرة اعتراضا على منع الزيارات ومنع إدخال الطعام والدواء لذويهم والتعنت المستمر من إدارة السجن في التعامل مع المعتقلين، إذا راجعنا الفلسفة الاجتماعية لفكرة السجن فهو لإعادة التأهيل والتهذيب لمن تجاوز حدود القانون، لذلك من المفترض أن المجرمين يدخلون السجون ليخرجوا منها مواطنين صالحين، فما بالك بالسجون التي تمتلىء بمواطنين صالحين يتم وضعهم في منظومة تحولهم إلى قاتلين وإرهابيين ومجرمين عتاة!

ضحايا الاعتقالات العشوائية والاختفاء القسري في تزايد، والسجون في مصر تفتح أبوابها للمزيد بلا توقف، بينما تعلن الدولة أنها تحارب الإرهاب إذا بها تدجنه وترعاه وتصر على خلق المناخ المناسب لصناعته وانتشاره. 

سيوثق التاريخ في مصر صفحات بائسة مثل معتقل التيشيرت ومعتقلة المسطرة ومعتقلي القهوة ومعتقلي السحور إلى آخره من القصص المآساوية التي يندى لها الجبين، من المستحيل سجن شعب بأكمله، وهذا ما يتمناه المخبولون من أبواق السلطة الذين يطالبون باعتقال كل من يعارض السلطة ويخالف خطها، نحن أمام تهديد خطير تمثله الحالة المصرية بسجونها المخيفة التي صارت منبعا لتفريخ إرهابيين جدد قد يتحولون في يوم ما لجيل جديد من الإرهابيين يفوق كل من سبقوهم!

الإرهاب والاستبداد وجهان لعملة واحدة، والديموقراطية وحدها هي الكفيلة بالقضاء عليهما، ناضلوا من أجل الديموقراطية حتى نرى طريقا إلى المستقبل..