مقالات مختارة

جهاد التشيير

1300x600
كتب ماهر أبو طير: لا تعرف ما الذي يحدث لنا، فهذه البلادة في مشاعرنا تجاه المسجد الأقصى، بحاجة إلى تحليل عميق، ربما خبراء في علم النفس، وخبراء في العلوم الوطنية؟!

سابقا كانت تنفجر المظاهرات في كل العالم العربي والإسلامي والغرب عند أي محاولة لمساس المسجد الأقصى، أو عند أي حادثة هنا أو هناك، لكنك تتأمل حالة الموت السريري عند الجميع، إزاء الحريق الذي نشب في الأقصى والاعتداء على المصلين وإطلاق الرصاص، والاقتحامات على مدى يومين، فتعرف أن الدنيا تغيرت، وأن الشعوب في غيبوبة كبيرة.

هل هي حالة اليأس، أم عدم الاهتمام، أو أنها حالة الشعور بالضعف، لا تعرف حصرا ما الذي استجد على الناس، وجعلهم في هذه الحالة من غياب الغضب؟!

هل لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورا سلبيا في امتصاص غضب الجمهور، فبدلا من كل أشكال غضبهم المعروفة في المظاهرات بتنا أمام جهاد التشيير، وهو نوع جديد من الجهاد في هذا العصر، فبدلا من مواجهة الأمن والسلطات الرسمية في العالم العربي، بات الغاضب إلكترونيا، ينشر صورا من اقتحامات القدس، ومقاطع فيديو، فنتبارى كلنا في تشيير المقطع أو الصورة، ونذهب لننام، فقد بات التظاهر إلكترونيا، والشارع انتقل إلى شاشة الكومبيوتر، فارتاحت السلطات، واطمأن بال الاحتلال أيضا؟!

كيف يمكن لإسرائيل أن لا تقرأ ردود فعل الجمهور الفلسطيني والعربي إزاء اقتحامات القدس، فشعوب غارقة في الدم، وغارقة في الديون والجوع والمذلة، لا يمكن لها أن تصحو لأجل الأقصى، فهي بالكاد تزحف لأجل رغيف خبزها، ونحن هنا، نفهم اليوم سياسات التركيع الدولية سياسيا وأمنيا واقتصاديا، وسياسات التخريب الديني والاجتماعي، والتي أعادت إنتاج المجتمعات، بحيث باتت ميتة فعليا لا تهدد أحدا كالاحتلال الإسرائيلي؟

معنى الكلام بكل بساطة أن إسرائيل تقرأ المستقبل اليوم، لو هدمت الأقصى أو قسمته، وتعرف مسبقا سيناريو ردود الفعل وسقوفه.

علينا إذا وبكل صراحة أن نتوقع الأسوأ فنحن أمة باتت مواقفنا فقط إلكترونية، من غضبنا على الطفل السوري الغريق وصولا إلى اقتحامات الأقصى وإهانته، وبات جهاد التشيير واللايك، متنفسا لنا، وحلاً لأنظمتنا العربية، وملاذا آمناً لإسرائيل، حتى يشاء الله أمرا كان مفعولا.

(عن صحيفة الدستور الأردنية)