صحافة دولية

تقرير دولي: الحرب تسبب أمراضا عقلية لثلث الليبيين

الغارديان: النزاع المستمر في ليبيا ترك ثلثي السكان يعانون أمراضا نفسية - أرشيفية
كشف المعهد  الدانماركي "ديغنتي/ كرامة ضد التعذيب" عن الثمن الفادح الذي يدفعه الليبيون من التعذيب والاختفاء والاغتيال والقتل في مرحلة ما بعد الزعيم الليبي معمر القذافي. ويرى المعهد أن النزاع المستمر في البلاد ترك ثلثي السكان يعانون من أمراض نفسية.

ويظهر تقرير المعهد الذي اطلعت عليه صحيفة "الغارديان" صورة مدمرة عن الآثار الإنسانية التي خلفها النزاع الجهوي والقبلي والفصائلي، الذي تعاني منه البلاد منذ الإطاحة بنظام القذافي في عام 2011.

ويقول التقرير إن خُمس عائلات ليبيا (20في المئة) اختفى فرد من أفرادها، فيما قالت نسبة 11 في المئة من العائلات إن أحد أبنائها قد اعتقل، وأبلغت نسبة 5 في المئة من السكان عن قتل أحد أفراد العائلة.

ووجد الباحثون أن نسبة 46 في المئة من الذين اعتقلوا عانوا من الضرب، و20 في المئة من تعذيب خلال الجلوس بأوضاع غير مريحة، و15 في المئة تعرضوا للخنق، وما بين 3-5 في المئة قالوا إنهم عانوا من انتهاكات جنسية أو التعذيب بالعصي الكهربائية.

ويقول التقرير إن "الأرقام المتوفرة لدينا تشير إلى انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان قد حدثت في ليبيا". ويحاول التقرير تقييم الحاجات النفسية والعقلية، وشاركت في إعداده جامعة بنغازي. 

واستندت نتائج التقرير على عينة بحثية مكونة من 2.692 عائلة، شاركت في الإجابة عن أسئلة الدراسة، وأكملت في تشرين الأول/ أكتوبر 2013. وتقول الصحيفة إنه منذ إكمال الدراسة والوضع ربما زاد سوءا.

وأظهرت النتائج أن 29 في المئة من الأفراد الذين شاركوا فيها تحدثوا عن حالة من القلق، و30 في المئة عن الكآبة، كما أظهرت أن الضغوط النفسية التي يعاني منها أفراد العائلة جاءت نتيجة للقلق والتفكير بالوضع السياسي وغياب الاستقرار، ونسبة من أشاروا إلى هذا الوضع كانت 63.6 في المئة، فيما أشارت نسبة 56.6 في المئة إلى أن سبب الضغط النفسي جاء نتيجة لغياب الأمن وفقدان الأمل، ونسبة 46.4 في المئة قالت إن السبب هو التفكير في المستقبل. وقالت نسبة 30 في المئة إنها تعرضت للعنف أثناء مشاركتها في التظاهرات.

وتذهب الصحيفة إلى أنه رغم استمرار الأزمة التي تركت آثارها على نفسية الليبيين، إلا أنهم لم يحصلوا على أي دعم من المنظمات الدولية الإنسانية. فقط نسبة 2 في المئة قالت إنها تلقت دعما من منظمات غير حكومية. 

ويشير التقرير إلى أنه عوضا عن الدعم الخارجي بحث الليبيون عن دعم محلي: فنسبة 72 في المئة قالت إنها حصلت على دعم من العائلة، و48 في المئة من الأصدقاء، و43 في المئة من أطباء نفسيين، و24 في المئة من قادة وأئمة دين، و18 في المئة من الأطباء التقليديين.
 
ويبين التقرير أن المجتمع الليبي لا يكترث في البحث عن علاج للمشاكل النفسية، وهناك عدد قليل من الأطباء والمعالجين النفسيين ممن لديهم مصادر محدودة لمعالجة الذين أصيبوا من تداعيات الحرب وآثار التعذيب.

وأضاف التقرير "بالإضافة لهذا هناك شعور بالعار الاجتماعي فيما يتعلق بمن يصابون بمرض عقلي. وعادة ما ترد الأعراض المرضية النفسية إلى الرموز التقليدية مثل الحسد والعين والسحر". 

وتنقل الصحيفة عن أحلام كمالالي، التي عملت في فريق "ديغنتي"، قولها إنها تتذكر كيف كانت أفلام الفيديو تصور التعذيب والاغتصاب بين الناس، كانت تتم تسمية الأشخاص فيها مثل "سفاح مصراتة" و"مغتصب البريقة"، حيث كانت مشابهة لأفلام الرعب، فقد كانت أفلام التعذيب وسيلة لنشر الرعب، بحسب قولها.

كما أشارت الدراسة إلى أن التشريد الداخلي عامل من عوامل المرض النفسي: فنسبة 18 في المئة من المشاركين قالت إنها تعرضت للتشريد أثناء النزاع، فيما قالت نسبة 16 في المئة إنها لا تزال تعيش حالة التشرد في الوقت الذي أجري فيه اللقاء معها. وهناك ما يقدر بـ35.000 من أبناء تاجوراء شردهم المقاتلون في مصراتة، وحرقت بلدتهم بتهمة دعم النظام السابق.

ويلفت التقرير إلى النشوة التي اعترت أهالي بنغازي عند بداية الثورة الليبية في شباط/ فبراير 2011، لكنه يرى أن الآثار قصيرة المدى الناجمة عن الثورة وأربعين عاما من حكم القذافي الديكتاتوري لا تزال دون علاج.

ويذكر التقرير أن هناك حالة من غياب الثقة بسبب المخاوف من انتشار العملاء والمخربين، الأمر الذي يعد حاجزا أمام بناء دولة فاعلة قائمة على مؤسسات ديمقراطية وحكم القانون. 

ويجد مورتين كوخ أندرسون، أحد معدي التقرير أنه "لا أحد يمكن الثقة به ولهذا تظل ساكتا، وقد ترك هذا أثره على عملنا مع الناجين من التعذيب، فقد كان من الصعب دفع أشخاص للتحدث معا أو الحديث عن العمل والخطط للمستقبل، فهم لا يثقون ببعضهم البعض، وحتى على مستوى المهنة". 

وتؤكد الصحيفة أنه في الوقت الذي نظر فيه للإطاحة بنظام القذافي بمساعدة من دول حلف الناتو ودول الخليج وتركيا بأنه قصة نجاح من قصص الربيع العربي، إلا أن غياب مؤسسات الدولة الوطنية القوية أدى لدخول الميليشيات المتنازعة في صراع على السلطة.

وبشكل مثير للدهشة قالت نسبة الثلث إنها لاحظت تغيرا في ظروف حياتها للأفضل عما كانت عليه في ظل القذافي رغم عدم الاستقرار، وفشل البرلمان في الاتفاق على قيادة وأساس شرعي للبلد.

وجاء في التقرير أن "الحلم بنشوء ليبيا مستقرة تعيش بسلام وديمقراطية، الحلم الذي ساد حديث الناس وآمالهم بعد سقوط نظام القذافي، قد حلت محله مفردات ممارسة العنف، التمزق والخوف والعدوانية". 

ويتابع "لا يزال مستقبل ليبيا غير واضح، ولكن نتائج الدراسة تظهر أن آثار النزاع العنيف وتداعياته عميقة وستؤثر على المجتمع الليبي في الأيام القادمة أيا كان النظام السياسي وشكل الحكم".

ويخلص التقرير إلى أن أي حكومة ليبية في المستقبل ستواجه تحديات ضخمة للتخفيف من المعاناة الإنسانية وتحسين الحياة النفسية، ولكن مع استمرار النزاع الداخلي فمن المتوقع أن يتأثر عدد آخر من انتهاكات حقوق الإنسان، ما سيفاقم مشاكل الصحة العقلية ويؤثر على النسيج الاجتماعي وقدرات الدولة الليبية.