كتاب عربي 21

شفيق وعنان وخيولهم التي لا تصهل!

1300x600
في لحظة عاطفية، ظننت أن "الحداية يمكن أن تلقي كتاكيت"، وتصورت أن الفريق أحمد شفيق، بعد أن بلغ من العمر أرذله، يمكن أن يصبح بطلاً، كما اعتقدت أن الفريق سامي عنان سينتصر لنفسه من الذين اغتالوا سمعته، وعملوا على اغتياله حقيقة.  فإذا بي أمام سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء.

ولم أتذكر إلا بعد أن "فات الميعاد" - كما تقول الست - أن العرق دساس، وأن مبارك لم يكن ليختار بجواره إلا من يخافون من الهواء العليل، والذين يستمدون قيمتهم من المواقع التي تم تمكينهم منها بقرار منه، وعندما يغادرونها فهم ليسوا أكثر من أصفار!

في التسريب الأخير بدا لي أحمد شفيق، وفي وضع لم نعهده فيه، وهو يستنكر تدخل المجلس العسكري في أمور الترشيح في الانتخابات الرئاسية ومساندة مرشح بعينه. وأكد أن الانتخابات الرئاسية، والحال كذلك، لا معنى لها، لأن نتائجها معدة سلفاً!

كان شفيق يتحدث بـ"حيث أنه" فاعتقدت للوهلة الأولى أنه يعلن موقفه مع سبق الإصرار والترصد، لكنه اعترف بعد ذلك بأنه كان يفضفض، وأن هناك من سجل فضفضته وسربها، وعليه فإذا لم يكن بمقدوره أن يتراجع عن كلامه. فقد تقرب لعبد الفتاح السيسي بالنوافل، وأعلن أنه مرشحه المختار، لتضيع فرصة على أحمد شفيق يمكن من خلالها أن يصبح قائداً يرد الجيش المصري إلى عقيدته التي بددها السيسي الذي رأى "أربعة منامات" فسرها بأنها تعني أنه سيصبح رئيساً لمصر فاختطف الجيش ليحقق به هذه المنامات.

شفيق استخدم طوال فترة حكم الرئيس محمد مرسي على أنه قميص عثمان، فخصوم الرئيس كانوا يعيدون ويزيدون في أن الفائز في هذه الانتخابات هو أحمد شفيق، وبعد الانقلاب تبين كذبهم، لأنه كان المفترض لو كان كلامهم صحيحاً أن يحكم شفيق بعد الإطاحة بمرسي، لكن نغمة أن شفيق الفائز في الانتخابات توقفت تماماً، بل أنه استمر في الإمارات التي سافر إليها خوفاً من بطش مرسي، وقال إنه سيعود بعد براءته قضائياً. فصدرت أحكام البراءة، فقال إني عائد، ومعلوماتي أن هناك من استعد لاستقباله في المطار بزفة شعبية، كما لو كان الإمام الخميني العائد من باريس مع الثورة، فقيل له: مكانك، لأن المسرح لا يحتمل إلا زعيماً واحداً، تجري صناعته هو عبد الفتاح السيسي!

وقد تزامن هذا مع إعلان الفريق سامي عنان تراجعه عن فكرة الترشح، وفي حضرة من حملوا له رسالة السيسي بالابتعاد عن المسرح وإلا فقد أعذر من أنذر. وحرص اثنان من ثلاثة على الحضور في مشهد لا تُخطئ العين دلالته، بعد أن تم التشهير بالرجل وبأهل بيته وتقديمه للرأي العام من قبل إعلام المهيب الركن عبد الفتاح المذكور بأنه عنوان الفساد في مصر. وقال عنان إنه تعرض لمحاولة اغتيال لم يحقق فيها، وقال إن معه أرقام اللوحات المعدنية لإحدى السيارات التي كانت تتبعه، فلم يُلتفت إليها، وعندما صرح بأنه سار بسيارته في الاتجاه المعاكس ليتأكد من تتبعه، فوجد هذه السيارات تتجه معه في نفس الطريق، قيل له: ادفع مخالفة السير في الطريق العكسي!

رأى عنان العين الحمراء من قبل السلطة الحاكمة، فارتبك وتراجع عن الترشح وفي مؤتمر صحفي بعد أن أعلن أنه سيخوض الانتخابات مهما كان الثمن!

الرجلان اللذان كانا في السلطة يعلمان ما تمتلكه هذه السلطة من أدوات بطش وقمع وتنكيل، فقررا أن ينحنيا للريح العاتية ليذكراني بواقعتين!

الواقعة الأولى خاصة بالفريق أحمد شفيق، ولم أتذكرها عندما كنت استمع للتسريبات وإنما تذكرتها وأنا أطالع ارتباكه المهين!

الواقعة ترجع للفترة التي كان فيها شفيق وزيراً للطيران. وفي هذه الفترة  كان هناك من يرشحه ليكون رئيساً للحكومة.. في عهد المخلوع بالطبع. وقد كتب أحد الصحفيين المقربين منه مقالاً أشاد به فيه، وقال إنه يرشحه لأن يكون بديلاً للزعيم مبارك بعد عمر طويل.

صحف الصباح في مصر، تطبع مساء، وتوزع في القاهرة الكبرى ليلاً، وفوجئ زميلنا الذي يعمل في إحدى الصحف القومية بجرس الهاتف يوقظه من نومه فجراً، وإذا بالمتحدث على الخط هو شفيق، وظن الفتى أن الفريق يريد أن يشكره ولم يحتمل لامتنانه الشديد حتى يجيء الصباح فأيقظه من "أحلى نومة".

بيد أن الصوت كان غاضباً، ولم يزد الفريق عن كلمتين: "تعال الآن إلى البيت".. ولما دخل عليه في منزله استقبله بوابل من السباب. وروى لنا الزميل الواقعة وهو في دهشة عقدت لسانه أمام هذه المفاجأة فأضحكنا حينها.

مما قيل ويصلح للنشر: أنت كالدبة التي قتلت صاحبها، هل هذا مكان للمجاملة؟.. وهل هذا موضوع يصلح للمزاح؟ ولم يكن زميلنا يمزح ولكنه كان مخلصاً في دعواته وأمانيه.

فشفيق القريب من مبارك، والصديق المقرب منه، يعلم أن الحديث عن خلافته لمبارك لا يجوز ولو على سبيل الأمنية من محب، حتى وإن كانت هذه الأماني لا يد له فيها، فهي يمكن ان تفتح عليه أبواب جهنم من سلطة قادرة وفاجرة.

الواقعة الثانية هي الخاصة برجل بحجم المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة، وزير الدفاع المحبوب، لكن مبارك ولأسباب متشابكة ويطول شرحها قرر إقالته فاستدعاه لرئاسة الجمهورية.

وهناك ومبارك في انتظاره بمكتبه ظل الأمين العام للمخابرات العامة أمين نمر يقنعه بقبول العرض الرئاسي الذي يتمثل في استقالته من منصبه وتولي منصب بلا صلاحيات هو مساعد رئيس الجمهورية.

أبو غزالة رفض وأصر على الرفض، لكن نمر في النهاية هدده بالاعتقال، وعلى الرغم من أن اعتقال شخص بحجمه أمرا ليس سهلاً، إلا أنه رضخ وقبل وأدى اليمين الدستوري وخرج من دائرة الحكم!

لأن الكلام يجر بعضه بعضاً كما يقال، فإن هناك واقعة ثالثة تستحق الذكر هي الخاصة بحالة الدكتور كمال الجنزوري الذي أقاله مبارك فنسجت حوله أساطير شعبية، مثل رفضه لاختراق جمال مبارك للبروتوكول وتقدمه الركب في زيارة خارجية، وكيف أن الجنزوري أمر في شجاعة مدير المراسم بأن يعيده للخلف.. إلى غير هذه الحواديت التي لم يثب صحتها إلى الآن، وبعضها نفاها الجنزوري نفسه بعد الثورة.

في الجمعة الأولى له بعد الإطاحة به ذهب الجنزوري للصلاة في المسجد القريب من منزله، فإذا بالجماهير تحمله على الأعناق، وإذا بالرجل خوفاً من أن تصل الرسالة بشعبيته يمتنع عن الاختلاط بالناس بعدها!

وبعد إقالته مباشرة وفي احتفالات القوات المسلحة بنصر أكتوبر، قيل إنه طلب من المشير محمد حسين طنطاوي الحضور فاستأذن مبارك الذي أذن بتوجيه الدعوة له.

كنت حاضراً هذه الاحتفالات، واستمعت الى تصفيق حاد من قبل الجنود، فظننت أن مبارك قد دخل، فإذا به الجنزوري الذي تعامل على أن هذا التصفيق لا يخصه فجلس مرتبكاً، دون رد التحية ولو بالتلويح بيديه، ولما دخل مبارك حصل على تصفيق أقل حدة!

كان الرجل يعلم بحكم موقعه السابق في السلطة ما معنى أن تغضب عليك السلطة العليا. وكان معه ذراعه اليمين، وهو أحد الوزراء الذي اشتهر بتطاوله على الوزراء بمن فيهم مراكز القوى: كمال الشاذلي وصفوت الشريف ويوسف والي. وقد خرج من الوزارة وقرر أن يتمرد، فيحرص على فتح حقائبه في المطار للتفتيش بدون طلب، ويرفع صوته بأنه ليس لصاً وأن اللص في مصر معروف، في إشارة لا تخطئ العين المستهدف بها.

وكانت الرسالة هي اعتقال ابنته في قضية "نواب القروض" الشهيرة، فعلم أن العين لا تعلو على الحاجب فالتزم حدود الأدب!

سيقول قائل إن السيسي ليس هو مبارك صاحب السلطة المستقرة، لكن سيفوت القائل حتماً: أن عنان وشفيق ليسا أيضاً أبو غزالة والجنزوري.

واختيار شفيق وعنان للمواقع القيادية كان بمواصفات النصف الثاني من فترة حكم مبارك.. وهو اختيار الأكثر ولاء والأضعف فكان اختيار شفيق، وعنان، والسيسي. والأضعف قد يكون الأجرأ في استخدام أدوات السلطة في الردع من صاحب الشخصية القوية.. عن السيسي أتحدث.

لقد أهين شفيق، بتركه إلى الآن في الغربة، ومنعه من دخول مصر بعد الإطاحة بالرئيس المنتخب، وأهين عنان بالتشهير به وتهديده بالتصفية الجسدية، ومع هذا خضعا بالقول عند أول نظرة. والسيسي سيكون مثلهم يوم خروجه من السلطة، وقد شاهدنا مبارك نفسه عقب خروجه من السلطة ضعيفاً مهاناً وهو الذي كان يظن أن لن يقدر عليه أحد.

نهايات بائسة تليق بأصحابها.. إنها خيولهم التي لا تصهل..

خيولهم لا خيولنا.