كتاب عربي 21

للأزمة فعل تأسيسي

1300x600
نقوم كل فجر نبحث عن بصيص أمل في المستقبل، ولسان الحال يقول رب شدة تنتج فرجا ولو بعد حين، ونبيت على خيبة فوضع تونس لا يسر أصدقاءها وقد يكون مصدر فرح لأعدائها. ولتونس أعداء كثر، لكن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة.

كانت عندنا أغنية وطنية وضعت في حرب الجلاء وظلت موسيقى نصر تعزف في كل ذكرى عزيزة (بني وطني يا ليوث الصدام)، واليوم تحل ذكرى عظيمة لكن إعلامنا الوطني يبث أغاني تذكرنا بدلع المخادع، ذكرى انتصار نوعي على طلائع الإرهاب المتسلل إلى جسد الوطن، ذكرى معركة بن قردان التي دحر فيها شعب أعزل متلاحم مع قواته الوطنية من جيش وحرس؛ رأس جسر إرهابي كان ينوي فتح ثغرة في الجنوب وربما بناء دولته ثم التسلل والاستيلاء، ذكرى معركة صاغ فيها الشعب شعارات خالدة: "وطني قبل بطني" و"بلادي قبل أولادي".

يتعمد إعلام الخيانة ردمها ومحوها من ذاكرة الناس. تونس مقسمة بين الذين دحروا الإرهاب، وبين الذين يريدون محو البطولات من الذاكرة. في هذا الأخدود فقدت الثورة زخمها، وفيه تاهت السياسة، وفيه نفقد الأمل في الخروج إلا بمعجزة أخرى مثل معركة بن قردان.
تونس مقسمة بين الذين دحروا الإرهاب، وبين الذين يريدون محوه البطولات من الذاكرة. في هذا الأخدود فقدت الثورة زخمها، وفيه تاهت السياسة، وفيه نفقد الأمل في الخروج إلا بمعجزة أخرى مثل معركة بن قردان

لن نستسلم لخطاب الرثاء

يطاوعنا خطاب الرثاء لحالنا ولحال البلد، فالرثاء لذيذ ويعوضنا عن الهزائم الثقيلة. لكن لن نكتب مراثي في سياق تحليل، فالوطن باق وإن خسرنا معارك كثيرة. نحتاج نقدا ذاتيا بديلا عن التعزية الخائبة، ولكن من أين نبدأ؟ من الأولى بالنقد الذاتي؟

لا يجب (نعم نحن في لغة وجوب) أن ننتظر تراجعات عقلانية ممن سرق الثورة والسلطة وأعاد التموقع في مراكز القرار بالحيلة والشيطنة. لدينا ما يكفي من الأدلة على تحالف هذه الفئة مع الإرهاب والاستثمار فيه، لتخريب كل المسارات السياسية الديمقراطية التي تولدت من الثورة وعملت على بناء الديمقراطية في بلد عانى من القمع طويلا، وما ترذيل معركة بن قردان الفاصلة إلا جملة في سياق الالتفاف والتخريب.

يدور حديث كثير عن حوار وطني ثان للخروج من الأزمة التي تراكمت أسبابها وعمقها الانقلاب، حتى انغلقت أبواب الأمل في وجوه الناس. الداعون للحوار كثر (أنصار الثورة والديمقراطية وأعداؤها في ذات الوقت)، ولكن على أية قاعدة سيكون الحوار مع من خلق الأزمة واستثمر في اليأس والتثبيط؟ هل بقي مجال لحسن النية يقرب الأعداء من لحظة تفاوض على المستقبل؟ أقول الأعداء ولا أقول المختلفين في السياسة، فأساس طاولة الحوار الاختلاف وليس التنافي.
يدور حديث كثير عن حوار وطني ثان للخروج من الأزمة التي تراكمت أسبابها وعمقها الانقلاب، حتى انغلقت أبواب الأمل في وجوه الناس. الداعون للحوار كثر (أنصار الثورة والديمقراطية وأعدائها في ذات الوقت)، ولكن على أية قاعدة سيكون الحوار مع من خلق الأزمة واستثمر في اليأس والتثبيط؟

إني أرى عجزا مطلقا عن الخروج من حالة التنافي العدمي، والأقل تشاؤما يقولون ستتدخل السفارات لحلحلة الأمور، وهذا أكبر دليل على حالة التنافي بين فرقاء الوطن الواحد. لا داعي إذن لرثاء وطن مقسوم في العمق، فوجب الحديث بلغة أخرى لبناء تصورات مختلفة على صواب موقف أهالي بن قردان ضد الإرهاب.

فارق القوة وفارق الأخلاق

كان أهل بن قردان على حق مطلق في خروجهم العفوي ضد الإرهاب، لقد كشفوا الروح الكامنة في شعب يملك وطنا ويحتاج حماة. هؤلاء هم المرجع الأخلاقي الضروري، لكن من يسعى إلى تفاوض أو يبني عملا للمستقبل؟ وهذا سبب من أسباب القوة التي لا يجب امتهانها أو التنازل عنها من أجل توافقات سياسية مؤقتة سبق تجريبها وفشلت، بل أنتجت خلاف ما بنيت عليه.

في التحليل الذي أراه سليما أخلاقيا وسياسيا إنه لا فرق بين داعش في بن قردان (الإرهاب) وبين مخربي الديمقراطية في المركز، فكلاهما يعادي الديمقراطية. نعم ليس متاحا حمل السلاح ضد الذين يكيدون للديمقراطية (ولست داعية سلاح)، لكن كل تفاوض معهم على غير قاعدة معركة بن قردان (الحسم الأخلاقي) هو تنفيس لأزمتهم وتوفير حل سياسي ينقذهم مما خلقوه من كوارث مست سلامة الوطن.

نعم توجد فوارق في القوة المادية. أنصار الثورة والديمقراطية عُزّل من السلاح المادي الاقتصادي، لكنهم مسلحون بموقف سياسي أخلاقي لا ريب فيه. إن عددهم كثير لكنهم في بحثهم عن مخارج تفاوضية للأزمة القائمة يضيعون قوة موقفهم الأخلاقي والسياسي ويفتحون أبواب الاستسلام، كما كان الأمر في حوار 2013 الذي أعاد تسليم البلد لمنظومة الفساد والاستبداد التي غيرت وجهها ولم تغير طبيعتها الإجرامية. أليس هذا موقفا عدميا؟ هل يبقى أنصار الثورة والديمقراطية مكتوفي الأيدي في انتظار أن يأتيهم أعداء الديمقراطية خاضعين أذلاء؟

لقد تم حوار 2013 تحت مسمى الحفاظ على الدولة والجمهورية ولغو كثير مماثل، لكن هذا الغطاء انكشف عن خديعة. لم يتم الحفاظ على الدولة، لقد تم الحفاظ على نظام المصالح القديمة ودعمه بما يتنافى ومطالب الثورة والناس التي آمنت بها. معركة بن قردان لم تلح على اللغو إياه، لكنها حافظت على الدولة وعلى الجمهورية. والذين خدعوا شركاءهم في الحوار الوطني هم الذين يطمسون معركة بن قردان ورمزيتها؛ لأن المفاوض المخدوع تخلى عن قوته الأخلاقية. لقد تخلى عن سلاحه، ونرى علامات على تنازل جديد عن هذه القوة في مواجهة صناع الأزمة.
الموقف الأسلم سياسيا أن نترك الأزمة تأكل صناعها، لذلك فإن التكالب على حوار وطني خطأ تكتيكي واستراتيجي، لم يتعلم شيئا من فشل حوار 2013. موازين القوة المادية متفاوتة نعم، ولكن موازين القوة الأخلاقية راجحة لمصلحة الديمقراطية وأنصارها

صانع الأزمة يحلها

الأزمة يحلها من صنعها أو يغرق فيها وحده، لنتوقف عن الشفقة عن دولة ليست إلا غنيمة الفاسدين. هذا التكالب على الحوار المغشوش طريق ضيعت ثورة. طرف الحوار المخادع لا يستحق أن ننقذه، نعم إنه المالك الحقيقي للبلد ومن مصلحته (التي لم يدركها حق إدراكها) أن يعيش البلد ويزدهر، ففي ذلك مغنمه وهو لا يحسن تقدير فوائد الديمقراطية عليه أولا، والحوار سيوفر له مخرجا داخل الرداءة السائدة والتي خلقها بنفسه لأنه لا يفلح في التفكير خارجها. لندعه يغرق فذلك مخرج منتج لحل دائم.

الموقف الأسلم سياسيا أن نترك الأزمة تأكل صناعها، لذلك فإن التكالب على حوار وطني خطأ تكتيكي واستراتيجي، لم يتعلم شيئا من فشل حوار 2013. موازين القوة المادية متفاوتة نعم، ولكن موازين القوة الأخلاقية راجحة لمصلحة الديمقراطية وأنصارها. سيقول كثيرون إن هذا التطهر الثوري فوق الربوة يهلك البلد، ووجب الرد بسرعة: أي بلد؟ بلد مافيا المزابل الإيطالية؟ بلد التهريب وتخريب الموانئ؟ بلد توريد البصل المسرطن من مصر؟

أظن أن عقلاء كثيرين تقودهم محبة البلد والشفقة على ناسه من الفقر والخصاصة. يجب على هؤلاء أن يروا أيضا أن حالة الركود تصيب طبقة مافيا المزابل في مقتل، هذه المافيا تحتاج شعبا طيبا أو غبيا يقتني سلعها. إذا افتقر هذا الشعب الغبي سقطت المافيا، وهذا يجري الآن أمام أعين العالم وهو المنفذ الوحيد للخروج من الأزمة. فأنا أحد الذين يستريبون في نوايا المهرولين إلى حوارات وطنية مع دولة المافيا.

للأزمة فعل تأسيسي، لندعها تخرب لتبني بروح معركة بن قردان.