قضايا وآراء

نظرة موضوعية في رسالة الدكتور حلمي الجزار

1300x600
تابعت بمزيد من الاهتمام رسالة الدكتور حلمي الجزار في رده على مقال الكاتب الصحفي المصري المحسوب على النظام، عماد الدين حسين.

كما تابعت أيضا ردود الفعل المختلفة من شتى الاتجاهات على رسالة الدكتور حلمي الجزار، ومن باب الموضوعية في التقييم أرى أنه لا بد من التوقف عند بعض الأمور المهمة من وجهة نظري.

أولا: مرسل الرسالة

إنه الدكتور حلمي الجزار.. أحد أكبر الناشطين في الحقل الإسلامي منذ أن كان طالبا، وتقلد قيادة العمل الطلابي، ثم إنه قيادة لها رأي وفكر داخل جماعة الإخوان، وهو برلماني متميز في برلمان الثورة. كما أنه شخصية هادئة متزنة وعقلانية، ولا تميل إلى الصدام، بل سياسي بارع يسعى إلى العمل في المساحات المشتركة مع الآخر والتعاون في نقاط الاتفاق.

وعندما يتحدث الدكتور حلمي الجزار، وهو بهذه الخلفية وبعد غياب فلا، يمكن اعتبار خروجه في هذا التوقيت عشوائيا، ولكن حسب ظني أنه في أوقات البلاء العام والمحن والشدائد، وعندما تريد إرسال رسالة فلا بد أن تجيد تحديد المرسل، وأحسب أن اختيار الدكتور حلمي في هذا التوقيت كان موفقا.

ثانيا: لمن الرسالة؟

الكثير ممن كان له رأي سلبي في الرسالة كان يرى أن الرسالة رد على صحفي محسوب على نظام السيسي، وهذا رآه البعض لا يليق بالدكتور حلمي أن يخاطب مثل هؤلاء.

والحقيقة أن الأمر أعمق من ذلك؛ فالسياسي البارع هو الذي ينتهز الفرص، وليس أهمية الأمر أن الرسالة رد على منَ، ولكن أهمية الأمر أن الرسالة وصلت إلى منَ.

وأحسب أن الرسالة وصلت إلى كونها أبعد من رد على "مقال صحفي"، وأن الرسالة ليست مُرسلة في المقام الأول للنظام المصري، لكنها أولا إلى الشعب المصري تقول له إننا رغم السجون والظلم والقتل والتشريد.. رغم كل ذلك نمد أيادينا إلى الشعب المصري في وقت الأزمة بقدر ما نستطيع في محنتنا، وأننا كما عهدنا الشعب إلى جانبه في الأزمات، ورغم الصعاب لن نتخلى عن واجبنا ولن نشمت أبدا في شعبنا مهما كانت الظروف، بل سنبذل أقصى ما بوسعنا حتى لو كان بيننا وبينكم حائل.. فهذا عهدنا معكم دائما.

والرسالة مُرسلة ثانيا إلى كل من لديه عقل، سواء في الداخل أيّا كان موقعه أو في الخارج، مؤسسات أو دول معنية.. بأن هذا هو موقف وفكر الجماعة التي يحاول البعض تشويه فكرتها واتهامها بالإرهاب أو يدعى عليها بما ليس فيها.. نحن دوما خيارنا الوقوف إلى جانب شعبنا.. نشاركه في محنته قدر استطاعتنا.. لا نتخذ مما تعرضنا له، ونتعرض له، مبررا للتراجع أو الشماتة، بل دوام التضحية التي عهدها منا شعبنا.

ثالثا: محتوى الرسالة

وهنا نأتي إلى النقطة الأهم، وهي أن البعض فهم الرسالة على أنها مشروع تفاهم وتصالح وتسوية مع النظام، وأن الجماعة بذلك فرطت في حقوق الشهداء والمعتقلين والمشردين، وأن الجماعة تجاهلت شركاء المحنة.. وهنا أقول إن الرسالة في الحقيقة لم تدع إلى ذلك، بل نادت الرسالة أن يتم رفع الظلم عن المظلومين وخاصة في مثل هذا الظرف الاستثنائي في العالم كله، وبالتالي فالرسالة ليست طرح مساومة مع النظام، ولكنها بكل وضوح إثبات موقف في ظرف استثنائي هام جدا وفي لحظة قد تكون فارقة في تاريخ البلاد، بل والعالم كله.

وهنا سيقول البعض إن النظام تعامل مع الرسالة برد عكسي.. والرد على ذلك أنه في أوقات الأزمات عليك أن تتخذ القرار الصحيح والتموضع الصحيح بغض النظر عن موقف الطرف الآخر، لأنك سوف تُحاسب على موقفك وأفكارك وتموضعك، والتاريخ سيسجل كل ذلك، وستذهب الأنظمة وستبقى الشعوب وسيبقى التاريخ مرجعا.

ولذلك، ظني أن الرسالة سجلت نقاط إيجابية ليست بالقليلة لصالح الجماعة.

وفي النهاية تبقى كلمة هامة.. أن رسالة الدكتور حلمي الجزار في هذا التوقيت، ثم مؤتمر جماعة الإخوان في التعاطي مع الأزمة وبمتحدثين جدد.. يعنى أمرا هاما، وهو أن الناظر للمشهد الآن سيُدرك أن الجماعة قد انتقلت بهذين الحدثين من مربع "رد الفعل" إلى مربع "الفعل"، وهذا تطور إيجابي في الأداء بصفة عامة، كما يعني بما لا يدع مجالا للشك أن حجرا قد أُلقي في الماء الراكد، وأعتقد أنه قد يكون له ما بعده.