قضايا وآراء

هل تُسلم أوروبا في زمن كورونا؟

1300x600
"الله أكبر.. الله أكبر".. صوت الأذان يخرق الصمت في العاصمة الألمانية برلين.

"(إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ* لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ)".. هنا إذاعة بي بي سي من لندن.

في أجواء كسرت القاعدة المعتاد عليها، عشرات المساجد بالمدن الأوروبية ترفع الأذان، بدأت من مدينة ديسبورغ الألمانية مرورا بلندن البريطانية وليون الفرنسية وأمستردام الهولندية وبروكسل البلجيكة، عاصمة الاتحاد الأوروبي، وليس انتهاء بالعاصمة الألمانية برلين على ما يبدو.

في ألمانيا وحدها التي بدأت منها المبادرة التي أتت في ظل تفشي وباء كورونا، تم رفع الأذان في أكثر من عشرين مسجداً في مدن ألمانية عدة، بحسب تأكيد المجلس الأعلى للمسلمين هناك.

في برلين العاصمة، ذات الوزن الأكبر أوروبيا، صدح الأذان ظهر الجمعة من مسجد دار السلام بحي "النويكولون" الذي تقطنه الجالية العربية هناك، بمبادرة "لب النداء" بالتعاون المشترك مع كنيسة الجليل التي قرعت هي الأخرى الناقوس في ذات الأوان.

أما في بريطانيا فقررت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، تخصيص وقت في إذاعاتها المحلية لبث آيات من القرآن الكريم، وبعض الأحاديث النبوية الشريفة، حيث سيبث القرآن، ويتم ترجمة الأحاديث عبر 14 إذاعة محلية تابعة لـلهيئة.

"الله أكبر".. هل أسلمت أوروبا؟ ما الذي فعلته كورونا بالأوربيين؟ ماذا يجري هناك، إنه أمر ما كان ليحدث من قبل!

الحقيقة أيها السادة القراء المحترمين أن أوروبا تسوق نفسها على أنها ذات مجتمعات متعددة الأطياف والأعراق والألوان، من ضمن هذا الخليط المتنوع المسلمون الموجودون بشكل كبير، فلا تكاد تخلو مدينة أوروبية من مسجد، ولكن كورونا أجبر جميع المساجد على إغلاق أبوابها منعاً لانتشار الوباء، كما حدث في دول عربية ومسلمة كذلك، وهنا كان لا بد من طريقة إبداعية لتعويض هذا النقص الروحاني للمسلمين.

فكما أن الإسلام هو الدين الثاني في أوروبا بعد المسيحية التي تهيمن على القارة العجوز، تأتي اليهودية في المرتبة الثالثة، كما أن هناك بوذيين وملحدين ولا دينيين.

ما الجديد إذاً في حكاية رفع الأذان هذه المرة؟ ولماذا كل هذه الضجة التي أحدثها هذا الأمر؟

في هذه المرة صدح الأذان بشكل علني وعبر مكبرات الصوت في مدن وعواصم أوروبية، وذلك ضمن مبادرات محلية سمحت بها السلطات، لم تمر بإجراءات معقدة وبيروقراطية، للتخفيف من واقعة كورونا على الجالية المسلمة بعد حرمانها من أداء صلوات الجماعة وإقامة الجمعة.

فما أكثر ما يخفف على المسلمين وطأة وباء كورونا غير صوت الأذان ليقربهم إلى ربهم في أجواء روحانية تبدد مخاوف سيكولوجية؟ هنا جاءت المبادرة الإبداعية، ثم ما لبثت لتصبح مبادرات.

هي مبادرات (وإن كانت مؤقتة) لاشك أنها تُحسب للأوربيين بتضامنهم مع مواطنيهم والمقيمين على أراضيهم من المسلمين وقت الشدة، وتعبر عن مدى الانفتاح والبراغماتية التي تتمتع به السلطات التي سمحت بهذا الأمر في ظل هذه الظروف العصيبة، ولفتة سينظر لها مسلمو العالم بكل احترام وتقدير، ولربما يكون لها ما بعدها على أصعدة إيجابية أخرى.

اللافت أن هذا السماح لمبادرات رفع الأذان تلك من قبل الدول الأوروبية أرادت لها أن تتم بعيداً عن تغطية وسائل الإعلام في تلك البلدان أو في بعضها على الأقل، ربما لتجنب زوبعة لا يحتاجها أحد؛ قد يختلقها اليمين المتطرف في ظل ظرف أحوج ما يحتاج الجميع للوحدة والتكاتف ورص الصفوف، في مواجهة الجائحة التي تفتك بالجميع دون أن تفرق بين لون أو دين أو جنس.

ومع ذلك يجد المدقق في الأمر؛ أصواتا يمينية متطرفة على مواقع التواصل الاجتماعي تغرد بانتقاد هذه الظاهرة، وتعتبر أن المسلمين استغلوا "حالة الفوضى جراء جائحة كورونا لتمرير أجنداتهم الإسلامية".

هذه التغريدات قابلتها أصوات إسلامية تعتبر أن رفع الأذان هو "نصر مؤزر وفتح مبين"، وكأن هناك معركة انتصر فيها الحق على الباطل، وفاز فيها المسلمون، وزهق فيها الكفار، وهو الأمر الذي يخالف الواقع التعايش.

إن مثل هذا الخطاب أيها السادة هو بالضرورة خطاب خاطئ ويأتي بنتائج عكسية، ويضر بالمسلمين أولا في الغرب، ويعزز النعرة اليمينية المتطرفة ضدهم هناك، لا سيما أن بعض الأوربيين لديهم توجس أصلا من انتشار وتمدد الاسلام في بلدانهم، فكيف لنا أن نزيد من "الإسلاموفوبيا" كان ذلك عن قصد أو غير قصد، ونحن الذين نطالب بوقفها؟

أليس من الواقعية تجنب ذلك؟ بل وسيكون مستحسنا جدا أيا كرام الاستفادة من مثل هذه المبادرات في التعامل مع الأقليات غير المسلمة في بلداننا العربية والإسلامية. والسلام ختام.