كتاب عربي 21

المأزق الإيراني بعد الردّ على اغتيال سليماني

1300x600
في مقالة سابقة تساءلنا إن كانت أمريكا ستنجح في جعل إيران دولة بمنزلة مليشيا، وذكرنا التعقيد الحاصل في الموقف، والذي لا يسمح للإيرانيين بعدم الردّ، ولا يتيح تسوية قريبة عاجلة، كما يجعل من الردّ المكافئ مغامرة من شأنها أن تجرّ الجميع إلى حرب لا يريدونها. وبعد الردّ الإيراني، لا يمكن القول إلا أنّ الأمر ازداد تعقيدا على الإيرانيين بالدرجة الأولى، فالردّ لم يكن مكافئا. بيد أنّ المشكلة ليست في ذلك، بالنظر إلى خطورة الردّ المكافئ، وربما صعوبة ترتيب ردّ مكافئ سريع وذكيّ في الوقت نفسه، وإنّما في القدر المفرط من التحوّط في حسبة الردّ، وبالتالي شكله ونتائجه.

من الوارد أنّ التحوّط الإيراني أخذ بعين الاعتبار رسائل تهديد أمريكية صريحة ومباشرة، وصلتهم عبر وسطاء، وإذا كان عدم الردّ الأمريكي على إسقاط طائرة تجسس أمريكية في حزيران/ يونيو 2019، ثم ضرب منشآت أرامكو في السعودية في أيلول/ سبتمبر من العام نفسه، قد أغرى الإيرانيين بالمزيد من التدابير العسكرية والأمنية في مجالهم الجغرافي العربي من اليمن وصولا إلى العراق مرورا بمنطقة الخليج، فإنّ مقتل سليماني هذه المرّة يدفعهم لأخذ أيّ تهديدات أمريكية بالمزيد من الجدّية والحذر. ولأنّ الأمريكان بدورهم لا يريدون الحرب، كان الردّ الباهت سُلّما للجميع للنزول عن الشجرة مع حفظ ما أمكن من ماء الوجه.

وبينما تختلف الآراء في تقييم الردّ الإيراني، بحسب المواقف السياسية والأيديولوجية من إيران، فإنّ ما لا ينبغي الاختلاف عليه هو أنّ الردّ كان رمزيّا للغاية، وهو أمر مفهوم كما سلف، لكنّه وبقدر ما يُعبّر عن قدرة الإيرانيين على تقدير الموقف في تلك اللحظة، فإنّه في الوقت نفسه يكشف عن مأزق إيرانيّ يكمن فيه ضعفٌ أَخَذ بالظهور. وهذا ليس فقط بالنظر إلى الشكّ الذي أثاره الردّ حول كفاءة المنظومة الصاروخية الإيرانية، ثمّ ما تلاه بإسقاط طائرة الركاب الأوكرانية، ولكن وبالدرجة الأولى إلى محدودية الخيارات الإيرانية حينما يُقرّر الأمريكي رفع التصعيد إلى درجة اغتيال معلن لجنرال إيراني رفيع المنصب وبالغ النفوذ وعلى رأس عمله، فتضيق خيارات المناورة أمام الإيرانيين، الذين لا يجدون سبيلا للدفع نحو فتح نافذة لفكّ الحصار الاقتصادي إلا بالمناوشات ذات الطابع العسكري الأمني. ومن المرجّح أن يكون إسقاط الطائرة الأوكرانية ناجما عن حالة ارتباك قريبة من الهلع، تسبّب بها التخوّف الشديد بعد مقتل سليماني، من المديات التي يمكن أن يذهب إليها الأمريكي في مواجهته معهم.

بالتأكيد يمكن الدفاع عن طبيعة الردّ الإيراني، بالإشارة إلى الجرأة على قاعدة عسكرية أمريكية، وإلى الذكاء الذي يجنّب إيران دمارا محتملا، في معركة غير متكافئة، فيكون الإيراني، بردّه المحدود والمدروس للغاية، قد حافظ على تماسك صورته ودعايته أمام جمهوره الداخلي والخارجي، وعلى هيبته أمام خصومه، وأظهر بعضا من صور التراجع الأمريكي، إلا أنّ بعض ذلك لم يتحقّق كما يريد الإيراني.

دعائيّا، يصعب القول إنّ الإيراني حقّق، بردّه، نجاحا ملحوظا في قضيّتيّ الدعاية والهيبة، بل أثار ردُّه سخرية واسعة، حاول جمهورُه التغطيةَ عليها بالحديث عن مجرّد الجرأة في ضرب الأمريكي، وعن المضمون الذكي للردّ الذي جنّب إيران الدمار المحتمل، إلا أنّه ومع أهميّة قضيتي الدعاية والهيبة، فإنّ الأهمّ ما يتصل بهما، وهو حدود الفعل والمناورة. فالأزمة الاستراتيجية الإيرانية الآن تتمثّل في محدودية الخيارات التكتيكية. فلامتلاك مساحة أوسع للمناورة؛ يلزم الاحتفاظ بصدقية الدعاية والهيبة، بما يجعل خيارات العدوّ أيضا محسوبة للغاية. وقد نجح الإيراني في ذلك طوال مرحلة ما قبل اغتيال سليماني، إلا أنّ اغتيال سليماني أصاب حيويّته التكتيكيّة في مقتل، ثمّ جاء الردّ الضعيف ليكشف عن ذلك، وليمسّ بدعاية الإيرانيين وهيبتهم في آن واحد، ثمّ جاء إسقاط الطائرة الأوكرانية مضاعِفا لحرج هذا المأزق.

ينبغي، والحال هذه، أنّ أوساطا في النخبة الإيرانية تتداول هذه المعضلة؛ وتبحث الآن عن حلول لها، لسببين جوهريين، الأول الأهمية القصوى لمجال المناورة لدولة في وضع إيران، والثاني أنّ الحصار ما زال مستمرا ويتفاقم. ولذلك من المحتمل أن يسعى الإيراني، عمليّا، لإثبات استمرار قدرته على الفعل والمناورة، وهو ما من شأنه أن يبقي هذه المناورة تدور على حافّة الحرب، مهما امتلك الطرفان من إرادة لتجنّبها. ولأنّ الحصار ما زال مستمرا، والاحتجاجات الشعبية في إيران غير منقطعة، وترامب ما زال في السلطة في ظرف أمريكيّ انقساميّ، فإن شبح الحرب سيبقى قائما، ولن يبقى الإيراني منتظرا، في سلبية قاتلة، عزل ترامب أو عدم التجديد له، إلّا إنْ حصلت تطوّرات جوهرية متّصلة تحديدا بقضيتي الحصار واتفاق النووي.