كتاب عربي 21

كيف حولت السعودية اليمن إلى ساحة مواجهة إقليمية

1300x600
لم يكن العام 2019 هيّنا بالنسبة لليمنيين ولقضيتهم المرتهنة حد الذل لإرادة السعودية والإمارات، البلدين اللذين قررا أن يحولا اليمن إلى ساحة مواجهة مع طواحين الهواء الإخوانية والإرهابية، تماماً كما يفعلان حالياً في ليبيا.

لكن يبدو أن نهاية هذا العام ينطوي على مفاجأة غير متوقعة قد تفتح شقاً في الجدار الذي بناه تحالف الرياض أبو ظبي، الذي سمح بأن يواصل البلدان سياسة تغلب عليها الاستهانة بنحو ثلاثين مليون يمني، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمحاولات المكشوفة للسيطرة على أجزاء حيوية من جغرافية البلاد، كما هو الحال في محافظتي المهرة وأرخبيل سقطرى.

يتجلى ذلك في الجولة التي قام بها وزير النقل صالح الجبواني، وشملت القاهرة ومسقط والكويت وأنقرة، وقد تتبعها زيارة مماثلة لنائب رئيس الوزراء وزير الداخلية أحمد الميسري. ولا شك في أن تحركاً كهذا يعكس إحباط السلطة الشرعية والطيف الواسع المساند لها، ويعبر في الآن ذاته عن حاجة الشرعية إلى تنويع خيارات الإسناد الإقليمي الذي قد تجده من أطراف ضاقت ذرعاً بالسياسات الكارثية للسعودية في بلد كبير كاليمن.

ترتكب السعودية خطأ فادحاً بإصرارها على التعاطي مع ما يجري في اليمن بأنه مواجهة مع إيران ومع غيرها من القوى الإقليمية المؤثرة كتركيا مثلاً، في الوقت الذي تتورط في دعم قوات متمردة في ليبيا، وتشجع العمليات العسكرية الروسية في محافظة إدلب، وتمول بقاء القوات الأمريكية في شمال سوريا، بغية الضغط على تركيا التي لم تكن يوماً عدواً للسعودية ولم تكن تضمر أجندة خفية حيال الحرب الدائرة في اليمن.

ولسنا في غنى عن التذكير بأن نهج السعودية الذي يصر على تحويل معركتها في اليمن إلى مواجهة إقليمية مع ما تسميه المد الإيراني، بدلا من الإسراع في معركة الحسم المفترض أن تؤدي إلى إنهاء الانقلاب وتميكن اليمنيين من استعادة دولتهم.. هو من تسبب في الهجمات الخطيرة والنوعية على المنشآت النفطية السعودية من حقل شيبة إلى معامل تكرير النفط العملاقة في بحيص وبقيق، إلى خطوط ضخ النفط "شرق غرب"، مروراً بالمطارات والمصافي ومحطات الكهرباء في جنوب المملكة والتي تقف إيران وراءها بصورة أو بأخرى.

وعلى الرغم من الهجمات التي تعرضت لها السعودية، إلا أنها تبدو أقرب ما تكون إلى عقد صفقة مع طهران، فيما تزداد وطأتها على السلطة الشرعية والذي تجلى بشكل واضح في فرض اتفاق الرياض على السلطة الشرعية، ليكون الغطاء السياسي والإطار القانوني للانقلاب المدعوم من الإمارات.

وإذا ما استمر النهج السعودي فإنه لا ضمانة من أن لا يتحول اليمن بالفعل إلى ساحة لصراع متعدد الأطراف. قد يؤدي ذلك إلى تعقيد الأزمة ويطيل الحرب في اليمن المنهك، لكن من شأنه أيضاً أن يفتح أبواب الأمل أمام اليمنيين في مقابل اليأس الذي يهيمن على حياتهم جراء التدخل الكارثي للمملكة في اليمن.

إن أصدق ما يمكن قوله بخصوص العام 2019 أنه كان عام الإنجازات الكارثية للتحالف في اليمن. فقد تحول الانسحاب الجزئي للقوات الإماراتية إلى غطاء لسلسة من الأعمال التخريبية التي لم تكتف الإمارات من ورائها بإظهار الرياض معزولة في مهمتها اليمنية وغارقة أكثر من أي وقت مضى، بل أيضاً أرادت أن تظهر الفارق بين وجودها وانسحابها، وإلى أي مدى يمكن لليمنيين أن يدفعوا ثمن زوال هيمنتها العسكرية عن بلادهم.

وهكذا دعمت الإمارات بكل إمكانياتها انقلاب العاشر من آب/ أغسطس الذي نفذته قوات المجلس الانتقالي ضد السلطة الشرعية، وأشعلت أكثر من حرب في شبوة وأبين، قبل أن تتطور الحرب إلى هزيمة ثقيلة لعشرات الآلاف من قوات الأحزمة اليمنية والنخب التي أنشأتها ضداً على الاجندة الوطنية وسيادة الدولة اليمنية، ما اضطر الطيران الإماراتي إلى مهاجمة الجيش الوطني على مشارف عدن وأبين ويوقع 300 شهيد في صفوف هذا الجيش.

لقد تكرس الفشلُ السياسي والعسكري على كافة المستويات خلال العام 2019، وتضعضع أداء التحالف وهو تضعضع يبدو أنه كان مقصوداً لذاته، فالحرب توقفت ضد الحوثيين، بل إن الإمارات شجعت الحوثيين على التقدم في المناطق التي تتواجد في الحدود الشطرية السابقة بهدف إعادة فرض هذه الحدود، بدليل أن انقلاب عدن جاء محصلة الجمود في المواجهات العسكرية مع الحوثيين، في مقابل دفع القوات الموالية للإمارات لخوض جولة حرب انتهت بطرد الشرعية من عدن.

أما في مسار الجهود الدبلوماسية فقد أضيف اتفاق الرياض العبثي في أهدافه مراميه، إلى تفاهمات استوكهولم كمسارين يعانيان من الجمود المفضي إلى الفشل المحتوم، على الرغم من أن السعودية تستمر في البناء على هذا الاتفاق باعتباره الإنجاز الأبرز لها بعد قرابة خمسة أعوام من تدخلها العسكري.

ومع هذا الفشل في كلا مساري الرياض واستوكهولم، تتضاءل فرص السلطة الشرعية في استعادة نفوذها، خصوصاً بعد أن باتت عدن رهنا لنفوذ الميلشيات التي تعبث بالمشهد الأمني في العاصمة المؤقتة تحت أنظار القوات السعودية صاحبة النفوذ الأكبر، إثر انسحاب القوات الإماراتية المشكوك في صحته من العاصمة السياسية المؤقتة.