قضايا وآراء

الهدف من "برقبة" الحالة المصرية!

1300x600
يخطئ البعض حين النظر إلى الخلافات التي تدب بين شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب ورأس النظام في مصر؛ على أنها حالة تجاذب بين طرفين، فشيخ الأزهر الذي استخدم لإضفاء الشرعية على انقلاب الثالث من تموز/ يوليو يحصنه الدستور، وإلا لكان قد أطاح به رأس النظام، مع أن الواقع يثبت أن السيسي لا يحترم قانون أو دستورا، فقد أطاح بوزير دفاعه وشريكه في الانقلاب صدقي صبحي. إلا أن السيسي لم يطح بالطيب، وقد يرجع ذلك للمكانة الأدبية التي يمتلكها منصب شيخ الأزهر في العالم الإسلامي، والذي يعد إحدى القوى الناعمة للدولة المصرية على مر العصور، والتي حاول كل الرؤساء من بعد يوليو 1952 الحفاظ عليها، وإن كانوا في نفس الوقت يحاولون تحجيمها، على الأقل على المستوى الداخلي، حتى يتم الاستفادة منها.

الأسبوع الماضي قال عبد الفتاح السيسي إنه لن يوقع على مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي يجري مناقشته حاليا من قبل البرلمان في مصر، إذا تبين أنه لا ينصف المرأة، وهو ما يراه البعض على أنها رسالة إلى شيخ الأزهر الذي يرى أن الأزهر وحده صاحب الحق الأصيل في إبداء الرأي فيما يتعلق بأحكام الأسرة باعتبارها شأنا إسلاميا لا يمكن تجاوزه.

وعندما توضع تصريحات السيسي في الظروف التي قيلت فيها يمكن تفهم الأمر وأبعاده، وما يحاول السيسي تسويقه من خلال تلك التجاذبات التي تظهر من وقت لآخر بينه وبين شيخ الأزهر. فتصريح السيسي جاء خلال مشاركته في الجلسة الحوارية في منتدى أسوان بعنوان "تعزيز دور المرأة الأفريقية في تحقيق السلم والأمن والتنمية"، وهي الصورة الذهنية التي يحاول السيسي تقديمها لنظامه الذي انقلب على الجماعة "الإرهابية"، ومن ثم فهو يقدم الصورة "الوسطية" للدين الإسلامي الأقرب إلى الاتفاقيات الدولية والنظرة العلمانية الليبرالية الغربية، بعيدا عن التشدد بالتمسك بالنصوص.

فالمتفحص لهذه الصورة التي يحاول النظام تصويرها للغرب، يجد أنها الأقرب إلى الأتاتوركية، أو إن شئت فقل البورقيبية التي لم تكن علاقتها بالدين علاقة مركبة وعلاقة معقدة فبورقيبة لم يترك الإسلام وشأنه وإنما حاول منذ الأيام الأولى للاستقلال أن يبدي رأيا أو يبدي قراءة جديدة في الإسلام، تركت أثرا ملموسا في العلاقات المجتمعية والضوابط الحاكمة التي وضعتها الشريعة في العلاقات الأسرية في النفقة والطلاق والإرث وغيره.

وهو نفس النهج الذي اتخذه السيسي من أول يوم أعلن فيه انقلابه على الشرعية الدستورية للرئيس مرسي. فتعيين حلمي النمنم وزيرا للثقافة، صاحب تصريح "مصر علمانية بالفطرة"، كان مؤشرا واضحا لما ينوي السيسي انتهاجه من سياسة طمس الهوية الإسلامية المتجذرة في دولة كانت المنطلق لنشر الإسلام لقارة بأكملها.

في مقال نشرته صحيفة "هآرتس" العبرية في آب/ أغسطس 2015، نوه البروفيسور إيلي فودا، رئيس دائرة الدراسات الشرقية في الجامعة العبرية، إلى أن السيسي معني بقمع المركّبات الإسلامية والعربية المنغرسة بعمق في الهوية المصرية، وتفسير ذلك هو إتاحة الفرصة أمام سيطرة هادئة على شعب مسخ يمكن تطويعه بدون ثوابت ولا قيم تحركه من أجل رفض من يخالف تلك الثوابت والقيم، وهو ما يفسر أيضا محاولاته المستميتة للدفع بنجوم من قاع المجتمع لتصدر المشهد الإعلامي والقيمي، مع نسج ستار دخاني كثيف على العقلية النقدية للمجتمع بإشغاله في قضايا هامشية ورجعية تدفعه إلى عالم ما قبل الأديان.

إن الخطاب الديني لرأس النظام في مصر لا يخرج عن كونه مراوغة ومغازلة للغرب لإظهار هوية جديدة لدولة كبيرة بحجم مصر لطالما تحركت فتحرك معها العالم الإسلامي، وهو ما يعرفه جيدا الغرب، الذي استطاع أن يقضي على العراق ثم سوريا، وهما خزانان حضاريان لا يمكن الالتفات عنهما في حال أصابت الأمة صحوة الحراك للتخلص من الهيمنة الغربية. ولما تسبب التخلص من سوريا في أزمة أصابت الحليم بالحيرة، بعد هذا الطوفان البشري الذي زحف إليها، فإن مصر المئة مليون لن يكون التعامل معها بنفس الطريقة وإلا غرق العالم في كارثة لا يمكن حلها، لذا فإن طمس الهوية وتدجين الشعب وتجويعه هو الحل الأمثل الذي استقر عليه الغرب وينفذه السيسي بكل دقة.