كتاب عربي 21

المنظومة تتراجع رغم الرُّغاء الغالي

1300x600
نصطنع كثيرا من التفاؤل، ولكننا لا نعدم مؤشرات عن تقدم حقيقي لم يلمسه الناس في حكومة فعالة، فالناس يرون رأي العين اضطراب منظومة الفساد والاستبداد. إنها في ورطة لا تفلح معها في تأليف صفوفها لعودة قانونية؛ إلا عودة من الباب الخلفي بطرق غير مشروعة. لقد سدت عليها منافذ كثيرة، أولها رئاسة الجمهورية، حيث يبدو قيس سعيد هادئا يؤلف فريقا ليس عليه شبهة، وينتظر حكومة منتمية إلى روح انتخابات 2019.

ليست روح الانتخابات التي نستشعر إلا روح الثورة التي تبحث عن تثبيت مواقع أقدامها في رمال المنظومة المتحركة، والتي تعود إلى اصطناع الأكاذيب والخدم لتعيش منهم، وقد أعوزها الصدق. أولى مؤشرات تفاؤلنا رغم الغيوم السياسية هي كم الإشاعات الكاذبة التي لا تعيش لأكثر من ساعتين في مواقع التواصل، ونضيف إليها الكثير في سياق الورقة، لنخلص إلى أن الريح مواتية للخروج بالبلد من حفرة المنظومة. متى يكون ذلك؟ سنكتب دوما أن مزاج البلد وإيقاع السياسة العامة ليس مزاج الأفراد، وأن الصبر ضروري.

الإشاعات علامة إفلاس

عاشت تونس يوم الأحد والاثنين على وقع كذبة كبيرة سرعان ما تلاشت في الريح وكشفت عن مصدرها، فقدمت الدليل على فقدان الحيلة وضعف الموقف لمن أصدرها وكشف الباقين في مربع الصراع الهوياتي الذي تجاوزه الشعب التونسي في انتخابات 2019.

تقول الإشاعة إن أردوغان (وليس تركيا الدولة) سيعيد تصدير 460 إرهابيا تونسيا متورطين في الحرب السورية إلى تونس، وأنه سيشحنهم (هكذا) إلى مطار النفيضة، وهو مطار بنته شركة تركية ولا يزال تحت إدارتها طبقا لصفقة فاسدة عقدها بن علي مع الأتراك قبل الثورة. وبدأت ماكينة إعلام المنظومة تربط بين عودة الإرهابيين وبين حزب النهضة، وتلقي إليه بالأوامر أن يعدم أو أن يعيد الترحيل، ثم تنتقل إلى أن هؤلاء سيكشفون من قام بالتسفير أولا، وأن الفضيحة قادمة لنعرف شبكة الإرهاب التونسية التي يديرها حزب النهضة.

وفجأة أصدر الأتراك ما يفيد بأن ليس في من ترحل من الإرهابيين تونسيون في الطريق إلى بلادهم، وسقط كل شيء.. ليس هناك إرهابيون تونسيون سفرتهم النهضة ويعيدهم أردوغان (ضمن خطة الربيع العبري العظيمة).

الدرس الأوضح أن كل البناء على الخبر الكاذب ليس إلا فقرا في القدرة على مواجهة النهضة في تشكيل الحكومة، طبقا لموقعها الذي منحته إياها الانتخابات، مما يعيد لها زخم فعلها ودورها في الالتزام بحقيقة الصندوق.

إلى جانب هذه الكذبة التي لم تعش يومين، راجت إشاعة موت الرئيس المؤقت والتي أطلقت ليلا وماتت صباحا، حيث تبين أن الرجل يحتفل بالمولد النبوي في بيته وبين أسرته، ليربط التونسي المدرب على فضح الإشاعات بين ذلك وبين فضيحة انفجرت في منطقة الساحل وتشير إلى أسماء كثيرة مورطة في شبكات سلاح، مما اضطر الأجهزة الأمنية إلى التدخل للململة الموضوع. ولا نعلم بعد مصير من أطلق الإشاعة ومصداقية الموقف الأمني الذي نفى وجود سلاح يروج في المنطقة خارج القانون، فالبحث لا يزال جاريا. حرب الإشاعات دليل صارخ على إفلاس الموقف وغياب الرؤية ضمن مخرجات انتخابات قدمت الرغبة في التغيير والمحاسبة. إنها المنظومة تستعمل آخر أسلحتها وتفشل.

محاربة الفساد اختبار حقيقي

بنى طيف سياسي واسع، وفي مقدمته حزب التيار الديمقراطي (22 مقعدا)، موقفه السياسي ودعايته الانتخابية على محاربة الفساد، ووضع مسلمة ثابتة أن حزب النهضة متورط في الفساد ومتواطئ مع الفاسدين. وكان من شروط تماسك هذا الموقف نظريا أن يردد دوما أن حكومة 2014-2019 الفاسدة هي حكومة النهضة، وليست حكومة النداء، فيغفل عامدا أن الرئاسات الثلاث (الدولة والحكومة والبرلمان) كانت عند حزب النداء، وأن موقع النهضة في الحكومة كان مكملا ضعيفا. ويغفل أيضا تلك المناورة الكبيرة التي وضعت قانون منع المحاسبة في ميزان مع قانون المساواة في الميراث، بحيث يؤجل قانون المساواة بشرط الموافقة على قانون الفساد. (وقع حزب النهضة هنا في ورطة بين فكره المحافظ وبين أمانته السياسية، فخسر على جبهة الأمانة ولم يسقط قانون الميراث بعد) ولكن يتم تغييب ذلك ليمسك عليه أنه أمضى على قانون المصالحة.

كما يتم تغييب المكسب الكبير من رفض وثيقة "قرطاج 2" عبر التمسك بحكومة الشاهد التي ضمنت الانتخابات في مواعيدها (يصور الشاهد هنا كعلامة فساد، ولكن التفاوض يجري معه على المشاركة في حكومة قادمة من قبل مقاومي الفساد، خاصة إذا رفض التعاون من النهضة). لقد كان هناك مشروع انقلاب عطلته النهضة والشاهد، فصور ذلك في باب حماية الفساد، بما يفقد مقاومي الفساد الحالي مصداقيتهم؛ إذ يغضون الطرف عن هذا ويبدأون من صفر اخترعوه.

الفساد سياسي أولا أنه فساد المنظومة التي تحمي نفسها بالأجهزة لتنهب المال العام في منعة تامة. والفساد يعرف قبل من يزعم مقاومته؛ أن حزب النهضة لا يؤتمن في هذا الجانب، وإن بدا موقفه مائعا أو مناورا، لذلك نتأمل المشهد فنجد المستفيدين من الفساد يقفون مع من يزعم مقاومته ويتهم النهضة. (مطلوب أن نكون على قدر من الغباء لكي نقبل الصورة المقدمة إلينا في الإعلام عن سياسيين أطهار؛ لم نر لهم من مقاومة غير الصوت العالي في البرلمان). ونسجل أن طلبهم من الحكومة يحظى بقبول الفاسدين غير الخائفين منهم.

لم نلغ عقولنا بعد ليمر منها خطاب سياسي مراوغ يستبله الناس زاعما البراءة، لذلك نجد في المراوغة تقسيم أداور بين الفساد وحماته الجدد. وهي لعبة خطابية قديمة نعرفها في خطاب الجامعة الطلابي، حين يبدأ الخطيب برمي الآخرين بما فيه فيدفعهم إلى موقف دفاعي لا يسمح لهم بالخروج منه.

وهذا النوع من الخطاب علامة عندنا على فقدان الحجة، إذ يفتقد إلى الجدية والصدق في مواجهة فعلية لمطالب الشارع المتفائل بنتائج انتخابات 2019. إنه خطاب المنظومة التي فقدت لسانها فتستعير ألسنة جديدة ينظفها في الإعلام ويطلقها في الشارع السياسي، لتقوم بنفس دور خدم المنظومة التي تكتفي بالصمت والنهب وإطلاق الإشاعات للتمويه.

إنه مثير تفاؤل عندنا لأنه يكشف قصر النفس وفقدان الحجة والارتباك أمام احتمالات تقدم المسار، ولو عبر انتخابات سابقة لأوانها. ونجده يردد بيقين أن الانتخابات القادمة (السابقة لأوانها) ستخير حزب النهضة رصيده، متغافلا عن أن المسار المتقدم الآن ليس مسار حزب النهضة وحده، وإنما النهضة طرف فيه لا غير، وأن الطرف الحقيقي هو حالة الوعي بالمستقبل الخالي من الفساد، والذي قدم قيس سعيد للرئاسة، وبدأ يكتشف في ظرف وجيز جدا أن ما كل من زعم مقاومة الفساد نظيف، بل مخادع وضع نفسه في ورطة أكبر منه.

نحن في مرحلة دقيقة تكشف بسرعة أن بناء حياة سياسية على أساس التكالب ضد حزب النهضة، ولو باسم مقاومة الفساد، لا يؤذي حزب النهضة، وإن عطله عن القيام بدوره كحزب فائز، بل يؤدي إلى اضمحلال هذه الروح الاستئصالية الناعمة المتخفية خلف حذلقات لغوية منها الادعاء بملكية مفاتيح الثورة؛ لأن الشعب التونسي (المتهم بالجهل) بكل بساطة انسحب من هذه المعركة نهائيا بعد أن وُرط فيها لعقود، وينتظر من يقود معركة حقيقية ضد الفساد عدوه الحقيقي. وهو يخلص في أقل من شهر إلى أن مكونات المشهد الحالي غير جديرة بالتصديق. وهو يدرب نفسه بصمت على الحسم في أول موعد انتخابي لا نراه أبعد من 2020. بقي فقط أمر وحيد وواضح أن لا يرتبك حزب النهضة الفائز أمام رغاء المنظومة المرعوبة، وأن يتحمل مسؤوليته التاريخية التي وكله الشعب بها.