كتاب عربي 21

جمعتان وتقطيع الأوصال.. أحداث كاشفة (27)

1300x600

أنهينا المقال السابق بعبارة تلخص المتحصل من مشاهد ما بعد عشرين أيلول/ سبتمبر؛ " هذا هو مسرح المشهد بكل عناصره ومقوماته لحراك الجمعتين.. وعن الجمعتين حديث آخر يحمل في طياته المعنى الأكبر بأن عجلة التغيير قد دارت، وأن حاجز الخوف على فاشية النظام قد كُسِر، وأن الشعب أكد أن الثورة لا زالت تسكن بين جوانحه، وأن استئناف الثورة أمر صعب وليس باليسير، ولكنه ليس مستحيلا، وأن إحياء الثورة قابل للاستئناف.. ولحديث الجمعتين مقال قادم".

أردنا من هذا المقال السابق أن نعرف أن شأن السياسة وتحليل الأحداث المتعلقة بها؛ لا يحتمل ولا يتحمل أوصافا مثل التشاؤم والتفاؤل.. علّمنا ذلك الدرس في زمن مضى أستاذنا الكبير الدكتور حامد ربيع، حينما سألنا سؤالا للاستدراج: هل نحن في وضع يدعونا للتفاؤل أو التشاؤم؟ كنا طلبة في السنة الرابعة، فانقسم الطلاب بين متفائل ومتشائم، وبعد برهة من استطلاع الآراء ألقى على مسامعنا كلمات أظنها كلمات ذهبية من أستاذ قدير؛ أن السياسة لا تعرف التفاؤل والتشاؤم ولا تقاس بهذه الأوصاف.. للسياسة قوانين كبرى تحكمها وتظلها، وفهم تلك القوانين وفعلها هو أهم شروط الوعي السياسي وما يترتب عليه من حركة سياسية.

أقول ذلك ونحن في مفتتح الكلام عن الجمعتين ما بعد العشرين من أيلول/ سبتمبر، حتى نستلهم تلك المعاني التي وصانا بها الدكتور ربيع، ذلك العالم الذي آمن بالوظيفة الكفاحية لعالم السياسة.

السيسي المنقلب هذا شأنه.. وصفه محمد علي (الفنان- المقاول) بممارسة الفساد والكذب والخيانة؛ والطاغية صناعته الاستخفاف والاستبداد وتشكيل القطيع وتكريس حالة الاستعباد، وهو حينما يمارس استبداده في ظل استراتيجيته التي تتعلق بالإفقار والتجويع والترويع والتفزيع؛ إنما يريد بذلك أن يشكل أمرا واقعا يسلس فيه قياد الناس واستعبادهم، ومن ثم فقد مارس كل أنواع العسف والقهر والقوة والكبت وتكميم الأفواه ليصنع مجتمع الخوف.. أراد بذلك أن يصدر تلك الطبعة الجديدة التي يحكم فيها سياسات نظامه، وإحكام كل طريق لمنع تكرار ما حدث في ثورة يناير 2011.. قرر أن يستعبد الناس وأن يصنع الكراهية، وأن يحدث صدعا في المجتمع، وأن يحرص على تمكين لغة الاستقطاب بين الرفقاء ليكونوا فرقاء وربما أعداء.

 

أراد أن يمكّن لسياساته في إطار الاستراتيجية الاستعمارية "فرق تسد".. المستبد من أنواع السيسي لا يفترق في ممارسة استراتيجيات الاستعمار في هذا المقام، ويتحرك لا يرى إلا نفسه ولا يرى إلا كرسيه

هكذا أراد أن يمكّن لسياساته في إطار الاستراتيجية الاستعمارية "فرق تسد".. المستبد من أنواع السيسي لا يفترق في ممارسة استراتيجيات الاستعمار في هذا المقام، ويتحرك لا يرى إلا نفسه ولا يرى إلا كرسيه، فهو موضع اهتمامه وسياسات طغيانه. وينظر من خلال الغدر الذي مارسه طيلة مسيرته المهنية في التزلف لمحاولة الوصول؛ فيمارس كل أنواع الخداع الاستراتيجي حتى يصل إلى ما وصل إليه، والغادر تطارده غدرته.. إن ثقته فيمن حوله أمر لا يمكن أبدا أن يستقر أو يستمر، ولذلك فإنه لا يأمنهم ولا يأمن غدرهم، كما هو حمل لواء الغدر من قبل، ومن هنا كانت كل سياساته التي أدت إلى تآكل معسكر داعميه وازدياد مساحات معسكر مختصميه وضحاياه.. هؤلاء طالهم من ظلمه ومن توجيه مؤسسات لممارسة الظلم اليومي على كل مواطن، فصار له في كل مكان خصم، وفي كل أسرة مَظلمة، وهو أمر حرك مصانع الغضب، ليس فقط بين خصومه، ولكن أيضا بين من يساعده في مؤسسات تحسب معه، وربما بعضها قد ينقلب عليه.

في جمعة العشرين من أيلول/ سبتمبر، كان هذا الوضع الذي أشرنا إليه يشكل وسطا مواتيا لاحتجاجات، خاصة بعد تلك العناصر التي أشرنا إليها في المقام السابق، حينما كانت الإشارة إلى الوصل بين ثورة يناير وبين احتجاجات سبتمبر.. هذه من تلك، وهي موصولة ببعضها تعبر عن ذلك الغضب الذي تفاعل من جراء فساد السيسي وزبانيته، رغم ادعاء الشرف، فافتضح حاله وانكشف سره بسلسلة من الوقائية أداها محمد علي في كثير من الفيديوهات التي عرضها، وعرض فيها فساد السيسي ومدى استخفافه وإهداره للمال العام بشكل متعمد تفوح منه رائحة الفساد والتنعم بأموال الناس، على الرغم من خطاب ظل يردده "إحنا فقرا أوي". ومع خطاب "احنا فقرا أوي" أبرز محمد علي سلوك الترف والتنعم بأموال هؤلاء الفقراء وسرقة أقواتهم، لتشييد القصور الرئاسية من دون ضرورة أو داع، بل إنه، مستخفا، أكد أنه قد بنى قصورا وسيبني أخرى، مدعيا بشكل فج أنه على صواب لأنه يفعل ذلك باسم مصر.

وأكثر من ذلك، يدعي السيسي أنه يبني دولة في العاصمة الإدارية، وكأن بناء الدولة لا يكون بمؤسسات وأدوات، ومن خلال سياسات وترتيبات وتأسيس عمليات، فقط هو يركز على تشييد الأحجار ولا يتعامل مع المعاني الحقيقية لبناء الدولة لأداء وظائفها الجوهرية، واتخذ من إدراكه الذي يتسم بالشكلية أساسا لنظرته التي يتماهى فيها مع الدولة، حتى يعتبر نفسه أنه هو الدولة.

 

كانت تلك الجمعة جمعة احتجاجات ظن البعض أنها لن تكون، ولكنها وصلت إلى الميادين واتسعت في جغرافيتها، حتى شملت المحافظات والأقاليم

هذه الرؤية القاصرة والمقصرة في فهم أدوات الدولة؛ عبرت عن حالة اختطاف مؤسسات الدولة وتسييرها لخدمة أغراضه ورؤاه المريضة لتأمين استبداده وتكريس طغيانه. ومن هنا كانت تلك الجمعة جمعة احتجاجات ظن البعض أنها لن تكون، ولكنها وصلت إلى الميادين واتسعت في جغرافيتها، حتى شملت المحافظات والأقاليم في الإسكندرية وفي السويس وفي الشرقية ودمياط وفي البحيرة وبعض مدن الصعيد، لتعبر بذلك عن امتداد جغرافي ممتد، وعن شباب صغير متنوع ربما كان في مرحلة الطفولة حينما قامت ثورة يناير، فكانت تلك الاحتجاجات في جمعة العشرين من سبتمبر استلهاما لثورة يناير.


في جمعة السابع والعشرين نال السيسي بعض الدعم من ترامب وفي إطار اعتماده في شرعنته على الخارج لا الداخل ومستقويا بذلك.. قرائن عدة عن تصاعد الدعم الخارجي تمثلت في تصريحات هستيرية من داخل الكيان الصهيوني؛ من جهات إعلامية بل ومن حاخامات وشخصيات دينية وجهات شبه رسمية، كلها تدور حول حماية السيسي والمحافظة عليه في سدة الحكم بعد أن استثمر الكيان الصهيوني فيه.. هذه التصريحات الكاشفة إنما تؤشر على سياسة أخرى في تلك الجمعة لا تعبر عن مواجهات من أجهزة الأمن للمحتجين والمتظاهرين بالوسائل الاعتيادية، بل إن السيسي أراد أن يمنع كل طرق الاتصال بين هؤلاء من خلال استراتيجية تقطيع الأوصال التي يتبعها الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، وهو أمر لا يستبعد معه أن يقوم هؤلاء الصهاينة بأداء النصائح له في مواجهة تلك الانتفاضات، ضمن سياسات تقطيع الأوصال وإقامة الكمائن وانتشارها لقطع أي آليات تواصل أو اتصال بين المنتفضين والغاضبين؛ فضلا عن مواجهتهم بالطرق الأمنية، فإن كان لهم تجمعات فتكون محل استهداف..

هذه الطريقة المعتمدة من قبل المحتل الصهيوني الغاصب في مواجهة الاحتجاجات في وسط غاضب، وحاكى السيسي ذات الأسلوب من خلال مستشاريه من الصهاينة، ليجعل من الجمعة الثانية محاولة لإجهاض حركة الغضب والمحتجين المعبرين ذلك.

 

الجمعة الأولى تمت إدارتها بشكل يختلف عن الجمعة الثانية؛ والأسلوب الذي اتبعه النظام في فترة ما بين الجمعتين يعطي دلالة على رعب النظام وخوفه الشديد من أي تحرك

فالجمعة الأولى تمت إدارتها بشكل يختلف عن الجمعة الثانية؛ والأسلوب الذي اتبعه النظام في فترة ما بين الجمعتين يعطي دلالة على رعب النظام وخوفه الشديد من أي تحرك، فقام باعتقال ما يزيد عن 3120 شخص دون أي اعتبار/ وكان ضمن هؤلاء ما يقارب المئة من النساء، فضلا عن قيامه بعمل حملات تفتيش بالقرب من الميادين، شملت فتح الهاتف الخاصة وتتبع ما فيها.. وتمثل هذا الأسلوب أيضا في حالات قبض عشوائية، حتى أنه تم القبض على بعض مؤيدي النظام، كما اعتقل البعض من المقاهي والشوارع الجانبية.

من أجل كل ذلك كان تصديرنا هذا المقال بمقولة لأستاذنا الدكتور حامد ربيع، ذلك أن أمر الثورات خاصة والسياسة عامة لا يرتبط بأوصاف مثل التفاؤل والتشاؤم، ولكن الأمر يرتبط بسياسة مستبد غاصب حاكى أدوات واستراتيجيات محتل غاصب في استراتيجيات تقطيع الأوصال؛ إلا أن هذه الطرائق التي يتبعها السيسي لن تصمد أمام مصانع الغضب التي تزايدت، والتي يمكن أن تعبر عن غضبها واحتجاجها بأشكال أخرى، بعد أن دارت حركة التغيير التي لن تتوقف حتى يرحل السيسي الطاغية.