قضايا وآراء

جدل زيارة إلهان ورشيدة للقدس وفلسطين

1300x600

بدعوى تأييدهما لمقاطعة الكيان الإسرائيلي منعت وزارة الداخلية في الكيان الإسرائيلي الخميس الموافق 15 آب (أغسطس) الجاري النائبتين في الكونغرس الأمريكي إلهان عمر ورشيدة طليب من زيارة مقررة لفلسطين المحتلة، في قرار تماشى مع مطلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي استبق بساعات قرار المنع الإسرائيلي بدعوته قادة الكيان الإسرائيلي لمنع النائبتين من القيام بجولتهما في الأراضي المحتلة، معتبرا السماح لهما بالزيارة "ضعفا كبيرا".

 

تنسيق أمريكي إسرائيلي

دعوة الرئيس الأمريكي والاستجابة الإسرائيلية السريعة كشفت عن تنسيق كبير بين السفير الأمريكي في الكيان (ديفيد  فريدمان) والسفير الإسرائيلي في أمريكا (رون دريمر)؛ فدعوة ترامب وسرعة الاستجابة ليست محض مصادفة؛ خصوصا أن المخاوف لدى سلطات الكيان تركزت على إمكانية قيام النائبتين (الهان عمر ورشيدة طليب) بزيارة المسجد الأقصى بمرافقة ممثلين من السلطة والأوقاف الإسلامية في المدينة المقدسة تزامنا مع الذكرى الخمسين لإحراق المسجد الأقصى على يد الأسترالي الإنجيلي المتطرف (مايكل دينس روهان) المتدثر بعباءة سائح بتاريخ 21 آب (أغسطس) 1969.

 

الملف الفلسطيني فرض منطقه على الحملات الانتخابية وبات جزءا منها بل ومحورها هذه المرة، ولكن بطريقة معكوسة غير مسيطر عليها من قبل الناخبين.


الزيارة مثلت هاجسا للكيان الإسرائيلي وللرئيس الأمريكي ترامب بتسليطها الأضواء على العديد من الحقائق المرتبطة بالاحتلال وممارساته؛ مهددة بحرج كبير للكيان الإسرائيلي وللإدارة الأمريكية والقوى اليمينية المتطرفة، إذ ستذكر بالتحريض الذي يمارسه اليمين المتطرف والديني متسببا بسقوط ضحايا وإثارة الفوضى بين الحين والآخر سواء في أمريكا أو خارجها والتي تمثل حادثة إحراق المسجد أحد اوجهها العميقة؛ فما حدث في المسجد الأقصى قبل 50 عاما على يد دينيس مايكل روهان تجسيد لهذه الحقيقة المتطرفة التي تتكرر يوميا باقتحامات تدعو إلى هدم المسجد الأقصى  وإحراقه كما فعل روهان أملا بتسريع ظهور المسيح بحسب الرواية الإنجيلية المتطرفة.

حرج قدّر السفيران فريدمان ودريمر والمستشارون في البيت الأبيض بأنه سيفوق حرج المنع للنائبتين من الزيارة على الأرجح؛ لتأتي النتيجة على خلاف التوقعات، إذ أثارت حادثة المنع موجة كبيرة من الانتقادات خصوصا بعد أن انضمت إليها منظمة الأيباك (لجنة الشؤون العامة الأمريكية ـ الإسرائيلية)  المعروفة بمناصرتها للكيان الإسرائيلي؛ كما انضم إليها عدد كبير من النواب الديمقراطيين بل والجمهوريين.

 

موجة من الانتقادات في أمريكا


موجة الانتقادات كان على رأسها زعيمة الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب (نانسي بيلوسي) بدعوتها للتراجع عن القرار لينضم إلى الحملة (بيرني ساندرز) المرشح للانتخابات التمهيدية للرئاسة  في الحزب الديمقراطي؛ فساندرز وجه انتقادات لاذعة للكيان الإسرائيلي ولإدارة ترامب؛ إذ دعا بشكل علني لمراجعة المساعدات الأمريكية إلى الكيان الإسرائيلي، فمن حق النائبتين زيارة (الدولة) التي تتلقى أكبر قدر من المساعدات الأمريكية ومعرفة وجهة هذه المساعدات وآلية انفاقها، تصريح شجع (إلهان عمر) الدعوة لإيقاف المساعدات للكيان الإسرائيلي ومقاطعتها.

 

الملف الفلسطيني بات أكثر الملفات تأثيرا رغم تزاحم الملفات سواء كان الاقتصادي المرتبط بمؤشرات الركود أم بالحرب التجارية والتهديدات الصينية والكورية الشمالية


التفاعلات الناجمة عن قرار المنع وما تبعه من تراجع إسرائيلي لم تتوقف؛ إذ علق الرئيس الأمريكي ترامب على دعوة إلهان عمر لقطع المساعدات الاقتصادية للكيان الإسرائيلي بالاستنكار متهما اليهود الذين يصوتون للحزب الديمقراطي بــ (الجهل وانعدام الولاء)، خصوصا وأن دعوات المقاطعة للكيان الإسرائيلي وقطع المساعدات لم يكن من الممكن سماعها قبل أعوام قليلة بحسب ترامب ليثير بذلك موجة جديدة من الغضب في صفوف اليهود الأمريكيين هذه المرة بعد أن وصفهم بالجهل وانعدام الولاء، علما أن ما يقارب الـ 70 إلى 80% منهم يصوتون للحزب الديمقراطي بحسب الإحصاءات الداخلية في أمريكا.
 
التراجع عن قرار المنع لم يوقف سلسلة التفاعلات في الساحة الأمريكية كما لم يوقفها إعلان رشيدة طليب الامتناع عن زيارة جدتها في فلسطين المحتلة؛ فبعد إعلان رشيدة طليب تراجعها عن الزيارة عقب مكالمة مطولة مع جدتها؛ سارع  ترامب إلى الإدلاء بدلوه مرة أخرى مسيئا للجدة والحفيدة في آن واحد مثيرا مزيدا من اللغط الداخلي في أمريكا.

الملف الفلسطيني فرض منطقه على الحملات الانتخابية وبات جزءا منها بل ومحورها هذه المرة، ولكن بطريقة معكوسة غير مسيطر عليها من قبل الناخبين. فالتسابق على دعم الكيان لم يكن المحور الأساس بل انتقاده هذه المرة؛ ومحاولات ترامب توجيه ضربة لخصومه الديمقراطيين عبر منع الزيارة ومهاجمة الحزب الديمقراطي كجزء من حملته الانتخابية قاده إلى مزيد من الأخطاء والفوضى والإرباك بمهاجمة من أسماهم (3+ AOC  ) وقصد به النائبة إلهان عمر ورشيدة طليب والكسندار أوكاسيو  وإيانا بريسلي ومن ثم مهاجمة الناخبين اليهود المصوتين للحزب الديمقراطي.

ختاما: عاد ترامب لتكتيكه القديم للخروج من الأزمة بتحديد موعد جديد لصفقة القرن (خطته لتصفية القضية الفلسطينية)، موعد يرتبط بإعلان نتائج الانتخابات في الكيان الإسرائيلي، فالملف الفلسطيني بات أكثر الملفات تأثيرا رغم تزاحم الملفات سواء كان الاقتصادي المرتبط بمؤشرات الركود أم بالحرب التجارية والتهديدات الصينية والكورية الشمالية في أعقاب الإعلان عن نشر صواريخ متوسطة المدى أمريكية في كوريا الجنوبية؛ أو الملف الإيراني في الخليج. سيطر الملف الفلسطيني على الأجواء بمنحنى مقلوب لا يختلف عن منحنى العقود الطويلة والقصيرة الأجل التي أنبأت بالركود الاقتصادي المرتقب في أمريكا؛ فالمنحنى المتعلق بالقضية الفلسطينية بات مقلوبا أيضا في أمريكا مبشرا بتحولات مهمة؛ فكما قال ترامب لم يكن أحد يجرؤ على مناقشة قطع المساعدات عن الكيان الإسرائيلي علنا قبل ثلاث سنوات الأمر الذي بات حقيقة، فهناك من بات يجرؤ على الكلام أخيرا وهناك من بات يناقش ويلمح إلى مخاطر الاقتحامات في القدس والمسجد الأقصى.