كتاب عربي 21

الارتباك في تحديد يوم العيد!

1300x600
انتقل الارتباك من مؤسسات السياسة إلى المؤسسات الدينية، فكان الارتباك في تحديد أول شهر شوال، الذي هو أول يوم عيد الفطر المبارك. وهو ارتباك أنتجه عقل مرتبك، هو من يحكم المدينة!

فإذا كانت هناك دول أخذت بالرؤية، وأخرى أخذت بحساب الفلك، فإنه إلى الآن، لا نعرف مرجعية دار الإفتاء المصرية؛ ذلك بأنه إذا كان مرجعيتها الرؤية، فقد كان عليها أن تأخذ بالقاعدة التي أرستها، وهي أن أي دولة تشترك مع مصر ولو في جزء من الليل وقد رأت الهلال، فوجب على مصر أن تلتزم بقرارها، وهي القاعدة التي أخذت بها المحروسة دائما، ولم تحد عنها سوى في الفترة التي تولى فيها الدكتور محمد سيد طنطاوي موقع مفتي مصر، فاعتمد علم الفلك، الأمر الذي استمر لعام واحد بعده، في عهد المفتي "علي جمعة"، الذي ربما كان يتقرب إليه باعتماد رؤيته، ثم بعد ذلك عاد من جديد للأخذ بالرؤية الشرعية، وبانتظار القرار السعودي!

والمعنى أنه منذ 22 عاما، استقر الرأي في دار الإفتاء على العودة إلى ما كان الحال عليه قبل سنة 1986، حيث تحدد الشهور الهجرية وفق الرؤية، التي تكون غالبا معتمدة على ما تعلنه الجهة المنوط بها الأمر في المملكة العربية السعودية. وإذا كنا قد عاصرنا سيطرة "الرأي الخاص" للمفتي على اتجاه دار الإفتاء المصرية كما في حالة الشيخ طنطاوي، فإن اللافت أن المفتي الحالي "شوقي علام" ليس جديدا على الموقع الوظيفي، فهو يتولى منصبه منذ ست سنوات، ويعتمد القاعدة القديمة الخاصة بالرؤية، فما الذي جد هذا العام؟!

الذين يعيشون في الريف المصري، يستطيعون لوضوح الرؤية؛ التمكن من الحكم بأنفسهم على صحة وخطأ ما تعلنه دار الإفتاء، إن لم يكن في الليلة الأولى للشهر الهجري. ففي الليلة الثانية، بل إنهم في الليالي التالية، يمكنهم الإقرار بأن هذا الهلال هو "ابن كم من الأيام". وقد كنت في أيام الصبا أشارك الناس في محاولة تتبع الهلال في يوم الشك بعد صلاة الفجر، في انتظار قرار دار الإقتاء في مساء هذا اليوم، فنعرف إن كان يومنا هذا هو اليوم الأخير في الشهر الفضيل أم سيتبعه يوم جديد. ولم أسمع أحدا شكك في الرواية الفلكية، وعلى العكس من هذا، فالتشكيك يحدث كثيرا في مع اعتماد الرؤية، التي لا تبدو أنها تفتقد للدقة.

وإذا كان من المعلوم أنه مع كل 33 سنة يتطابق الشهر الميلادي مع الشهر الهجري، فقد انتظرت مصر الاحتفال بانتصار أكتوبر 1973م، عندما يكون يوم السادس من تشرين الأول/أكتوبر هو يوم العاشر من شهر رمضان، لكن هذا لم يحدث، على نحو يفيد بأن حرب تشرين الأول/أكتوبر لم تكن يوم العاشر من رمضان في سنة 1973، أو أنها لم تكن كذلك مع مرور 33 عاما من وقوعها!

ومع التأكد من وقوع مثل هذه الأخطاء بتحديد أوائل الشهور الهجرية وفق قاعدة الرؤية، حدث في إحدى السنوات أن أقرت السعودية بذلك، حد أن الملك دفع الفدية نيابة عن الشعب السعودي، الذي أفطر يوما بالخطأ، ومع ذلك، فإن العقل الفقهي الرسمي ارتاح للقاعدة القديمة والتقليدية، التي مفادها اعتماد القرار السعودي، فكل الدول التي تأخذ بهذه القاعدة هي تتبع القرار السعودي، ولو كان خاطئا!

لقد دفع الملك الفدية عن الشعب السعودي، لكنه لم يدفعها عن ملايين المسلمين في العالم، الذين صاموا بناء على تحديد خاطئ من السعودية لبداية شهر رمضان!

ولنا في مصر ذكرى ليست طيبة مع مثل هذا الارتجال السعودي؛ ففي أحد الأعوام من سنة بين 1982 و1985، وهي الفترة التي تولى فيها الشيخ عبد اللطيف حمزة رحمه الله منصب المفتي في مصر، حدث أن نام المصريون بعد إعلان دار الإفتاء المصرية، بأن غدا هو المتمم لشهر شعبان وفقا لما انتهى السعوديون إليه. لكن قبل الفجر كانت دار الإفتاء قد عدلت عن قرارها أخذا بقرار سعودي جديد، نصه أن الغد ليس المتمم لشهر شعبان، وانطلقت مكبرات الصوت في المساجد تنبه على المسلمين بهذا الخبر الجديد، ومن متطوعين في الشوارع يدعون الناس للاستيقاظ والإسراع بتناول السحور قبل أذان الفجر!

وهناك من فشلت كل هذه الدعاية في إيقاظهم، فعرفوا الحقيقة، عندما جاهروا بالإفطار في أماكن عملهم!

ورغم هذه الأخطاء المتكررة، فقد كانت دار الإفتاء المصرية تتبع القرار السعودي، مع أنها أقدم من الدولة السعودية ذاتها، حيث تأسست الدولة السعودية الحالية سنة 1902، بينما تأسست دار الإفتاء المصرية سنة 1895م. ومن المؤسف أنه بعد 124 من تأسيسها، ترتبك بهذا الشكل وتضيع منها البوصلة. ولست هنا أتحدث عن طريقة بعينها في تحديد أوائل الشهور، فقد تجاوزنا هذا الأمر في هذا العام، فالمفتي في مصر لم يأخذ بهذه القاعدة أو تلك، وإنما تعامل على أن مصر دولة وحيدة في هذا العالم، مغلقة على نفسها ومقطوعة الصلة بمن حولها، وعليه فإن لم تر الهلال، فليس لها أن تأخذ بقرار أي دولة أخرى، ولو كانت تشترك مع مصر في الليل كله، وليس في جزء منه!

إن المفتي "شوقي علام" هو نفسه المفتي الذي اعتمد الطريقة التقليدية على مدى ست سنوات في تحديد بداية ونهاية شهر رمضان، فما هو الجديد في هذا العام الذي أنتج هذا الارتباك، هل هي السياسة؟!

كنت سأتفهم الأمر لو أن المفتي تراجع عن القاعدة التقليدية المتوارثة للأخذ بالحساب الفلكي، كما فعل الشيخ سيد طنطاوي، وكذلك كما فعل "علي جمعة" في سنته الأولى، متقربا زلفى من شيخ الأزهر الجديد الذي له يد في اختياره مفتيا، قبل أن يعود بدار الإفتاء إلى اعتماد القديمة، ويستمر الحال على ما هو عليه، فالمفتي الحالي اعتمد جزءا من القاعدة القديمة، وهو الرؤية فقط، رؤيته هو، ولم يأخذ بحسابات الفلك وأهله.

رغم أن كثيرين يتحدثون عن حضور السياسة في تحديد أول شهر رمضان، الأمر الذي يبدو أكثر وضوحا في حالة العقيد الليبي معمر القذافي، إلا أنني لم أدرسها في الحالة المصرية، فهل كان الأمر إشارة لأهل الحكم بالسعودية بأن عهد التبعية قد يولي، وأن اللبيب بالإشارة يفهمُ؟!

أهل الحكم في السعودية جاءهم ما يشغلهم، فترامب لا يشبع أبدا، وقد توقفوا منذ فترة عن ضخ المزيد من "الرز" للسيسي، وتركوه غارقا في الرمال المتحركة التي يبني عليها عاصمته الإدارية الجديدة، فهل أراد بهذه الإشارة أن يقول لهم أنه قد يذهب بعيدا؟!

لا أعتقد أن الأخذ بالنظام القديم في تحديد أوائل الشهور الهجرية قد يهم أهل حكام السعودية الآن، وقد يعلن علماء المملكة في العام القادم أو الذي يليه أنهم سيعتمدون الحسابات الفلكية، للتأكيد للغرب أن المملكة تتغير، وأنها تعتمد الحداثة في كل شيء، لكن تكمن المشكلة ليس فقط في أهمية النظام القديم، ولكن في إشارات التحرر من السياسة المصرية القديمة، ولم تتأثر العلاقة بين البلدين بقرار المفتي محمد سيد طنطاوي بالأخذ بالحساب الفلكي؛ لأن العلاقة بين مبارك وآل سعود، لم تكن بحاجة لبنود إضافية لتأكيد "الحب العذري"، وعندما كانت تحتاج لإثبات، اعتقل ما أسماه بتنظيم منكري السنة، مع أنه ليس مشغولا بسنة أو قرآن!

وهناك من يقول إن عبد الفتاح السيسي قد يتحلل من علاقته بالرياض وأبو ظبي، ويذهب إلى الدوحة منفردا، وهو ما أستبعده؛ لأن الحضور الإماراتي بدرجة كبيرة في مصر، والسعودي بدرجة أقل، يجعله ليس سيد قراره، فللإمارات في المشهد السياسي والإعلامي المصري، أكثر ما للسيسي فيه، لكن ربما كانت هذه كلها إشارات للفت الانتباه إليه، تماما كما حاول في البداية أن يلفت انتباه واشنطن الذهاب شرقا، لكن رسائل وصلت إليه بأن الأمر لا يحتمل هذا التصور البدائي لما كان حاصلا في مصر في عهد عبد الناصر، باعتقاد القدرة على ملاعبة القوى العظمى وملاغتها!

إن على دار الإفتاء أن توضح للناس الأمر، حتى لا نذهب بالتحليل بعيدا.