مقابلات

أكاديمي مغربي: فرنسا سعت لتنصير بلادنا انتقاما للأندلس

أكاديمي مغربي: حفظ القرآن الكريم كان له دور كبير في مواجهة السياسة الاستعمارية الفرنسية (عربي21)

أثير في الآونة الأخيرة جدل كبير في المغرب حول لغة التدريس، وهناك اليوم نقاش كبير داخل المؤسسة التشريعية حول مشروع القانون، الإطار الذي سينظم عملية إصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وثمة قضية أثارت كثيرا من الجدل تتعلق بلغة التدريس. 

الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم تقترح مبدأ التناوب اللغوي في تدريس المواد العلمية، وتعتبر أن اللغة العربية هي اللغة الأساسية للتدريس في هذه المواد، وتقترح في إطار التناوب اللغوي تدريس بعض المجزوءات أو المضامين في المواد العلمية باللغات الأجنبية. 

واليوم ثمة وجهتا نظر في الموضوع، وجهة نظر ترى أنه لا يجب التخلي عن تدريس المواد العلمية باللغة العربية، ويمكن مسايرة ما طرحته الرؤية الاستراتيجية من تدريس بعض المجزوءات وبعض المضامين بلغة أجنبية. والمقصود هنا لغة أجنبية هكذا بشكل مفتوح وليس اللغة الفرنسية فقط. 

وهناك وجهة نظر أخرى، تقول إن الفشل الذي أصاب منظومة التربية والتكوين في المغرب سببه هو قرار تعريب التعليم، وأنه إذا أردنا أن نخرج جيلا من المتحكمين في اللغات ألأجنبية، ومن الذين يستطيعون الالتحاق بسلاسة إلى سوق الشغل، لا بد من فرنسة المواد العلمية. 

لمناقشة هذا الموضوع، وللحفر في جذوره وأصوله، وللنظر في السياسات الفرنكفونية في المغرب، وأيضا لتتبع مسار تعريب التعليم في المغرب، ومآله، وأهم الملاحظات التي كانت عليه آنذاك، نستضيف الأستاذ محمد بلبشير الحسني، أحد الرموز الوطنية الكبيرة، الذي خبر دهاليز الإدارة في مجال التعليم، وتولى مسؤوليات كثيرة في هذا القطاع، وكان له الفضل في بلورة عدد من المشاريع الإصلاحية في قطاع التعليم، بل كان له الفضل الأكبر في تأسيس شعبة الدراسات الإسلامية وتعميمها في مختلف كليات الآداب والعلوم الإنسانية بالمغرب.

 



س ـ في البدء، نريد أن نعود للأصول الأولى والجذور التاريخية للصراع بين السياسة الاستعمارية الفرنكفونية وسياسة الحركة الوطنية في الدفاع عن اللغة العربية، وعن التدريس بها وعن إقرار سياسة تعلمية وطنية داخل المغرب. نريد أن نتعرف منك على الجهود الأولى للعلماء والمفكرين وقادة الحركة الوطنية في مناصرة اللغة العربية وتأكيد دورها في بناء تعليم حر ومستقل.


 ـ  بسم الله الرحمن الرحيم. الحقيقة أن تمسك المغاربة بموضوع اللغة العربية باعتبارها لغة القرآن من جهة، ولغة العلم والحضارة لمدة قرون، وذلك بإقرار العلماء، فقد صدر مؤخرا شريط فيديو لعالمين من مركز البحث العلمي الفرنسي، تحت عنوان "عصر الذهب، حينما كان العالم يتحدث باللغة العربية".

ابتدأ الاهتمام بموضوع اللغة العربية وإصلاح التعليم بصفة عامة، قبل الحماية، وبالتحديد منذ سنة 1908، حينما كان للملك المولى عبد العزيز دستور، وكان من بين بنوده أنه لا يمكن أن يلج سلك الوظيفة في الدولة مغربي لا يتقن اللغة العربية، كتابة وتعبيرا. كما ورد فيه بند آخر، يمنع أي مرشح لعضوية مجلس الأمة (البرلمان) أن يأخذ عضويته في هذا المجلس، ما لم يكن متقنا للغة العربية.  

ثم استمر الاهتمام باللغة العربية والعناية بها في مختلف الدساتير، منذ الدستور الأول الذي وضعه بطل حرب الريف محمد بن عبد الكريم الخطابي، إلى دستور 1962 والدساتير التي تلته إلى دستور 2011. وبشكل خاص في الديباجة. هذا من حيث جانب الدستور، ثم هناك تصريحات للملوك الثلاثة، محمد الخامس والحسن الثاني ومحمد السادس، في ضرورة العناية باللغة العربية والنهوض بها، وهذه التصريحات مفيدة وواضحة جدا.

أما بالنسبة للحركة الوطنية، سواء في شمال المغرب خاصة عند حزب الإصلاح، أو في جنوبه عند حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال، فقد قاومت مقاومة عنيفة محاولة الاستعمار الفرنسي تفريق المغاربة من بربر وعرب.

س ـ تقصد بسياسة الظهير البربري سنة 1930


 ـ نعم. ولذلك التجأت الحركة الوطنية في المملكة إلى إحداث مدارس حرة للحفاظ على اللغة العربية والتعليم الإسلامي عموما، مع تدريس بعض العلوم باللغة العربية وخاصة العلوم البحتة والطبيعية التي كانت في عهد الاستعمار الفرنسي تدرس باللغة الفرنسية. إلا أنه بعد استقلال المغرب، أنشئت أول كلية للآداب والعلوم الإنسانية بعد أن كانت بعض معاهد الدراسات العليا المغربية تابعة لجامعة بوردو الفرنسية، فأنشئت جامعة محمد الخامس سنة 1957، وكانت تضم كلية الآداب والعلوم الإنسانية، في ذلك الوقت أقدمنا على تعريب العلوم الإنسانية والاجتماعية.
 
 س ـ أستاذنا الفاضل، قبل أن نصل إلى هذه الخطوة التي كان لكم فيها دور كبير في بلورة مشروع تعريب العلوم الإنسانية والاجتماعية من خلال موقعك كنائب للعميد، ثم العميد بعد أن التحق العميد  المؤرخ الفرنسي جوليان بفرنسا، قبل ذلك، نحن نريد أن نفهم المشاهد والقارئ، سبب تركيز السياسة الاستعمارية على نبذ اللغة العربية، إلى درجة أن بعض الوثائق التاريخية تتحدث عن قرارات للاستعمار الفرنسي بمنع الفقهاء ومن له مكنة في اللغة العربية من السفر، ما هي الخلفية التي كانت تؤطر الاستعمار الفرنسي في مثل هذه السياسات والقرارات في حق اللغة العربية؟


 ـ في الحقيقة، على لسان كثير من الباحثين الفرنسيين، كان الهدف من الحماية في المغرب تنصير المغاربة انتقاما من كونهم كانوا هم السبب في ظهور الإسلام في الأندلس، ولذلك، كانت هناك خطة سرية على أساس البدء في خطوة أولى بتنصير العنصر البربري في المملكة،  ففتحت مدارس، وخاصة في مناطق الأطلس، مثل أزرو، لا تدرس بها اللغة العربية، وإنما تدرس فيها البربرية إلى جانب اللغة الفرنسية، ثم في خطوة ثانية، اتجه الاستعمار الفرنسي إلى إبعاد العنصر البربري عن كل ما له علاقة بالشريعة الإسلامية لاسيما في المحاكم، فعمل الاستعمار على دفع البربر لتحكيم العرف المسمى عندهم بـ"يزرف"، بدلا عن أحكام الشريعة، وأراد الاستعمار أن يرسخ فكرة أن البرابرة هم أبعد ما يكونون عن الإسلام. ولذلك اشتغل الاستعمار في خطواته التنصيرية على البربر، وذلك بشكل متدرج، في انتظار أن ينتقل إلى خطوات أخرى تشمل غير البربر من ساكني المغرب، فينتشر التنصير في المملكة المغربية كلها.  

لكن هذه الخطة فضحت من قبل الحركة الوطنية، وخاصة بعد إصدار الاستعمار لسياسة الظهير البربري سنة 1930، لأنه في ذلك الوقت في نهاية العشرينيات وبداية الثلاثينيات، بدأت الوفود المغربية، من الحركة الوطنية ومن الطلاب يذهبون إلى المشرق العربي وخاصة إلى مصر، وكانت مصر تناصر المغرب في مطالبه التحررية من نير الاستعمار الفرنسي؛ ولذلك انتصرت فكرة مقاومة الظهير البربري سواء حينما ظهر، أو بعد أن حاول الفرنسيون تطبيقه في مجال التعليم وفي مجال إبعاد البربر عن اللغة العربية وعن الشريعة الإسلامية. 

فانتشرت من جهة المدارس الحرة التي أنشأتها الحركة الوطنية في الشمال والجنوب، وبدأت الحركة الوطنية تبعث بطلابها إلى المشرق العربي للتعمق في دراسة علوم اللغة العربية والدراسات الإسلامية. ومع انتشار هذه المدارس الحرة، بدأ الوعي يظهر في صفوف الشعب المغربي، الذي كان متمسكا بمرتكزات هويته وخاصة اللغة العربية والقرآن.

س ـ لو أردنا التعرف على حجم الإقبال الذي كان لهذه المدارس الحرة، وأثرها في تخريج جيل مقاوم للسياسات الاستعمارية التي كانت تستهدف اللغة العربية، كم كان حجم الإقبال عليها؟


 ـ أولا، لم نتحدث إلى الآن عن دور جامعة القرويين منذ سنة 1913، السنة الأولى التي أعقبت الحماية، كان الفقيه محمد بلحسن الحجوي، وزيرا للمعارف، وقد حاول أن يصلح جامعة القرويين، وأن يدخل فيها بعض العلوم البحتة على أساس تدريسها باللغة العربية، كما كانت في سابق عهدها منذ اثني عشر قرنا، وحينما لاحظ الاستعمار أن خطته للإصلاح ستمكن للغة العربية، قام بعزل الحجوي عن مهمته في الوزارة. 

ثم لا ننسى حفظ القرآن الكريم الذي كان له دور كبير في مواجهة السياسة الاستعمارية التي كانت تريد إضعاف اللغة العربية، حيث عمت ظاهرة حفظ القرآن جميع ربوع المملكة في البوادي والحواضر، كما كانت الزوايا، مثل الزاوية الدلائية والكتانية والناصرية وغيرها، تقوم بدور الجهاد للدفاع عن الوطن وفي الوقت ذاته، بدور التعليم على الشاكلة التي كان بها في جامعة القرويين، وكذلك كان الأمر في مختلف مساجد المملكة في أغلب المدن المغربية. 

فكان التعليم الإسلامي زمن الحركة الوطنية مركزا على اللغة العربية وعلى المتون والعلوم المرتبطة بالقرآن، وكان ذلك معمما في كل ربوع المملكة، إلى درجة أنه عند استقلال المغرب وتعيين محمد الفاسي وزيرا للتعليم، كان يوجد 500 ألف طفل حافظ للقرآن الكريم، ويحفظون بعض المتون، لاسيما في مناطق مثل سوس وبعض المدن مثل مراكش وفاس وشمال المغرب. 

ولذلك كان موضوع اللغة العربية هو موضوع التعليم الإسلامي عموما، وقد نجحت فيه الحركة الوطنية نجاحا باهرا، لأنها استطاعت أن توقف ما حاول الاستعمار الفرنسي أن يقوم به من تنحية اللغة العربية، وتنحية الدراسات المتعلقة بالإسلام، ثم بالنسبة لجامعة القرويين على الخصوص، التي أدت دورا كبيرا منذ البداية عن طريق شيوخ السلفية: أبو شعيب الدكالي والفقيه محمد بلعربي العلوي وغيرهم، الذين جاؤوا من بعدهم مثل علال الفاسي ومحمد بلحسن الوزاني وغيرهم من قادة الحركة الوطنية. هؤلاء أدوا دورا كبيرا في الدفاع عن اللغة العربية إلى أن وصلنا إلى الاستقلال.