أفكَار

جدل في المغرب حول حرية الإفطار العلني في رمضان

نشطاء مغاربة يطالبون بإدراج بإلغاء تجريم الإفطار في رمضان (الأناضول)

مع كل شهر رمضان، ينطلق الجدل في المغرب حول الحق في الإفطار العلني في نهار شهر رمضان، فمنذ تأسيس الحركة البديلة للدفاع عن الحريات الفردية في المغرب (مالي) سنة 2009، والسلطات المغربية تواجه عددا من عمليات التظاهر بالإفطار العلني التي يقرر نشطاء هذه الحركة خوضها في بعض الأماكن العمومية لاسيما في مدينة الدار البيضاء والمحمدية والرباط.

مع شهر رمضان الحالي، انطلقت حملة بصفحة على الفايسبوك، تبناها نشطاء هذه الحركة، تحمل اسم "ما صايمينش" (لن نصوم) تنشر صورا ومقاطع وفيديوهات تحرض على الإفطار العلني في شهر رمضان في تحد للمادة 222 من القانون الجنائي التي تجرم الإفطار العلني في الشارع في شهر رمضان.

تنطلق هذه الحركة، في مطالبها من مبدأ سمو المواثيق الدولية على التشريعات الوطنية، وتستند إلى المادة 18 من الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، الذي يمنحها الحق في حرية التفكير والضمير والدين، والحق في الديانة والمعتقد.

وتعتبر هذه الحركة موقفها من الصيام مثل موقفها من التدين عموما، وأنهما معا يجب أن ينحصر في الإطار الشخصي للأفراد، ولا يؤطر الحياة العامة، كالقوانين والتشريعات، كما اعتبرت أنه من المفارقة أن يستمر المشرع المغربي في اعتماد فصل ينص على عقوبة المفطر في رمضان يرجع تاريخه إلى المقيم العام الفرنسي الجنرال ليوطي.

قفة الملحد

والمثير في عمل هذه الحركة، هذه السنة، أنها على غرار الفعل الإحساني الذي تقوم به عدد من الجمعيات في إطار ما يسمى بقفة رمضان لإفطار الصائمين والتخفيف من معاناة الفقراء منهم، أعلنت هي الأخرى عن حملة ترويجية أسمتها بـ"قفة الملحد" والتي تهدف إلى جمع التبرعات لغير الصائمين، ومحاولة تنظيمهم في حراك احتجاجي منظم في الشارع العام للتحسيس بمطالبها في إلغاء المادة 222 من القانون الجنائي، واعتبار الصيام في شهر رمضان كما الإفطار فيه تدخل في إطار الحريات الشخصية.

وينص الفصل 222 من القانون الجنائي المغربي على أنه كل من عرف باعتناقه الدين الإسلامي، وتجاهر بالإفطار في نهار رمضان، في مكان عمومي، دون عذر شرعي، يعاقب بالحبس من شهر إلى 6 أشهر وغرامة لا تقل عن 200 درهم.

السلطات المغربية تتعامل بحزم مع هذه الحركة، وتفض كل التظاهرات التي يعلنون عنها، وتعتبر أن ما يقومون به استفزاز لمشاعر المسلمين، ومخالفة صريحة لمقتضيات المادة 222 من القانون الجنائي، موجبة للمعاقبة بأحكام هذه المادة.

وزير العدل الحالي، محمد أوجار، الذي كان وزيرا أسبق لحقوق الإنسان، مع نزعته الحقوقية، لم يساير مطالب تعديل هذه المادة، واعتبر أن صيام شهر رمضان من عدمه هو مسألة شخصية تخص علاقة الإنسان بربه، وأن من يريد ممارسة حريته فله ذلك، شريطة ألا يستفز مشاعر المسلمين الصائمين بالإفطار العلني في الشارع، وأن الدولة لا تبحث في الذين يفطرون في بيوتهم بشكل مستتر اقتناعا منهم بحقهم وحريتهم في الإفطار، معتبرا أن هذه القراءة منفتحة وإيجابية ولا تتعارض مع حقوق الإنسان.

 



السلطة السياسية في البلد، مثلها في ذلك مثل بعض الحركات الإسلامية، تعتبر أن مثل هذه الحركات،  تتحرك من وحي أجندة خارجية تتوسل بدعم الأقليات الدينية والهوياتية والثقافية من أجل استهداف الشرعية الدينية للبلد، وأنها تجد الدعم الكامل من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، إذ لطالما وردت فقرات مطردة في تقرير الحريات الدينية الأمريكي، كما وردت مطالبات في صلب هذا التقرير وغيره من التقارير الحقوقية الدولية، تطالب بتكييف جملة من المقتضيات الدستورية والقانونية والتشريعية مع منظومة حقوق الإنسان الدولية، وهو ما يعتبره المغرب مسا بسيادته، واستهدافا لوحدته الدينية والمذهبية.

الأكل في رمضان بدل الإفطار
 
المثقف العلماني الأمازيغي أحمد عصيد، له منطق مختلف، فهو يرى أن  مصطلح "الإفطار العلني في رمضان" مصطلح فقهي يهم المؤمنين والمسلمين، بينما هناك مصطلح آخر، هو  الأكل في رمضان، وهو يهم غير المؤمنين وغير المسلمين، وأنه لا يمكن أن نلزم غير المسلمين باصطلاحات فقهية شرعية تخص المسلمين، وينتقد عصيد رؤية الدولة التي ترى أن المغاربة كلهم مسلمين، في حين أنهم ليسوا كذلك حسب وجهة نظره، وبدل أن تترك الفرصة للناس لكي يقرروا هل هم مسلمون أم لا، تقوم الدولة بدلا عنهم بهذه الوظيفة، فتقرر أنهم مسلمون، وتتعامل معهم بناء على ذلك، في حين أن المجتمع المغربي، كما يرى عصيد متنوع ومتعدد، فيه المؤمن وغير المؤمن، المسلم وغير المسلم.

 



واعتبر أن الدعوات التي تخرج من المجتمع ـ يقصد دعوات الحركة البديلة ـ  إنما حفزها لذلك رغبتها في مقاومة رؤية الدولة التي تحاول أن تنمط المجتمع وتجعله متجانسا، في الوقت الذي  ليس هو كذلك، مؤكدا على ضرورة ألا يتم التعامل مع هذه الدعوات على أساس أنها انحرافات أو جرائم.

عبد الإله بن كيران، رئيس الحكومة السابق، في لقاء مع شباب حزبه في بيته مؤخرا، ميز في الموضوع بين الحكم الديني والحكم القانوني، فاعتبر أن مسألة الصيام هي مسألة حرية شخصية بالنسبة للأفراد، فمن أراد الصوم فله ذلك، ومن أراد الإفطار فذاك شأنه" لكن من الناحية القانونية، يقول ابن كيران: "هناك منع" والدولة من حقها اتخاذ إجراءات المنع خوفا مما قد يثيره الإفطار العلني في رمضان من مشاكل".

 


  
حركة التوحيد والإصلاح، تبنت طوال فترة المهندس محمد الحمداوي ما أسمته بالخطاب التدافعي القيمي في واجهة هذه الاستهدافات، وصنفت حركة الإفطار العلني في شهر رمضان في تقارير مركزها المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة المتتالية (خمس تقارير إلى اليوم) ضمن التحديات القيمية التي تحاول اختراق الوحدة الدينية والقيمية والمذهبية للمغاربة، كما خاض لسان لحالها (قبل أن تتوقف في سنة 2015) حربا قيميا مفتوحة على الحركة البديلة من أجل الدفاع عن الحريات الفردية.

المثير في الموقف، أن الدكتور أحمد الريسوني، الذي قاد هذه الحركة قبل مرحلة المهندس محمد الحمداوي، خرج سنة 2016، بموقف مخالف تماما لحركته، واصطف إلى جاب الذين يدعون إلى جانب الذين يدعون إلى إلغاء المادة 222 من القانون الجنائي، وبالتالي إنهاء تجريم الإفطار العلني في رمضان، مع تذكيره بأن مقاصده ونيته تختلف تماما مع مقاصد نشطاء الحركة البديلة.

 



الفقيه المقاصدي، استند على حيثيات كثيرة لتبرير موقفه المثير معتبرا أن الدولة لا يجب عليها أن تتدخل في العبادات (الصوم)، وأن ممارسات الدولة تظهر شكل التعسف في تنفيذ القانون وتوظيفه لمعاقبة المعارضين السياسيين، وأن ثمة أعذار شرعية قد تلزم بعض الأفراد والفئات للإفطار، وأنه لا مبرر لاعتقال أشخاص ومحاكمتهم في الوقت الذي يمكن أن يكونوا أصحاب أعذار شرعية كالمرض أو لسفر أو غيره من الأعذار الشرعية، معتبرا أن تدخل الدولة في هذا الموضوع ومباشرة الاعتقال والتحقيق للمفطرين في شهر رمضان هو من قبيل العناء غير المجدي.
  
واعتبر الريسوني أن الأصل في الدين هو الالتزام الذاتي وليس الإكراه، وأن تحويل الشريعة إلى قانون يعتبر جناية على الشريعة التي تقوم أساسا على الوازع الإيماني وليس الوازع السلطاني.

موقف أثار وقتها كثيرا من الجدل داخل حركة التوحيد والإصلاح وأيضا داخل بعض مكونات الحركة السلفية في المغرب.

من جهة حركة التوحيد والإصلاح، فقد أثار موقف الريسوني مواقف متباينة، فرئيس الحركة عبد الرحيم الشيخي، سبق له في حوار أن علق على رأي الريسوني، فقال بأن القضية اجتهادية وفقهية، وأن الحركة ليست هيئة إفتاء، وذكر أنه التمس من الدكتور أحمد الريسوني أن يفصل رأيه ويبسط أدلته، ومال إلى تبرير وجهة نظره بالقول بأن الريسوني يقصد فقط أصحاب الأعذار الشرعية، معتبرا أن قضية الإفطار العلني في رمضان لغير ذوي الأعذار الشرعية هي قضية سياسية، والمثير للانتباه أنه اعتبر أنه ليس مطلوبا من الحركة بالضرورة أن تتخذ موقفا من رأي الريسوني.

بعض القيادات الفكرية للحركة، انتقد بشدة رأي الشيخي، واعتبر أن هذا التردد في الموقف لا يستقيم أمام وضوح هوية المطالبين بإلغاء تجريم الإفطار العلني في رمضان بدعم حقوقي دولي، فهؤلاء لا يدافعون عن أصحاب الأعذار الشرعية، وإنما يحملون أجندة اختراق المنظومة القيمية للمجتمع، وأنه لم يثبت أن تضرر أصحاب الأعذار الشرعية من مضايقة المجتمع لهم وحرمانهم من حقهم من الإفطار، وأنهم لم يطالبوا عبر تاريخ الإسلام الطويل بالإفطار في الفضاء العام، حتى تخاض باسمهم معركة حقوقية بأجندة سياسية وقيمية مخالفة لمقاصدهم.

 



بل ذهبت هذه القيادات حد اتهام الحركة بالتخلي عن معركتها في التدافع القيمي، لاسيما وأنه قد تراكم في سلوك الحركة التدافعي موقفها الحاسم في هذا الموضوع، وسجلت بهذا الشأن مواقف مطردة، وخاضت معارك متواصلة ضد هذه الأجندات، وأن المنطقي أن يتجه سلوكها في نفس الاتجاه، وأن رأي الريسوني المختلف، لا يبرر هذا التراجع من جهة الحركة عن خطها ومنهجها في التدافع القيمي.

من جهة المكون السلفي، فقد كتب أحد رموز السلفية في المغرب، الشيخ عصام البشير أحد المقربين إل الشيخ حماد القباج، ردا طويلا على الدكتور أحمد الريسوني، ينتقد عليه محاولته تقديم حجج لخصوم  ثوابت الدين،  ويعتبر أنه أغفل السياق السياسي، الذي يظهر حقيقة دعوة هؤلاء، وأنهم لم يأتوا ليدافعوا عن حقوق ذوي الأعذار الشرعية في  الإطار في شهر رمضان، وإنما  ينفذون أجندة واضحة المعالم مدعومة من جهات غربية لتفكيك عرى الدين والمس بثوابته، وأن الأمر لا يتوقف عند حدود الصيام وإنما يشمل مختلف ثوابت الدين، ومن ذلك تحريم الزنا إذ يطالب هؤلاء بتبني مفهوم حرية الراشدين إذا تواطؤوا على ممارسة العملية الجنسية خارج مؤسسة الزواج.