كتاب عربي 21

النهضة تعتقد: بعد طرابلس سيأتي دور تونس

1300x600
تكتسب العاصمة الليبية أهمية خاصة وحيوية عند حركة النهضة. فقيادة هذه الحركة وأعضاؤها يتابعون بدقة المعارك الدائرة في طرابلس وحولها، وكأنها تقع في قلب تونس وفي أحوازها. ويرون في الجيش الذي يقوده اللواء المتقاعد خليفة حفتر خطرا حقيقيا؛ ليس فقط على سكان طرابلس أو التنظيمات المسلحة الملتفة حول حكومة الوفاق ومجلس الرئاسة بقيادة فايز السراج، وإنما يتجاوز ذلك لتصل أهداف الهجوم وتداعياته إلى تونس، وتحديدا الإسلاميين المشاركين في السلطة.

فالحرب في ليبيا ليست (من وجهة نظر الحركة) مجرد نزاع مسلح بين فصيلين محليين كما يبدو، وإنما هو في الأصل وفي العمق نزاع إقليمي ودولي، رغم أن الأطراف المتقاتلة هي أطرف ليبية، وأن المعارك الجارية تدور حول العاصمة الليبية.

يتأسس موقف النهضة على العديد من المعطيات من أهمها ما يلي:

- الدعم المصري الإماراتي للواء حفتر. إذ يعتقد النهضويون أن هذين البلدين تحديدا يخوضان حربا حقيقية على الإسلاميين في جميع دول المنطقة، بما في ذلك تونس. كما أنهما غير مطمئنين لاستمرار التجربة الديمقراطية التونسية بمشاركة النهضة، وهي الحركة التي تثير جدلا في المنطقة منذ ثورة 14 كانون الثاني/ يناير. إذ منذ ذلك التاريخ والحركة تشكل الحزب السياسي الأقوى والمحافظ على تماسكه الداخلي، مقابل معظم الأحزاب المنافسة التي يمكن للرياض وأبو ظبي التعامل معها دون تحفظ، والتي أصيبت بداء التنازع والتفتت المتواصل.

ولا تستبعد قيادة النهضة أن تكون القوى الداعمة لحفتر قد فكرت ورأت أن انفراده بالسلطة في كامل ليبيا؛ من شأنه أن يشكل تهديدا سياسيا وعسكريا مباشرا للإسلاميين في تونس، وإذا اقتضى الأمر تغذية الصراعات بين القوى السياسية التونسية بهدف التخلص من النهضة وحلفائها. أي في التقديرات التي تبني عليها حركة النهضة حساباتها المستقبلية يمكن لهذين البلدين نقل المعركة المسلحة إلى داخل تونس؛ إذا ما تقوت النهضة وفكرت في أن تحكم بمفردها.

- لم يخف اللواء حفتر عداءه وتهجمه على حركة النهضة وقيادتها. فهو ومن معه يعتبرون الإسلاميين (كل الإسلاميين) يعملون تحت راية واحدة، وينفذون خطة متكاملة. لهذا السبب، لم يستوعب حفتر كيف لم يفهم الجزء الواسع من المجمع الدولي أن الإخوان المسلمين في مصر أو ليبيا وتنظيم داعش والقاعدة وحركة النهضة ليسوا سوى غرف مفتوحة على بعضها، وأن الأسلوب الوحيد أو الأمثل هو استعمال القوة للقضاء على الجميع.

- هناك اطراف تونسية عديدة تعتبر أن الفوضى التي تعيشها ليبيا تقف وراء جزء كبير من الأزمة التونسية، حيث أن ليبيا كانت قبل الثورة توفر العمل لحوالي 150 ألف عامل تونسي. كما كان رأس المال الليبي جزءا أساسي من الاستثمارات الأجنبية في السوق التونسي. لهذا، فإن إعادة الوحدة والاستقرار في ليبيا لا يتحققان إلا عبر القوة العسكرية، وهو ما يحاول القيام به حفتر من خلال مسعاه نحو القضاء على "المليشيات المسلحة التي شكلها الإسلاميون لحماية حكمهم في المنطقة الغربية وخاصة العاصمة طرابلس". وتعتقد هذه الأطراف التونسية أنه بدل أن تقوم تونس "الخاضعة لنفوذ النهضة" بدعم حفتر في جهوده تلك، تعمل على العكس من ذلك؛ على "إطالة حالة الفوضى فيها من خلال دعم "المليشيات الإخوانية". ومن بين الأحزاب المؤيدة لهذا التحليل على سبيل المثال؛ محسن مرزوق الذي قال مؤخرا: "نعتقد أن مصلحتنا في تونس وشمال أفريقيا تتقاطع مع جهود الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر في مكافحة الاٍرهاب والتطرف وفوضى السلاح."

- أخيرا، لم تتمكن حركة النهضة حتى اللحظة الراهنة "التخلص" من تهمة كونها فصيلا من الإخوان المسلمون. إذ رغم تأكيدها في مرات عديدة بكونها حركة مدنية تونسية لحما ودما، إلا أن خصومها المحليين والدوليين يصرون، لحسابات عديدة، يصرون على وصفها بأنها حركة دينية تابعة للإخوان. وتكفي الإشارة في هذا السياق إلى أن الشيخ راشد الغنوشي اضطر في محادثاته الأخيرة أن يذكر محدثيه الفرنسيين بأن حركته ليست جزءا من حركة الإخوان.

مع أهمية هذه المبررات التي من شأنها أن تفسر تخوفات النهضة من الحرب الدائرة في العاصمة طرابلس، إلا أنها غير كافية لإثبات فرضية نقل الحرب إلى تونس. لكن مع ذلك، فإن المؤكد أن ما يجري على الأراضي اليبية سيحدد مصير الديمقراطية التونسية؛ نظرا لترابط البلدين، مما يجعل مصيرهما واحد. فقد صدق المحلل السياسي يوسف الشريف، عندما اعتبر أنه "سيكون حفتر متوجسا من تونس إذا بقيت ديمقراطية؛ لأن العديد من أعدائه سيهربون إليها وسيمثلون خطرا عليه"، وبالتالي "سيحاول زعزعة استقرار تونس وإضعافها، خاصة إذا مافازت حركة النهضة في الإنتخابات المقبلة".