كتاب عربي 21

الجزائر: هوة بين جمهور الشارع والمعارضة

1300x600

انطلاق المسيرات الشعبية في الجزائر ضد "العهدة الخامسة"، كان من الواضح أننا نشهد ظاهرة حصلت في السياق التونسي بداية انتفاضة كانون الأول/ ديسمبر- كانون الثاني/ يناير 2011، أي أن الطبقة السياسية المعارضة حتى في بعض مظاهرها الراديكالية نسبيا، مثل "طلائع الحريات" التي يقودها علي بن فليس أو حزب جبهة القوى الاشتراكية وحزب العمال بقيادة لويزة حنون، تواجه مشكلة حقيقية في تصدر هذا الحراك الشعبي. ويبدو هذا الطيف المعارض غير قادر ليس فقط على تزعمه، بل أيضا على التناسق مع مطالبه. إذ يبدو سقف الشارع أعلى من سقف المعارضة. فما معنى هذه الهوة وما هو تأثيرها على الترجمة السياسية لهذا الحراك؟

ما من شك أن منظومة الحكم في الجزائر تعتبر أن التحام المعارضة بهذا الحراك سيهددها مباشرة. وعبّر الرئيس الجزائري بوضوح عن هذا، في الرسالة المنسوبة إليه. إذ في رسالة بمناسبة اليوم العالمي للمرأة نشرتها وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية يوم الخميس، يقول بوتفليقة: "شاهدنا منذ أيام خروج عدد من مواطنينا ومواطناتنا في مختلف ربوع الوطن للتعبير عن آرائهم بطرق سلمية"، مضيفا: "لكن هذا لا يعفينا من الدعوة إلى الحذر والحيطة من اختراق هذا التعبير السلمي من طرف أية فئة غادرة داخلية أو أجنبية (..) قد تؤدي إلى إثارة الفتنة وإشاعة الفوضى وما ينجر عنها من أزمات وويلات".

 

تساوي السلطات الجزائرية بين "الاختراق" الداخلي والخارجي. وإذ يمكن لنا أن نكون واثقين من أن الجزائريين عموما ينبذون أي تدخلات خارجية.. فإنه من غير الواضح من المقصود بـ"الفئة الغادرة"

هنا تساوي السلطات الجزائرية بين "الاختراق" الداخلي والخارجي. وإذ يمكن لنا أن نكون واثقين من أن الجزائريين عموما ينبذون أي تدخلات خارجية، وهو ما حصل إثر بياني الاتحاد الأوروبي وواشنطن حول "حق التظاهر"، فإنه من غير الواضح من المقصود بـ"الفئة الغادرة" من الداخل، أو ما إن كان المعنى يتجه نحو كل طرف سياسي خارج المنظومة، أو بالتدقيق يستهدف بعض الأطراف الإسلامية. 

على كل حال، المعارضة لا يبدو أنها قادرة على أصلا على الالتحام السياسي بسقف الشارع. ففي ذات اليوم، نجحت أطياف المعارضة الجزائرية في لمّ شتاتها بدعوة من علي بن فليس، في أوسع اجتماع لمختلف أطيافها، سجل حضور الأطياف المدنية العلمانية والإسلامية.. ليس فقط الإسلاميين المتصالحين مع المنظومة، مثل حزب حمس، بل أيضا "جبهة الإنقاذ" (الفيس) التي حضرت في الاجتماع عبر أحد قيادييها التاريخيين، كمال قمازي. يبقى أن سقف المعارضة الذي أكد في مجمله على اعتماد الفصل 102 حول الشغور الرئاسي يبدو باردا، وليس في حيوية تحركات الشارع. وأقصى مطالبها لا يبدو أنه يزيد عن تأجيل الانتخابات الرئاسية. 

 

يبقى أن سقف المعارضة الذي أكد في مجمله على اعتماد الفصل 102 حول الشغور الرئاسي يبدو باردا، وليس في حيوية تحركات الشارع. وأقصى مطالبها لا يبدو أنه يزيد عن تأجيل الانتخابات الرئاسية

استضافة "الفيس" في الاجتماع سيستعملها الإعلام الموالي للحكم لاستذكار "العشرية السوداء"، فبعضها تحدث عن حضورها بوصفها "ضيف الشرف". وربما سيكون ذلك عاملا آخر لكي يتفادى المتظاهرون أي علاقة بالطيف المعارض. يبقى المشكل: كيف ستعبر هذه الحركة الاحتجاجية عن أي رؤية سياسية؟ وكيف ستصوغ مطالبها وتعبر عنها إن لم يكن عبر وسائط سياسية؟ وهل هي قادرة الآن عن إنتاج طليعة سياسية، ولو غير مهيكلة، للتعبير عن تصورها للبديل؟

يبدو ذلك سؤالا عالميا، وليس محليا جزائريا في السنوات الأخيرة. التحركات التي تتميز بالحشود الكبيرة، والتي تحدث عنها المفكر اليساري طوني نيغري على أنها إحدى ميزات مرحلتنا التاريخية، تستبعد التمركز القيادي، مثلما هو الحال في حركة السترات الصفراء في فرنسا.

في السياق الجزائري، يبدو تجنب الشارع للمعارضة تعبيرا عن تقييم لعملها طيلة السنوات الماضية، وإدانة لعدم قدرتها على التنظم والتقارب من أجل مواجهة منظومة الحكم، بل أيضا عقابا لجزء منها على تموقعها ضمن مؤسسات النظام حتى في موقع ضعيف. إذ إن الاتجاه الغالب والمتصاعد للتحركات الشعبية هو إدانة كل المنظومة بلا استثناء.


قيادة التحركات السلمية، سواء قرر النظام الجزائري استعمال العنف أو مواصلة التسامح معها مقابل مواصلته التمسك بموقفه، تستوجب حدا أدنى من الهيكلة والتنسيق، ومن غير الوضح إلى متى سيواصل المحتجون نبذ الأحزاب والمنظمات

في كل الحالات، فإن قيادة التحركات السلمية، سواء قرر النظام الجزائري استعمال العنف أو مواصلة التسامح معها مقابل مواصلته التمسك بموقفه (سواء التمسك ببوتفليقة أو تمرير مرشح جديد لكن خارج انتخابات حرة ونزيهة)، تستوجب حدا أدنى من الهيكلة والتنسيق، ومن غير الواضح إلى متى سيواصل المحتجون نبذ الأحزاب والمنظمات. 

هذا الوقت ستكون فيه هذه الاحتجاجات مصيرية، ليس للجزائر فقط بل أيضا لإمكانية استنهاض المغرب العربي ككل بسبب الموقع الاستثنائي حجما وموقعا للجزائر. بل أذهب الى ما هو أبعد من ذلك إذ أعتقد أن أي انتقال ديمقراطي في الجزائر سيترك أثرا في دولة مثل مصر، حيث مرت الجزائر بوضع قمعي كبير ضد الإسلاميين. ولكن المقارنة الأهم هي بلا شك في تموقع الجيش وهيمنته على مقاليد السلطة، فربما حاجز الخوف الذي ينهار في الجزائر سينهار مجددا في مصر.