صحافة دولية

FT: صبر بوتين ينفد في إدلب وصدع بتحالفه مع أردوغان

فايننشال تايمز: روسيا وتركيا تستعدان لمعركة أخيرة في سوريا- جيتي

نشرت صحيفة "فايننشال تايمز" تقريرا، تقول فيه إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استقبل في يوم الفالنتاين/ عيد الحب، قادة كل من تركيا وإيران في منتجع سوتشي على حفلة شاي وبسكويت، وكان الموضوع الرئيسي: إدلب

 

ويشير التقرير، الذي ترجمته "عربي21"، إلى أن هذه ليست هي المرة الأولى التي يناقش فيها الثلاثي مصير المحافظة السورية، إلا أن موسكو في هذه المرة عبرت عن نفاد صبرها من شريكها التركي. 

 

وتلفت الصحيفة إلى أنه بعد ثمانية أعوام من نزيف الدم، ومقتل نصف مليون سوري، وترحيل حوالي 7.6 مليون نسمة، فإن إدلب في مركز مواجهة جيوسياسية تمتد من أنقرة إلى موسكو وطهران، وتجر إليها واشنطن، وتنخرط فيها جيوش قوية ذات أهداف متضاربة. 

 

ويجد التقرير أن إدلب تعد امتحانا لزواج المصلحة بين الرئيس بوتين، الذي يدعم نظام بشار الأسد، والتركي رجب طيب أردوغان، الذي يدعم المعارضة السورية، مشيرا إلى أنه بالنسبة لـ2.5 مليون نسمة في المحافظة، فإن التوتر الذي شاب اجتماع سوتشي كان بمثابة حياة أو موت لهم، خاصة أنهم عالقون في المنطقة دون وجود أي مخرج أمامهم. 

 

وتذكر الصحيفة أن عدد سكان المحافظة زاد حوالي 600 ألف نسمة منذ عام 2006، حيث هرب الآلاف إلى إدلب من مناطق المعارضة التي سقطت في يد النظام. 

 

ويفيد التقرير بأنه كان من بين من راقب سوتشي، الناشطة في إدلب حليمة (38 عاما)، في وقت كانت فيه قوات النظام تضرب القرى الواقعة جنوب المحافظة، حيث قالت إن "مصير المنطقة يجب أن يقرره اتفاق دولي.. لكن هذه الاتفاقيات لن تكون في صالح الشعب السوري الذي يعاني طوال هذه السنوات، فهذه الدول لا تهمها إلا مصلحتها". 

 

وتنوه الصحيفة إلى أن بوتين وأردوغان اتفقا في أيلول/ سبتمبر على صفقة أوقفت مذبحة محتملة، ووافقت روسيا بموجب هذه الصفقة على تعليق هجوم خططت له على إدلب، وفي المقابل فإن تركيا وعدت أن تخرج المتطرفين من المحافظة الذين تعهدوا بالتمترس في المنطقة. 

 

ويشير التقرير إلى أن تلك الصفقة أصبحت في حكم الميتة، حيث انتقد بوتين في سوتشي نظيره التركي؛ لفشله في تنظيف المنطقة من المتشددين، بل سماحه لهم بالنمو عددا وتأثيرا، وفي الوقت ذاته بدأ اتفاق وقف إطلاق النار بالترنح، حيث قتل قصف مدفعي قام به النظام الشهر الماضي 60 شخصا. 

 

وتقول الصحيفة إن "هشاشة الصفقة تعكس شبكة من التحالفات بين القوى الأجنبية التي تعمل في سوريا، وبالضرورة مواقفها المختلفة بشأن مستقبل البلد، فعندما كان تنظيم الدولة في صعود مستمر تجاوزت القوى المتنافسة خلافاتها لمواجهة العدو المشترك، ومع المكاسب التي حققها النظام في دمشق بدأت الخلافات تظهر على السطح، وفاقم قرار الرئيس دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من سوريا من حدة التنافس، بل التكالب على ملء الفراغ الذي ستتركه أمريكا".  

 

وبحسب التقرير، فإن أردوغان يحاول المماطلة في إدلب، وسط الجدال بشأن مصير شمال شرق سوريا، والوجود الأمريكي في المنطقة، مستدركا بأن الكرملين يشعر بالقلق من التورط العسكري الطويل في سوريا، فما قصد منها عملية عسكرية سريعة لحماية نظام الأسد، وتأمين المصالح الروسية في القاعدة البحرية على شاطئ المتوسط في أيلول/ سبتمبر 2015، أصبح عمرها ثلاثة أعوام ونصف، ولم تعد تحظى بشعبية بين الروس. 

 

وتورد الصحيفة نقلا عن النظام السوري، الذي استطاع بدعم من روسيا السيطرة على ثلثي البلاد، قوله إنه يريد استعادة كل شبر من البلاد، فيما منح صعود الجهاديين في إدلب مبررا للروس والنظام لتنفيذ هجوم على آخر معقل للمعارضة. 

 

ويلفت التقرير إلى أن الأمم المتحدة حذرت من هجوم قد يؤدي إلى "أسوأ كارثة إنسانية في القرن الحادي والعشرين"، حيث يعيش الملايين في المنطقة دون مساعدات إنسانية، مشيرا إلى أن بوتين حذر بعد مؤتمر سوتشي من أن محور وقف إطلاق النار هو مؤقت. 

 

وتنقل الصحيفة عن النائب المقرب من النظام محمد خير عكام، قوله: "إدلب ستعود إلى سيطرة الحكومة.. قد لا تكون غدا أو بعد غد، إلا أن المعركة تقترب".

 

وينوه التقرير إلى أن القوى الخارجية تدخلت في الحرب الأهلية السورية منذ بدايتها، فإلى جانب دول الخليج والقوى الغربية وفرت تركيا السلاح والتمويل للمعارضين، الذين كانوا يهدفون للإطاحة بالنظام الديكتاتوري، أما روسيا وإيران فوقفتا مع حليفهما القديم، مشيرا إلى أنه مع خروج تنظيم الدولة وقواته الضاربة، فإن روسيا قدمت دعمها للنظام، مع أن الغارات الجوية والمساعدة للنظام كرست لمواجهة معارضيه من الجماعات المعتدلة، لا أصحاب الرايات السود. 

 

وتقول الصحيفة إن "التدخل الروسي كان حاسما، ورغم دعم أطراف مختلفة داخل النزاع، إلا ان روسيا وتركيا استطاعتا بناء علاقة عمل بينهما، وحاول بوتين وأردوغان الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية والاقتصادية بين بلديهما، وفي إدلب يعاني هذا التحالف من مشكلات ويتدهور، فتركيا تريد منع عملية عسكرية قد تجبر الملايين من اللاجئين على النزوح إلى أراضيها. وفي المقابل تريد روسيا سحق الجهاديين في إدلب ووقف الحرب، أما النظام في دمشق فيريد إخضاع آخر معاقل المعارضة له". 

 

ويورد التقرير نقلا عن مسؤول في الكرملين، قوله: "صبرنا ينفد.. ونريد مواصلة الشراكة مع تركيا، ولا نريد تعريض هذه الشراكة للخطر.. وفي الوقت ذاته لا نريد أن تعرض تركيا هذه الشراكة للخطر بعدم التحرك". 

 

وتنقل الصحيفة عن تركيا، قولها إنها تعمل ما باستطاعتها لتنفيذ المطلوب منها، ويقول مسؤول تركي: "يريد الطرفان الحفاظ على اتفاق إدلب في مكانه"، وتقول تركيا إن الهجمات التي ينفذها النظام على المحافظة تؤكد أن الاطراف تقوم بخرق بنود الاتفاق. 

 

ويورد التقرير نقلا عن ديمتري ترينين من مركز كارنيجي في موسكو، قوله: "في الوقت الذي تشعر فيه موسكو بخيبة الأمل، إلا أنها ليست يائسة من الوضع.. لا أعتقد أن موسكو أوهمت نفسها بشأن وحدة التحالف، بل إن حفاظها عليه يعد معجزة". 

 

وتفيد الصحيفة بأن فكرة استسلام روسيا للنظام وقيامها بمهاجمة إدلب تخيف من يعيشون فيها، فتقول راية، التي تدير منظمة نسوية، إن 80% من سكان المحافظة مطلوبون للنظام "وعليك أن تتخيل حجم الكارثة والدم لو دخل النظام المنطقة"، وتضيف راية: "نريد ضمانات من دول تتعهد بعدم السماح للنظام بدخول المحافظة"، خاصة أن قوات النظام متهمة بتعذيب المعارضين وسجنهم، واستخدام السلاح الكيماوي. 

 

وينقل التقرير عن دبلوماسي في بيروت، قوله: "لا تستطيع روسيا إيقاف الأسد عن دخول إدلب"، مع أنه بحاجة لغطاء جوي روسي، وهو ما يعطي موسكو نفوذا عليه. 

 

وترى الصحيفة أن الخيار لمن علقوا في المحافظة يظل كئيبا، فلا مكان أمامهم للهروب إليه، والحدود الوحيدة المتاحة مع تركيا أغلقتها أنقرة وحصنتها، لافتة إلى أن حلب تقع شرق المحافظة، ويسيطر عليها النظام، مع أن قوات المعارضة تسيطر على الطرف الشمالي لحلب، ما يشكل المهرب الوحيد المتوفر لسكان إدلب في حال قام النظام بهجوم عليها. 

 

وبحسب التقرير، فإن أردوغان يواجه سخطا في الداخل، لوجود 3.5 مليون لاجئ سوري، ومن هنا فإن فتح الحدود من جديد قد يغذي النقمة الشعبية.

 

وتذهب الصحيفة إلى أنه "مهما يكن فإن إدلب ليست ملجأ آمنا، وفيها أسوأ مستويات الحرمان من السكن، وهناك 275 ألف شخص يعيشون في المخيمات، وفيها 1092 سريرا لخدمة 2.5 مليون نسمة، ونظرا لعدم توفر الكهرباء فإن الكثيرين يعتمدون على الطاقة الشمسية، والبطالة عالية، ولا تذهب نسبة 40% من أطفال المحافظة إلى المدارس، وحتى وقت قريب كانت في المحافظة عدة جماعات متشددة تتنافس على السيطرة". 

 

ويذكر التقرير أن مسؤولا عسكريا أمريكيا قدر عدد الجهاديين فيها بحوالي 30 ألف مقاتل، مشيرا إلى أن المسؤولين الغربيين يخشون من محاولة المقاتلين الأجانب المقيمين في إدلب العودة إلى بلادهم. 

 

وتبين الصحيفة أنه في الوقت الذي نص فيه اتفاق أيلول/ سبتمبر 2018 على قيام تركيا بتحريك الأسلحة الثقيلة من تلك المناطق القريبة للنظام، إلا أن ما حدث هو العكس، ففي تشرين الثاني/ يناير قامت جماعة واحدة بدفع الجماعات الأخرى كلها، وخرجت منتصرة، وهي هيئة تحرير الشام، المرتبطة بتنظيم القاعدة، وتلوم موسكو تركيا على سيطرة هيئة تحرير الشام، وتشك في أن الأخيرة قد تتخذ من إدلب قاعدة للهجوم على قواتها. 

 

ويستدرك التقرير بأن أستاذ العلاقات الدولية في جامعة تويتو في أنقرة صابان كرداس، يرى أن محاولة السيطرة على الجماعات الجهادية في إدلب هي "مهمة مستحيلة"، مشيرا إلى أن المسؤولين الغربيين يتفقون معه. 

 

وتنقل الصحيفة عن الدبلوماسي في بيروت، قوله: "ما تستطيع تركيا السيطرة عليه هو الجماعات في شمال شرق سوريا"، في إشارة إلى الجماعات الوكيلة التابعة لتركيا، التي قاتلت نيابة عنها في عام 2016 و2018، وأضاف: "من لا تستطيع السيطرة عليهم هم الذين في إدلب". 

 

ويفيد التقرير بأن هيئة تحرير الشام استطاعت تسخير اقتصاد إدلب من خلال الضرائب والرسوم التي فرضتها على المعابر، والسيطرة على حركة النقل بينها وبين تركيا، وفرضت تفسيرها للقانون الإسلامي على السكان، سجنت المعارضين لها وعذبتهم، مشيرا إلى أن تركيا تتهم بعدم توفير الحماية للسكان من القصف الجوي الذي يقوم به النظام. 

 

وتورد الصحيفة نقلا عن ناشط، قوله إن الناس بدأوا بكره تركيا؛ لأنها لم تفعل أي شيء لحمايتهم من الغارات، وأضاف أن هناك حنقا متزايدا ضد هيئة تحرير الشام المسؤولة عن هذه الأزمة. 

 

ويستدرك التقرير بأنه رغم محاولة روسيا الحفاظ على التحالف مع تركيا، خاصة أن حدود الأخيرة تمتد على 910 كيلومترات مع سوريا، ما يجعلها مهمة في أي عملية إعمار، إلا أن طول أمد الدبلوماسية يعقد من المشكلة. 

 

وتختم "فايننشال تايمز" تقريرها بالإشارة إلى قول مسؤول روسي: "ليس لأن لدينا مشكلة في إدلب.. لكن المشكلة فيها تكبر كل يوم، وهناك حدود للصبر، وبوتين يفكر بها كل يوم، إنها مشكلة كبيرة"

لقراءة النص الأصلي اضغط (هنا)